انتفاضة السودان ضد سياسات الإفقار: صندوق النقد مرَّ من هنا

0 511

لا نركع لغير الله”، قالها أمس الديكتاتور السوداني عمر البشير في إشارةٍ لضغوطٍ “دولية” مزعومة عليه، اعتبرها السبب في التحديات التي يواجهها نظام حكمه في ظلِّ اندلاع الانتفاضة التي تطالبه بالرحيل.

سرعان ما تشكَّلت ملامح الانتفاضة السودانية خلال أيامٍ معدودة، إذ انتقلت من احتجاجاتٍ محلية إلى مظاهراتٍ عمَّت أرجاء السودان وبدأت أمس الثلاثاء 25 ديسمبر في الزحف على مقر الرئاسة رافعةً شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.

بدأت الاحتجاجات عندما وصلت الأزمة المستمرة التي يعاني منها الشعب السوداني إلى مراحل غير مسبوقة، ففضلًا عن تضاعف أسعار السلع الأساسية، وصل الأمر إلى حدِّ الندرة الشديدة في الخبز والوقود، رغم تضاعف أسعارهما، وأيضًا تعذَّر صرف ودائع المودعين في البنوك.

لم تصل الأزمة إلى تلك المرحلة إلا عبر سياسيةٍ اقتصادية اتبعها البشير بإصرارٍ لسنواتٍ ممتدة، كان يؤكِّد خلالها دائمًا عكس ما ادعاه في خطابه أمس.

نظرةٌ عابرة على الإجراءات التقشفية التي كانت آخر حلقة فيها شرارة اندلاع الاحتجاجات الحالية تشير من ناحيةٍ لسلسلةٍ من الإجراءات الشبيهة السابقة، كما تشير –من ناحية أخرى- إلى أن نظامه قد “ركع” مرارًا لصندوق النقد الدولي على نحوٍ يعيد إلى الأذهان سلسلةً من الاضطرابات عبر قارات العالم كلها تقريبًا كان السبب وراءها صندوق النقد الدولي بتعليماته التقشُّفية التي يقايض فيها المساعدات المالية بالإفقار.

تُمثِّل الإجراءات التقشُّفية الأخيرة في السودان حلقةً من حلقات تنفيذ سياسات طالَبَ بها صندوق النقد حكومة السودان، إذ شهد مطلع العام الجاري تراجعًا قياسيًا في سعر الجنيه السوداني بناءً على توصيةٍ من صندوق النقد الدولي في ديسمبر من العام الماضي بتعويم الجنيه السوداني، ثم إلغاء دعم الكهرباء والقمح بين عامي 2019 و2021.

ومع بداية إقرار ميزانية عام 2018، رفعت الحكومة الدعم عن القمح، وتركت استيراده للقطاع الخاص وهو ما رفع أسعار الخبز. وفي أكتوبر الماضي أعلن البنك المركزي إطلاق آلية جديدة لتحديد سعر الصرف، أطلق عليها “صناع السوق” .

بلغ معدل التضخم السنوي كمتوسطٍ في العام الحالي 61.5%، لكن دون أيِّ مقابلٍ على صعيد النمو في الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ -2.3%(سالب 2.3% أي أن الاقتصاد انكمش بدلًا من أن ينمو) في العام 2018. ما يعني حتى انتفاء الهدف الذي يتخذه صندوق النقد الدولي على الدوام مُبرِّرًا لتمرير سياسات التقشف.

لكن المفارقة الحقيقية في هذا السياق هي أن “الركوع” جاء في العام 2014، حتى بلا مساعدات ولا قروض في المقابل، إذ وافق صندوق النقد الدولي في ذلك العام على برنامج اتفاق، يراقب بموجبه موظفو الصندوق الاقتصاد السوداني لمدة سنة. والبرنامج، وفقًا لبيانٍ صادرٍ عن الصندوق وقتها، لا يتضمَّن تقديم مساعدة مالية.

وجاء في البيان أن ارتفاع مستوى الديون الخارجية للسودان، والتأخُّر عن سداد المتأخرات، يمنع الخرطوم من الوصول إلى معظم مصادر التمويل الخارجي.

كان السودان قد فقد 46% من إيرادات خزينته العامة، و80% من عائدات النقد الأجنبي -الذي يُمثَّل المصدر الوحيد المفترض لسداد أيِّ دولة التزماتها الدولية- بسبب انفصال جنوب السودان في العام 2011 بما يشمله الأخير من مصدر أساسي للنفط. ومع ذلك، فقد تحمَّل السودان وحده الدين الخارجي كله للسودان الموحَّد بموجب اتفاق “الخيار صفر” بين السودان وجنوب السودان، الذي يعود للعام 2012، بشرط أن يُقدِّم المجتمع الدولي تعهُّداتٍ قاطعة بتخفيف أعباء الديون عن السودان في غضون عامين.

لكن ما سبق لم يُمثِّل عذرًا لدى صندوق النقد الدولي لمساعدة السودان المتعثِّر ماليًا، أما البشير الذي يزعم اليوم أن العالم يتآمر عليه بسبب مواقفه المستقلة، فقد هرول لتنفيذ التعليمات حرفيًا تقريبًا.

ويتلخَّص البرنامج الذي أشرف عليه “خبراء صندوق النقد الدولي” في عدة بنود تقليدية تُمثِّل الإطار المعتاد نفسه لكلِّ برامج “الإصلاح” المعتمدة من صندوق النقد الدولي. فمثلًا تضمَّن البرنامج النص على زيادة مرونة سعر الصرف وخفض الانفاق في الأساس عبر خفض دعم الطاقة.

في المقابل، نصَّ البرنامج على نفس البنود المعتادة لمواجهة التأثيرات السلبية على مستوى معيشة الفقراء: تدعيم شبكة الأمان الاجتماعي على نحو يسمح بوصول “المنافع” عبرها “بشكلٍ جيد للمُستحقين”، و”تحسين توجيه المنافع للمستحقين في شبكات الأمان لذوي الاحتياجات الفعلية”، فضلًا عن تحقيق التكامل مع شبكات أمان خاصة بما فيها مؤسسة الزكاة.

ويتضح مما سبق بالطبع مدى التشابه، إلى حدِّ التطابق تقريبًا، في بنود البرنامج مع برامج الصندوق بصورةٍ عامة، بغض النظر عن أوضاع الفقر المتباينة بين كلِّ بلد وآخر، بما في ذلك البنود المرتبطة بتخفيف التأثيرات التقشُّفية على الفقراء. فالحديث المُرسَل عن وصول المنافع بشكلٍ جيد للمستحقين هو أمرٌ معتاد في برامج الصندوق الذي يتجاهل ضعف قدرة الدول النامية بالذات والفقيرة جدًا في حالة السودان على توجيه الدعم في شبكات الأمان الاجتماعي.

وخلال فترة سريان الاتفاق، انخفض سعر الصرف مقابل الدولار الأمريكي بنسبة 29% على الأقل.

كل ما سبق جاء مقابل تلميح مفاده أن الالتزام بالاتفاق من قبل السودان، “مع وجود إستراتيجية شاملة لتسوية المتأخرات” هو أمرٌ ضروري “لتسوية عبء الديون الكبيرة في السودان”.

وفي هذا السياق، قال الصندوق وقتها إنه “سيواصل تقديم المساعدة التقنية المُوجَّهة لدعم جهود بناء القدرات السودان وتكيُّفه وبرنامج الإصلاح، كما أن التنفيذ الناجح للبرنامج سيكون بمثابة إشارةٍ إلى المجتمع الدولي بشأن التزام السلطات بإجراء إصلاحات الاقتصاد الكلي في الوقت المناسب ويساعد السلطات في عملية تخفيف الديون”.

ما تحقَّق بالفعل من اتباع البشير وصايا صندوق النقد الدولي، هو إلقاء أعباء الأزمة على الطبقات الفقيرة في المجتمع السوداني، والتي لم يطل صبرها على البشير، الذي حكم ما يقرب من ثلاثة عقود، واعتبر أنه سيتمكَّن من الاستمرار إلى الأبد، فاتجه لتعديل الدستور ليمنح نفسه حق الحكم مدى الحياة. ولكن لا تبدو الأمور تسير عكس ما يتمنَّى أو يتوقَّع البشير.

فالديكتاتور الذي ركع كثيرًا أمام صندوق النقد الدولي، وركع مرارًا أمام قوى إقليمية ودولية ليتمكَّن من الاستمرار في الحكم، يبدو أنه سيغير قبلته ليركع للمرة الأخيرة، ولكن أمام الشعب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.