قراءة في الاستراتيجية الروسية العالمية

0 123

لا بد من فهم اساسات الاستراتيجية الروسية فيما بتعلق بطريقة تعاملها مع المشكلات الدولية حتى نفهم السلوك الروسي عندنا، وحدود الموقف الروسي، ولا نحمله امنيات ومواقف وعواطف، وكل فترة يصيبنا الاحباط لأنه لا يتخذ المواقف المتوقعة منه.

فالروسي ليس بو علي بوتين الذي يعمل عندنا أو عند “محور المقاومة” وينفذ ما نطلب منه. هو ينفذ مصالح روسيا العليا كما يراها هو، وهي أحياناً تلتقي مع مصالحنا وأحيانا تتضارب معها.

والاستراتيجية الروسية في العلاقات الدولية ليست استراتيجية مبسطة تقوم على تصنيف دول العالم الى عدو لا تتعامل معه وحليف تنفذ له ما يريد. بل إنها عكس ذلك تماماً، ترتكز الى عنصري قوة كبيرة ورثتهما من زمن الاتحاد السوفياتي: القوة العسكرية الضاربة، والخبرة الدبلوماسية العريقة.

ومن أجل استثمار هذين العنصرين، تقوم الاستراتيجية الروسية على التقدم الى مناطق التوتر، والتعامل مع اطرافها المتناحرة، طارحة نفسها كمنسق لترتيب التوازنات، بالقوة أحياناً وبالدبلوماسية أحياناً. وهذه الاستراتيجية قادرة ايضاً أن تتعامل مع محاور اقتصادية او سياسية او عسكرية متناقضة، وتدخل روسيا كطرف وسيط بين هذه المحاور، قيمته المضافة هي القوة العسكرية المتميزة والقوة الدبلوماسية الخارقة.

وقد استخدمت هذه الاستراتيجية في معظم الساحات التي دخلت فيها روسيا في العقد الاخير، خاصة في الفضاء الاوراسي الافريقي. فهي بدأت في حل المشكلات المباشرة التي كانت روسيا طرفاً فيها، بهذه الطريقة. وقد رأينا ما حصل في جورجيا واوكرانيا من تدخل عسكري كاسح وسريع، ثم ترتيبات دبلوماسية برغم العقوبات والحصار.

وقد استخدمت هذه الاستراتيجية وما زالت في التدخل الروسي في سورية. حيث كان للجانب العسكري دوراً حاسماً في تطور الواقع العسكري. وتتابع الان في الجانب الدبلوماسي من خلال مسارات استانة وسوتشي، وما يحكى عن دور لها في تهيأة الحل الدستوري والسياسي النهائي. وهي تحرص على ما يبدو الى ارضاء كافة اطراف الصراع في المنطقة، من ايران الى تركيا واسرائيل الى دول الخليج الى الدول السورية.

كما استخدمت هذه الاستراتيجية لترويض تركيا منذ عدة سنوات وتحويل سياستها من العداء للسياسة الروسية ودعم داعش والمسلحين المتطرفين، الى استيعابها كشريك في مسار آستانة.

وفي المجالات الاقتصادية، تتعامل روسيا كشريكك استراتيجي مع الصين في مشروعها الاساسي القائم على إعادة إحياء طريق الحرير وحزام الحرير، والذي لا تستيغه كثيراً دول آسيوية مثل الهند واليابان وايران، لعدة اسباب تنافسية، أحدها الشراكة الاستراتيجية الصينية الباكستانية… فتطرح روسيا نفسها كشريك اساسي مكمل لطريق الحرير التي تربط شرق آسيا بغرب أوروبا (أو شرق أوراسيا بغربها كما تسميها روسيا)، وبنفس الوقت، تقيم روسيا تحالفاً استراتيجياً آخر مع كل من اليابان والهند وايران، لتعزيز ما يسمى كوريدور الجنوب-الشمال الآسيوي الذي يربط جنوب آسيا بروسيا عبر الهند وايران ودول بحر قزوين، ومنها الى اوروبا. وكون المشروعين يتلاقيان في دول اسيا الوسطى التركمانية، حيث النفوذ الاقتصادي الصيني الهندي، والنفوذ الديني العرقي التركي الايراني، تطرح روسيا نفسها كشريك استراتيجي لهذه الدول من ناحية الامن الاقليمي والاتفاقيات الدفاعية الاستراتيجية. وقد تجلى ذلك باتفاق بحر قزوين الذي وقع في السنة الماضية، حيث توزعت الدول الخمس المحيطة به النفوذ الاقتصادي، وبقيت اليد العليا الامنية لروسيا حصرياً.

غير أن خطورة هذه الاستراتيجية أنه من الصعب شرحها للحلفاء وتقبلهم لها. فلكل حليف أولويات قد تذهب بعيداً عن التسويات التي تطرحها الاستراتيجية الروسية. وأحياناً تؤدي خطوات معينة الى إحباطات وانتفاضات عند الحليف، تضر بصورة روسيا عنده. هذا ما حصل في ارمينيا مثلا عندما اكتشف الحليف الارميني لروسيا أنها تزود خصمه اذربيجان بالاسلحة! وهذا ما حصل في الشام عندما تم الحديث منذ فترة عن دستور فدرالي تسوقه روسيا، مع أنها تنصلت منه بعد ردود الفعل السورية، وعندما تم الحديث عن اعطاء فرص متكررة لتركيا لمعالجة وضع ادلب بينما توجه الجيش الشامي وحلفاؤه هو بحسم المعركة عسكرياً. كما أن مسايرة روسيا لاسرائيل الى حد معرفتها بالضربات المتكررة وعدم منعها شكلت مرارة عند الحليف السوري. وكذلك شكل دعم بوتين لنتنياهو في الانتخابات الاخيرة من خلال اعادة رفاة جندي اسرائيلي كان مدفوناً في الشام حركة استنكار واسعة، توسعت أكثر بعدما لم تحرك روسيا ساكناً ازاء الحصار الاميركي الخانق في الاسابيع الاخيرة والذي ادى الى نقص حاد للمشتقات البترولية في السوق السورية.

وتحاول روسيا التعامل مع هذه التداعيات من خلال اجراءات تصحيحية، مثل الاتفاق الاخير لاستئجار مرفأ طرطوس كمحاولة لتخفيف اثار الحصار، او مثل شرح وجهة النظر الروسية للحليف الارميني أو معالجة اي سوء تفاهم مع الهند او ايران او باكستان عند حصوله.

خلاصة الحديث أن التصرفات الروسية هذه، التي تؤدي في الكثير من الاحيان الى استنكار الحلفاء، أو احباطهم، ليست نتيجة تقصير او هفوات او اخطاء روسية، بل هي في صلب الاستراتيجية الروسية التي تريد أن تحول روسيا الى قوة التنسيق الاساسية في الفضاء الاوراسي الافريقي.

اذا لم نفهم هذه المسألة، بقي تقديرنا لما يمكن ان يكون عليه الموقف الروسي تجاه بلادنا قائم على العواطف والتمنيات، مما يؤدي الى القراءات غير الدقيق والاحباطات. وقد كررنا مراراً أن روسيا ليست شريكاً لنا في تحرير فلسطين او حرب الوجود مع العدو اليهودي. وهي ليست معادية أو مرتابة من الاطماع التركية في الشمال السوري، بل تعتقد أن من عوامل حل الازمة في الشام هو بإعطاء تركيا بعض النفوذ هناك. وهي تريد أن تبقي علاقتها مع دول الخليج جيدة من أجل التنسيق في اسواق النفط وبيعها الاسلحة المتطورة والمشاركة في حل مشاكلها الداخلية خاصة مع قطر وايران.

لكل ذلك، فإن التصور الروسي لحل الازمة في الشام أو للسلام في الشرق الاوسط لا يتطابق مع تصورات الكثير من احزابنا وحكوماتنا. وقد قام بعض المتحمسين الغربيين للتحالف الروسي الاسرائيلي والتقارب بين بوتين ونتنياهو باخراع مصطلح: “روسرائيل بوتنياهو” – Putinyahu’s Russrael! وهذا يعني أنه لا يمكن تسليم كل الاوراق للروس من جهة، ولا يمكن الحل بدونهم من جهة أخرى خصوصاً في ظل الحصار الاميركي الغربي. وهذا يعني ايضاً أن قوتنا الذاتية هي التي تقرر مدى تحكم الروس او الايرانيين او الاميركان او غيرهم بانتاج حلول لنا ولمنطقتنا، أو على الاقل، قدرتنا على رفض وقبول المقترحات والخطط التي تطرح، من خلال استخدام نوع من التوازن بين توجهات الحلفاء، حتى اشعار آخر…

 

المصدر : بقلم الدكتور ميلاد السبعلي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.