الأنكفاء الاقتصادي .. مثابة الشروع في التصدي للامبريالية

0 120

لايحق لاي نظام سياسي او منظمه ,ان تدعي او حتى ان تتصدى لطغيان الولايات المتحده وحليفاتها , ما لم ترفض وبالكامل النهج الراسمالي وما يرتبط به من برتوكلات الديمقراطيه الليبراليه .

 

اما الانطلاق في مقاومه هذا المد الطغياني عبر آليات الموؤسسه الوطنيه وتقاليد السياده واستقلال السلطه , فهذا هو الوهم بعينه , لان هذه المفاهيم صارت عتيقه ورثه بمقابل قيمه الحرب الاقتصاديه وتكنيكات القوه المقاتله الطغيانيه ,ان مفهوم السياده الوطنيه في منطقتنا بالذات انما كان انعكاسا للشروط الضروريه التي ترعى مصالح الدفعه الاولى من الامبرياليه التي كانت حينها بحاجه الى ملحقات ومستعمرات تحمل خصوصيه التبعيه لواحد من اطراف تلك الدول ( بريطانيا , المانيا , فرنسا , روسيا القيصريه والتي ورثها على الصعيد العالمي الاتحاد السوفياتي ) انه توزيع الحصص ضمن الدوله الحاميه للراسمال .

حدودنا وما نتباهى به وتقشعر جلودنا لذكره وهو سياده هذا الوطن او ذاك , انما في الحقيقه كانت عباره عن خطوط فصل وتماس مؤجل يوفر الامن للحركه الراسماليه لتلك الدول ويحول دون تصادمها ..ان حدود اوطاننا المرسومه كما نراها ونخشع امام مرآها ,وهي موقره باللون الاسود , انما هي في صالات قرارهم السياسي تتشكل على هيئه كتل ملونه تفرز ميادين سطوتهم في المنطقه , فالمنطقه المولونه بالاحمر تشير الى النفوذ البريطاني والمنطقه الملونه بالازرق تدلل على النفوذ الفرنسي وهكذا …الخ ..

الان نمو الاحتكارات الهائل وتجانس انتمائاتها الوطنيه على صعيد الدول المراكزيه بدأ بتنفيذ جغرافيا توسعيه تتداخل فيها تلك الالوان وتتلاشى شيئا فشيء قيمه تلك الحدود ..والديمقراطيه الليبراليه تحولت الى مقياس ومؤشر واقعي لمناطق نفوذ راس المال العالمي وتلاوينه التي كفت عن ان تكون سياسيه بقدر ما انها صارت تميل الى النفوذ الاقتصادي البحت .

اما الدولة في المراكز وما تقوم به من دور كراعي لمصالح راسماليها وشركاتهم , فانها تمارس هذا الدور كعشيقه مهجوره وهي باشد الحاجه لمدفوعات العشيق ..هي ايضا باتت اسيره واسيره كامله للمردوات التي يحققها راس المال على الصعيد الخارجي والداخلي لتشكل بالاخير اجمالي دخلها وما يترتب على ذلك من دخل ضريبي .

وهكذا ايضا بدات في السنوات الاخيرة تظهر مؤشرات على محاوله راس المال من تجاوزه ..وفي فرنسا بدت الظاهره تتجلى اكثر من غيرها من الاوربيات من خلال ما بات يعرف بالهجره المعاكسه والتي تعني هجره راس المال الفرنسي الى الاستثمار في الخارج ..

وفي عهد الرئيس اوباما استفحلت ظاهره تاسيس الشركات الامريكيه في الداخل لكي تستفاد من الامتيازات ,ثم تقوم بالهجره من الولايات المتحده لتتخلص من دفع الضرائب والمرتبطه باستحقاقات الامتيازات التي منحتها لها حكومه المركز …الهند ايضا في السنتين الاخيرتين صارت تعاني من هذه المساله .

وهكذا فان حركه راس المال ونشاطاته الاستثماريه تحولت الى ريشه ترسم حدود جغرافيه سياسيه جديده عابره بشكل فائق وخفي كل مقاسات الجغرافيه الكلاسيكيه السياسيه , هذه الحدود متحركه وغير مرئيه تتناقله الاحتكارات العالميه بصفقات وقيم اجماليه لمداخيلها السنويه .

ان فعاليات احتكاريه شل العملاقه صارت هي التي ترسم مناطق نفوذ بريطانيا وامريكا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وسياده القطب الراسمالي الاوحد ..بينما كانت في عهد القطبين تتبع خطى دولها في البحث عن منافذ جديده لنشاطها .

وعلى سبيل المثال لا حصر فان احتكاريه شل النفطيه بقت ومنذعام 1996 تناور وتتحرك عبر صفقات غير مباشره في مجال استثمار وتسويق النفط الايراني حتى تبقى في مناى عن عقوبات قانون داماتو الذي يلزم الحكومه الامريكيه بفرض عقوبات على الشركات الاجنبيه المستثمره للنفط الايراني اذا كان لها مصالح في الولايات المتحده ..شل هذه المزدوجه الجنسيه (بريطانيه – هولنديه ) 40% من راسمالها هو امريكي !

اضطرت ان تدفع تعويضات الى ايران عام 2013 تجاوز 2 مليار دولار كمستحقات مؤجله تفاديا للعقوبات الايرانيه التي فرضتها على الشركات الاوربيه ! ومنذ 2016 وهو العام الذي عقدت فيه صفقه كبيره مع ايران والتي وصفت على انها محاوله لتغيير ميزان القوى في الشرق الاوسط والى يومنا هذا تتعاون احتكاريه شل وبشكل نشط في مجال تسويق واستثمار حقول النفط الايراني بما فيها الحقول المشتركه بينها وبين العراق .

وكذلك هو الحال مع شركه توتال الفرنسيه وبالنفس درجه مع باقي الشركات الانتاجيه العملاقه امثال شركه رينو…ان محور المقاومه والممانعه الذي تتزعمه ايران يساهم بشكل مباشر وفعال في مفردات الربحيه الاحتكاريه .

وهذا ليس اتهاما ولاتجريح لصدق نواياها وليس لانها صادقه النيه بل لاننا هنا نكتفي بتدليل على اللاجدوى الفعليه من اعلان المقاومه ضد القوى العالميه بمستوى السياسه المجرده بينما المقاوم يؤدي دور الشريك الفاعل في نمو وتكامل امكانيات التوسع الراسمالي الاحتكاري .

وما ينطلق على ايران النفطيه ومساعيها المعلنه العقائديه فانه ايضا بات ينطبق على مصر تحاول وخاصة هذه الايام من ان تنهض بمهامها القوميه ..لم تعد العقائديه بمختلف اشكالها قادره على الانتقائيه بين اختيار النهج السياسي المعلن وبين الاصفاف في طابور العولمه الاقتصادي .

ولا يمكن لمثل هذه الدول التي تنتمي في توزيعة التفاوت الانتاجي , الى منازل الاطراف من ان تحقق اي انتصار على غريماتها دول المراكز ..العقائديه والايدلوجيات ليس امامها خيار يؤكد مصداقيتها سوى الانكفاء الى الداخل في المجال الاقتصادي والتاكيد على التنميه المحليه من اجل المحليه لاغير والاستعداد الكامل لخوض حرب دفاعيه ضد قوى العولمه الطغيانيه , وحتى لايفهم من الانكفاء الى الداخل باعتباره نزعه مجرده للانعزال , فاننا نشير الى ان اعتماد نهج ( المقايضه ) في الاستيراد والتصدير كفيلا بان يزيح ظلال الانعزاليه هذه , اما اذا اضفنا النهج التدريجي لالغاء الاجر النقدي والذي يبدا حينما يشمل الاجر مفردات سد الحاجات اليوميه الضروريه , نكون قد اشرنا الى جنين لنظام اشتراكي ..وهذا هو في نهايه المطاف ما سيحصل .

 

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : ليث الجادر

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.