مؤامرة 15 شباط الدوليّة وأعتقال “أوجلان”

0 409

يصادف اليوم 15 شباط الذكرى السنويّة العشرون للمؤامرة الدوليّة التي استهدفت القائد أوجلان في العام 1999, والتي شارك فيها عدد من أجهزة الاستخبارات الدولية إلى جانب الاستخبارات التركيّة, حيث أدّت إلى اعتقاله في مطار نيروبي بكينيا.

يواصل العشرات من النشطاء الكرد إلى جانب سياسيّين وبرلمانيّين حملة الإضراب عن الطعام دعماً ل”مقاومة” ليلى كوفن, النائبة في البرلمان التركي عن حزب الشعوب الديمقراطي, والتي تستمرّ بدورها في الإضراب عن الطعام لأجل كسر العزلة التي تفرضها السلطات التركيّة على القائد أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي.

 
تلخّص حملات الإضراب عن الطعام هذه “نضال” الشعب الكردي في سبيل القائد أوجلان, الذي يعتبره “فيلسوفاً مناضلاً” لأجل حقوقه وحقوق جميع الشعوب المضطهدة في الشرق الأوسط, وبذل جلّ وقته في تنظير حالة المجتمعات المتعدّدة في المنطقة للوصول إلى فكرة ضرورة تحريرها من القيود الكثيرة التي كانت تعرقل نموّ الوعي الفكري لديهم, الأمر الذي يمهّد لتحرّرها من الأنظمة الفاشية التي تحكمها.

قاد عبد الله أوجلان, كمؤسس وقائد لحزب العمّال الكردستاني, أطول نضال كردي ضدّ الدولة التركيّة التي لم تعترف يوماً بهويّة الشعب الكردي ووجوده كشعب يعيش على أرضه التاريخيّة, بل مارست بحقّه أبشع أنواع القمع الممنّهج, وشنّت الحكومات التركيّة المتعاقبة حروباً عسكريّة, سياسيّة وفكريّة على الكرد في شمال كردستان, هدفت من خلالها “تتريك” الكرد والقضاء على نضال “حركة الحرّية”, بيد أنّ وجود حزب العمّال الفكري قبل العسكري, حال دون وصول تلك الحروب إلى مبتغاها.
 
وحينما رأت الدولة التركيّة أنّ كلّ محاولاتها للقضاء على نزعة الحرّية لدى الكرد تبوء بالفشل, نتيجة الفكر التحرّري الذي نشره القائد أوجلان, بين أنصاره أوّلاً, ومن ثمّ عموم الشعب الكردي, بدأت بالتخطيط لاعتقال “أوجلان”, وذلك بالتتعاون والتنسيق مع أجهزة استخبارات دوليّة, على رأسها جهازي الموساد الإسرائيلي والمخابرات المركزيّة الأمريكيّة, في مؤامرة دوليّة هي الأولى من نوعها على مرّ التاريخ.


 
وُلد عبد الله أوجلان في 4 نيسان من العام 1949 في قرية “أومرلي” التابعة لناحية خلفتي بولاية أورفا في شمال كردستان, ودرس الابتدائيّة في قرية “جبين” القريبة من قريته, وكان يعمل مع عائلته في الحصاد, الذي كان يعتبره عملاً مقدّساً يشبه “العبادة”. ومن ثمّ أكمل دراسته الإعداديّة في قرية “نيزب” التي أقام بها في بيت شقيقته, حيث كان معروفاً بسرعة بديهته ودقّة ملاحظته, الأمر الذي جعله محبوباً لدى زملائه وأساتذته.
 
وتابع دراسته في ثانوية “المساحة والطابو المهنية” بأنقرة, في الفترة بين 1966-1969, حيث كانت بمثابة انتقالة هامّة في حياته على مستوى تكوين شخصيّته الثوريّ وبدأت تظهر لديه اهتمامات “يساريّة” طوّرها بعد دخوله كلّية الحقوق في جامعة إسطنبول, بعد أن عمل كموظّف فنّي في دائرة المساحة بمدينة آمد (ديار بكر), كما أصبح عضواً فعّالاً في جمعية الشرق الثوريّة للثقافة في سنوات 1970-1971 حتّى انقلاب 12 آذار 1971.
 
بعد تأسيس حزب العمّال الكردستاني في قريه فيسه التابعة لآمد ديار بكر في 27 . 11.1978 , الذي شارك فيه “أوجلان” مع عدد من رفاقه, صبّ جلّ اهتماماته على الشرق الأوسط, وركّز على مبدأ “الإرادة الحرّة” لشعوب المنطقة في وجه الأنظمة الدكتاتوريّة, وتمكّن من نشر وعي كافٍ لدى رفاقه, عملوا على نشره بين الشعب الذي بدأ بفهم حقيقة تلك الأنظمة المتسلّطة التي كانت تسلبه حتّى قوت يومه. كما عُرف عن القائد أوجلان اهتمامه الشديد بقضيّة المرأة وتحرّرها من الذهنية المجتمعيّة التي كانت تفرض قيوداً قاسية على المرأة, لكن “أوجلان” استطاع فكراً اتّخذته المرأة منهجاً لنضالها في سبيل انعتاقها من هذا الواقع, تطوّر فيما بعد إلى نضال مجتمعي لم يقتصر عليها فحسب, بل عمّ جميع فئات الشعب الذين أدركوا تماماً أهمّية شخصيّة المرأة وكينونتها في المجتمع.
 
وهكذا بات القائد أوجلان يشكّل “خطراً” على الدولة التركيّة, إذ تولّد لدى الشعب الكردي معرفةً موضوعيّة بطروف حياته على الصعد الاجتماعيّة, السياسيّة والفكريّة من جانب “الهويّة”, لذا عملت اجهزة الاستخبارات التركيّة على التخطيط للقبض عليه. كما بدأت الحكومة التركيّة بالضغط على سوريا لتسليم “أوجلان”, وحشدت جيشها على الحدود لتنفيذ عمليّة عسكريّة ضدّ سوريا. علاوةً على الحشد الدبلوماسي الذي قامت به أنقرة لممارسة المزيد من الضغوطات على القيادة في سوريا, حيث توسّطت حينها مصر لتهدئة التوتّر الذي حصل, وقام الرئيس المصري الأسبق, حسني مبارك بزيارة دمشق ولقاء الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ناقلا التهديدات التركية 
بعد طلب الأسد من نائبه عبد الحليم خدام لقاء اوجلان الذي قدم رويته المتضمنة حول الاستعدادات التركية للهجوم على سوريا وقرر حينها مغادرة سوريا لنزع فتيل الأزمة كما يقول في مرافعاته ولقاءات مع المحامين وهي الرؤية التي تحدث عنها خدام في لقاء مع فضائية روج الكردية الآي اجرت معه لقاء خاص في بروكسل بعد انشقاقه عن النظام السوري 
بعد ذلك غادر سوريا حيث توقيفه في مطار هلينيكون لعدّة ساعات, اضطرّ لمغادرة أثينا باتّجاه روسيا, التي مكث فيها حوالي 20 يوماً, قضاها في التنقّل من مكان لآخر, حيث رصدت المخابرات الاسرائيلية وجوده بعد مشاركة له في برنامج على قناة MED tv الفضائية.
 
فكان قرار أوجلان بالذهاب إلى قلب أوروبا, واختبار إيطاليا كوجهة له بعدما عرض عليه ذلك من قبل جهات برلمانية إيطالية, والتي بادرت إلى قبول طلبه بعد ضعوطات من اليسار, الذي طالب البرلمان بالموافقة, وانضمّ كلّ من الوسط واليمين أيضاً إلى بذل الضغوط لأجل استقبال “أوجلان”, بعد توقيع 50 سيناتوراً على عريضة متعلّقة بالأمر, وتمّت تهيئة الظروف المناسبة لوصوله إلى روما. لكنّ “مطاردة” الاستخبارات الأمريكيّة, الموساد الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات التركي حالت دون بقائه في روما, حيث اضطر على مغادرتها باتّجاه العاصمة الكينيّة نيروبي, حيث كان من المقرّر أن يحرج منها باتّجاه هولندا.
 
في نيروبي, بدت خيوط المؤامرة الدوليّة تتوضّح بشكل جليّ, منذ اللحظات الأولى لوصوله في الثاني من شهر شباط العام 1999. حيث عرضت عليه السلطات الكينيّة الإقامة في الريف, الأمر الذي رفضه “أوجلان” خشية تعرّضه لعملية اغتيال هناك. حيث أقام في منزل السفيراليوناني, لكنّ الولايات المتّحدة مارست ضغوطاً كبيرة على الرئيس الكيني دانيل أراب موي لتسليم “أوجلان” إلى تركيا, حيث عارض وزير خارجيّته تلك الضغوطات, فيما كانت جنوب إفريقيا ترحّب حينها بلجوء القائد أوجلان إليها. وفي 12 شباط بدأت المحاولات لنقل “أوجلان” إلى مقرّ السفارة اليونانيّة في نيروبي, لكن المخابرات الإسرائيليّة والأمريكيّة إلى جانب الكينيّة, التي انضمّت مؤخّراً للمؤامرة, أحبطت تلك المحاولات.
في نهاية المطاف تم اخراج اوجلان عنوان من السفارة اليونانية وأقلته سيارة لوحده واتجهت الى المطار حيث كانت تنتظره طائرة خاصة وعلى متنها مجموعة من الاستخبارات التركية وهو الامر الذي جعل بولند اوجاويد يقول انه لا يعلم السبب الذي جعل الولايات المتحدة تسلم اوجلان الى تركيا .
 
نقلت المخابرات التركيّة القائد أوجلان إلى مطار في إحدى ضواحي إسطنبول, ومن ثمّ نُقل عبر فرقاطة عسكريّة إلى جزيرة إمرالي في بحر مرمرة, حيث يقيم في معتقله وحيداً منذ عشرين عاماً, كما تفرض عليه السلطات التركيّة عزلة مشدّدة منذ العام 2016, حيث تمنع محاميه من لقائه, كما تمنع عائلته من مقابلته إلّا بشكل نادر جدّاً.
 
ومنذ لحظة اعتقاله, دخل الشعب الكردي في حراك كبير للضغط على الدولة التركيّة والقوى العظمى والمنظّمات المعنيّة بشؤون حقوق الإنسان لتحرير القائد أوجلان, من حملات جمع تواقيع مطالبة بحرّيته, إلى حملات الإضراب عن الطعام, مروراً بالاعتصامات أمام مباني المؤسّسات الأوروبيّة, وصولاً إلى التظاهرات الحاشدة, والتي يشارك فيها العديد من أصدقاء الشعب الكردي.
 
ألّف أوجلان العديد من الكتب والمؤلّفات, تناول فيها قضيّة الشعب الكردي, تاريخه النضالي, هويّته القوميّة والاجتماعيّة, قضايا المرأة وسبل تحرّرها, مفاهيم عامّة عن الاشتراكيّة كنهج لقيادة المجتمع, مواضيع متعدّدة عن الشرق الأوسط وطبيعة الأنظمة الحاكمة…الخ.
 
يقول القائد أوجلان في المؤامرة الدوليّة التي استهدفته: “إنّني أرى أنّ المؤامرة الدوليةّ التي أسّفرت عن جلبي إلى تركيا في 15 شباط 1999, إحدى أهمّ أحداث التقاليد التآمرية للسلطات المهيمنة. سيرتي التي ابتدأت في التاسع من تشرين الأول 1998 بخروجي من سوريا ووضع قدمي على أرض أثينا, استمرّت مع روسيا وإيطاليا، واضطراري للعودة إلى روسيا واليونان مرّة أخرى, ثم ّوَصَلَتْ إلى مرحلتها النهائيّة باختطافي في كينيا. سبب تسميتي لسلسلة الأحداث هذه التي ضمّت ائتلاف قوى دولية من أربع قارات بالمؤامرة الدولية, هو أنّها سياق منسوج من الألاعيب السياسية والمصالح الاقتصادية إلى جانب الكثير من الخيانة والعنف والخداع”..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.