الرأسمالية على منعطف الطرق

0 199

كما هو معروف فإن أزمات النظام الرأسمالي والرأسمالية ذاتها مستمرة منذ نشأة هذا النظام الذي بدأ بالظهور على ما تبقى من مخلفات النظام الاقطاعي . وقاد النظام الرأسمالي العالم الى كوارث طاحنة كالفقر والبطالة والطبقية والاحتكار وغيرها .

لقد استفاق عالم اليوم على حقيقة النظام الرأسمالي في الدول المتقدمة بعد تطبيقه لأكثر من ( 150 ) عاما واكتشف مساوئ هذا النظام وسلبياته .

سلبيات النظام الرأسمالي :

1) الاحتكار : حيث تتمثل مشكلة النظام الرأسمالي بغياب المنافسة الكاملة وتدهور معدلات الاجور ورفع النظام لأسعار منتجاته كما يريد مما يعني استغلال المستهلكين لصالح المحتكرين .

2) ارتفاع نسب البطالة وتولد الأزمات الاقتصادية وارتفاع اسعار السلع وخلق الاستغلال المقيت بين طبقات المجتمع .

3) المقامرة التي يعتمدها النظام الرأسمالي وما يؤدي ذلك الى نتائج سلبية.

4) المنفعة المادية حيث جعل النظام الرأسمالي افراد مجتمعه يعيشون في صراع مستمر لتحقيق اقصى منفعة مادية ممكنة واهماله للمنافع والقيم الاخلاقية والاعتبارات غير الاقتصادية .

5) خلق النظام الرأسمالي للأزمات التي يصعب الخروج منها , وحسب ما يرى الاقتصادي البريطاني ( جون كينياس ) فإن الاقتصاد الرأسمالي غير قادر على حل مشاكله بنفسه. وقد تسبب النظام الرأسمالي في حدوث ازمات عنيفة هزت الدول الرأسمالية كأزمة الكساد الكبير في عام 1929 ومرورا بالثلاثينات وبداية الأربعينات والتي تعتبر اكبر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين وصولا الى الأزمة العالمية في ايلول 2008 التي بدأت في امريكا وكادت تفتك بالدول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي .

6) كشفت الرأسمالية عن وجهها القبيح في التسبب بزيادة معدلات الفقر والمجاعة في العالم نتيجة انتشار البطالة والاحتكار للشركات العابرة للجنسيات والقارات .

7) الحرية الفردية المطلقة التي اطلقتها الرأسمالية ثبت انها حرية وهمية فلا يتمتع بها الا قلة محدودة من الأفراد داخل المجتمع وهم مالكي عناصر الانتاج , فالعامل الأجير لا يتمتع بالحرية المطلقة , كما تسببت المنافسة بين الطبقة العاملة التي تمثل غالبة الشعب الى قبول العمال اجورا منخفضة حتى لا يتعرضوا للبطالة والفقر والتشرد . اما بالنسبة لحرية الانتاج فإنها مطلقة لأصحاب الأعمال حيث يستطيع صاحب العمل ان ينتج ما يشاء وبالكمية التي يراها هو ولا يبالي بحاجات الأفراد ذوي الدخول المتواضعة. كما ان لصاحب العمل حرية انتاج السلع الكمالية المرتفعة الثمن التي لا يشتريها الا الأغنياء, ما ادى الى تراجع الانفاق في الاقتصاد نتيجة تدني دخول غالبية الأفراد بعد ان تقلصت الثروة في ايد ي اعداد الأقلية من الشعب على حساب الأكثرية .

8) سوء توزيع الثروة وحصرها بيد الأقلية , حيث ان اثرها السيء لا يقتصر على الجانب الاقتصادي والاجتماعي فقط وانما يتعدى الى الجانب السياسي , فمع تركز الثروة في يد قلة فإن ذلك يجعلهم يطمعون في ان يمتد نفوذهم الى ادارة شؤون البلاد واعتلاء اعلى المراكز فيها عبر السيطرة على الأحزاب والانتخابات .

9) تكريس الثروة بواسطة الثروة نفسها وليس بواسطة العمل .

10) الهدف الأساسي والوحيد للنظام الرأسمالي هو نمو الثروة والحصول على اكبر قدر من الأرباح وهذا ما لاحظناه في تفشي فيروس كورونا الفتاك بالبلدان الرأسمالية كالولايات المتحدة وايطاليا وبريطانيا واسبانيا وفرنسا وغيرها حيث ان هدفها الأرباح وليس حماية الأرواح. وقد صرح رئيس الوزراء الايطالي بأن سبب تفشي الفيروس يعود الى تقصير المستشفيات . علما ان النظام الصحي في البلدان الرأسمالية ليس مجانا كما هو الحال في البلدان الاشتراكية .

ولذلك قام الشباب الايطالي بإنزال علم الاتحاد الاوربي لأن الاتحاد لم يقدم المساعدات الى ايطالية في محنتها وانما جاءت المساعدات لها من قبل الدول الاشتراكية : الصين , كوبا , فيتنام . وهذا ما دعا سكرتير الحزب الشيوعي الايطالي الى الدعوة للخروج من الاتحاد الاوربي واليورو والتوجه لبناء النظام الاشتراكي في ايطاليا.

11) تحكم الشركات متعددة الجنسيات في استقرار الدول وسلبها استقلاليتها.

12) وصول الرأسمالية الى اعلى مراحلها الا وهي الامبريالية , فقد كتب لينين في كتابه ( الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية ) المنشور عام 1917 , حيث ربط لينين بين نشوب الحرب العالمية الاولى عام 1914 بمرحلة جديدة وصلت اليها الرأسمالية وهذه المرحلة امبريالية اذ ان الامبريالية هي نتاج لتطور الرأسمالية . ويرفض التحليل اللينيني كل حياد ازاء الامبريالية .ويرى :

أ‌- ان الامبريالية مرحلة تاريخية مرتبطة بصورة خاصة بالرأسمالية التي بلغت مرحلة الرأسمالية الاحتكارية والتي تعبر عن نفسها عبر مراحل خمسة هي :

– كارتيلات.
– البنوك الكبرى.
– الاستيلاء على مصادر المواد الأولية من قبل الطغمة المالية .
– التقاسم الاقتصادي للعالم من قبل الكارتيلات الدولية ( المستعمرات ).
ب – الامبريالية هي رأسمالية طفيلية او رأسمالية في حالة التفسخ.

الملاحظ ان البرجوازية الامبريالية آيلة الى التفسخ لأنها اصبحت رجعية , ويعتبر تصدير رؤوس الأموال طفيليا بصورة مضاعفة, والرجعية السياسية هي من مميزات الامبريالية وهي مبدأ الذمم , وان الامبريالية من حيث هي رأسمالية تلفظ انفاسها الأخيرة وتؤرخ للانتقال الى الاشتراكية من جراء التطور الذي يلحق بعلاقات وقوى الانتاج ضمن نمط الانتاج الرأسمالي في المرحلة الامبريالية .

يرى بعض الاقتصاديين اننا على مشارف حقبة ما بعد الرأسمالية , وسبق للاقتصادي ( شومبيز ) ان تساءل في كتابه ( الرأسمالية – الاشتراكية والديمقراطية ) عام 1942 : هل يمكن للرأسمالية البقاء ؟ واجاب على نحو قاطع : لا , لا يمكن ذلك. ويرى ( شومبيز ) ان زوال الرأسمالية لا يكون لأسباب اقتصادية وانما اسباب زوالها يكمن في ثقافتها التي يراها عامل هدم , ولعل ما نشهده هذه الأيام من تداعيات للثقافة الامبريالية التي بدأت تثير اخطر النزعات الانسانية , وتمعن في تجاهل الآثار الاجتماعية الكارثية التي تنتج عن ممارستها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية في جميع انحاء العالم , وتتمظهر هذه النتائج على نحو صارخ في العمل الحثيث لـ ( تسليع ) الانسان والعمل , وتعظيم السعي نحو تحقيق الربح والترويج لمجتمع الاستهلاك وتشويه الانتاج والعمل المنتج . وفي حالات النزوح والتشرد والجوع والمرض وغض النظر عن الآثار البيئية التي تسببها سياساتها الصناعية وعمليات تلوث البيئة والجفاف وعمليات المتاجرة بالإنسان واعضائه واهانة انسانيته المعبر عنها في جحافل المجاعات في مناطق عديدة من العالم , وغرق الآلاف من الأبرياء الهاربين من ويلات الحرب والجوع وبضمنهم اعداد كبيرة من الأطفال .

اما بالنسبة لثقافة الامبريالية فهي تلك الثقافة التي تبث روح الكراهية ومعاداة الآخر وتعظيم شأن المنافسة القاتلة وتحط من شأن الوفاق والعيش المشترك , تلك الثقافة التي احتضنت وشجعت ثقافة الارهاب . وكان المفكر الأمريكي اليساري ( هيلبرونو) قد تعرض لفشل النظام الرأسمالي وبحث فيما يتوقعه لرأسمالية القرن الحادي والعشرين في كتاب صدر له عام 1995 مسلطا الضوء فيه على ابرز اوجه الفشل في النظام الرأسمالي والمساوئ والآثار الكارثية للنظام وعلى الحالة الاجتماعية .

يبدو التناقض جليا بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي كمدرستين اقتصاديتين عالميتين , ففي الوقت الذي تدعو فيه الرأسمالية الى حرية الأفراد في الانتاج وحقهم في الأرباح , تؤكد الاشتراكية على احقية توزيع الربح على المجتمع او القوى العاملة بالتساوي , كما تمثل المساواة الاقتصادية ودور الحكومة نقاط خلاف جوهرية بين الاشتراكية والرأسمالية حيث يرى الاشتراكيون اهمية تحقيق المساوات الاقتصادية عبر برامج الدعم التي تنفع الفقراء كمجانية التعليم العام والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي , بينما يعتقد الرأسماليون ان الحكومة لا تستخدم الموارد الاقتصادية بكفاءة قياسا الى المؤسسات الخاصة ومن ثم فإن السوق الحرة اكثر افادة للمجتمع كما يرى ذلك الرأسماليون .

وفي ظل الأنظمة الرأسمالية ازداد عدد الجياع في العالم وهو في تزايد مستمر ليصل في عام 2010 الى ( 950 ) مليون نسمة . وسبق لماركس ان قال منذ اكثر من قرن ونصف : (( كلما زاد انتاج العامل , كلما قل استهلاكه ,, كلما خلق قيما اكثر , اصبح بشكل اكبر بلا قيمة .. انه نظام الرأسمالية ينتج اشياء مذهلة للسادة وينتج الحرمان للعمال , ينتج القصور من جهة والأكواخ من جهة اخرى , ينتج الجمال لكنه يشوه العامل …)).

ان الرأسمالية آيلة للسقوط وعدم البقاء وهي غير قادرة على حل مشاكلها وازماتها المتكررة وما تسببه من زيادة لمعدلات الفقر والمجاعة والبطالة والاحتكار للشركات العابرة للقارات , واخيرا زيادة لتفشي كورونا لاهتمامها بالأرباح اكثر من اهتمامها بحياة الناس . فالرأسمالية في ازمة دائمة وكأنها تتجه نحو الانحلال من الداخل لصالح الاشتراكية فلا يمكن للرأسمالية الاستمرار بالبقاء في ظل ازماتها الداخلية المتكررة وكما قال ماركس فإن الرأسمالية تحفر قبرها بيدها .

وعلى مستوى العالم نلاحظ نجاح تجارب اشتراكية في بعض الدول التي تبنت نمط تنمية مختلف يتبنى بعض اساليب التنمية الرأسمالية في ظل سيطرة الدولة على الوضع العام للبلد وعلى مرافق الاقتصاد كما حصل في الصين وفيتنام وكوبا حيث حققت هذه البلدان معدلات نمو عالية خلال العقدين الماضيين واخراج الملايين من الناس من خانة الفقر والفاقة .

ومن جهة اخرى نجد عودة لليسار في امريكا اللاتينية والغرب . اما عن الأسباب التي ادت الى ذلك فيمكن اجمالها بـ :

1) ارتفاع الفوارق الطبقية فيها حيث ارتفع الدخل الفردي للأغنياء وتراجع دخل الفقراء والطبقة المتوسطة . وقد تمكنت الحركات السياسية اليسارية في هذه المناطق من ابراز الفوارق وكيفية معالجتها وضرورة توفير الأساسيات للمواطنين من صحة وتعليم عبر البرلمان .

2) هيمنة المؤسسات المالية العابرة للأوطان على القرارات الوطنية وتم انتقاد المؤسسات المالية الأمريكية والبنك وصندوق النقد الدوليين .

3) تهدف حركات اليسار الأوربي الى الحد من هيمنة المفوضية الاوربية على قرارات الدول الاوربية في المجال الاقتصادي مثل سياسة التقشف المفروضة على اسبانيا والبرتغال وجرينلاند وايطاليا , وهناك اتهام لمؤسسات الاتحاد الاوربي بالفساد وتطالب بمقرطة اوربا .

4) وسائل الاتصال الجديدة التي تمهد للانفلات من السيطرة الاعلامية للإعلام الكلاسيكي المرتبط بالمؤسسات المالية والمحافظين عموما .

5) ظهور مفكرين اقتصاديين عملوا على توجيه اليسار الاجتماعي الجديد بأطروحات عملية وواقعية ترمي الى اعادة توزيع الثروات في الدول الغربية والعالم .

ان التوجه القادم عموما سيكون نحو الفكر الماركسي بعد الاستفادة من الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من التجربة السوفيتية ومنظومة الدول الاشتراكية ومعالجة اسباب الفشل كل حسب وضع بلده , مع التأكيد على الوحدة الجدلية بين الاشتراكية والديمقراطية , فقد بين لينين : (( ان من يريد السير الى الاشتراكية بطريق آخر خارج الديمقراطية السياسية يصل حتما الى استنتاجات خرقاء ورجعية سواء بمعناها الاقتصادي ام بمعناها السياسي ..)).

اذن فالرأسمالية ليست الأفق النهائي للبشرية . كذلك فإن فشل مشروع بناء الاشتراكية في بعض البلدان لا يعني سقوط الفكرة ذاتها .

وكما جاء في نشيد الأممية :

(( هبوا ضحايا الاضطهاد ….. ضحايا جوع الاضطرار…
….. شيدوا الكون جديد حر …. كونوا انتم الوجود ..
بجموع قوية …. هبوا لاح الظفر ..
غد الأممية …. يوحد البشر ..
… فيا عمال للنضال … ففي يميننا الخلاص …
… العمال والفلاحونا … جميعا حزب الكادحين.. )).

****

المصادر :
1) ادأرابيا / اهم 5 معلومات عن النظام الرأسمالي.
2) حسان خالد شاتيلا / الحوار المتمدن / الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية .
3) سارة طالب السهيل / العالم ضائع بين توحش الرأسمالية …
4) الفضل شلق / الحوار المتمدن / الرأسمالية في طورها الأخير وتداعياتها ,,,
5) عمر الفي / الرأسمالية المتوحشة .
6) د. منير الحمش / هل الرأسمالية مهددة فعلا … بالانهيار ؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.