استنتاجات حول الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية

0 65

نص للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني

بمناسبة الذكرى اﻠ 75 لانتهاء الحرب العالمية الثانية


يمثل بحثُ مسار الصراع الطبقي لإسقاط الرأسمالية وبناء الاشتراكية – الشيوعية في القرن العشرين تحدياً كبيراً للحركة الشيوعية. و هو في الوقت نفسه، واجب تضطلع به كما و مُقدِّمة مسبقة لإعادة تنظيمها، أيديولوجياً – سياسياً، و في العديد من البلدان تنظيمياً، و لتعزيزها إجمالاً من أجل كسب الطليعيين من عمال و عاملين لحسابهم الخاص، و تلاميذ – طلاب، و من أجل التأثير على أكثر الرواد المتمظهرين في مجالات العلوم والفنون، و لجذبهم. هو عبارة عن شرط مسبق لتحضير من أجل قيام اقتحام ثوري أكثر حزماًُ و لتثبيته من أجل المجتمع الشيوعي، خلال الظروف الثورية.

حتى الآن لم يتم الكشف عن تجربة الانتفاضات الثورية للقرن العشرين بشكل كامل، في إمكانياتها و جوانب ضعفها أو في صعوباتها. إننا لا نعتبر ذلك قضية سهلة، و ذلك على الرغم من واقعة توجُّه الحزب الشيوعي اليوناني و سواه من الأحزاب الشيوعية نحو هذه المحاولة. حيث ليست من قبيل الصدفة واقعة مواصلة بحث و تفسير معطيات و تفاعلات هامة قادت نحو تحولات نوعية لعصور تاريخية مماثلة، كثيفة بمحطات أحداث وتعقيدات للتطورات الاجتماعية، كعصر الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية أو حتى أبعد من ذلك، لعصر الانتقال من العبودية إلى الإقطاع.

إن العصر الذي اتسم باندلاع الحرب العالمية الأولى (1914) أو بانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا (1917) و الذي وصَّفه لينين بصواب على أنه “عصر اﻹنتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية” من أجل إسقاط “الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية “بنحو ثوري. و مع ذلك، فقد أثبتت تطورات الصراع الطبقي خلال القرن العشرين أنها أكثر تعقيداً من المسار المضيء لانتصارات ثورة أكتوبر، و سحق القوى الفاشية في ستالينغراد (1943) ، وانتقال 8 دول في وسط و شرق أوروبا بعد الحرب نحو بناء الإشتراكية، و الثورة الصينية (1949)، و الكوبية (1959)، و هزيمة الإمبريالية الأمريكية في فيتنام (1975). لكن الثورة المضادة الواسعة النطاق و العودة للرأسمالية في نهاية القرن ذاته، لم تكن متوقعة.

هذا و تمثل الذكرى اﻠ75 للتقدم الحاسم للجيش الأحمر في برلين فرصة للتعبير عن بعض الإشكاليات الأشمل في سياق مواقفنا الجماعية المكتسبة حتى الآن.

تحولات في ميزان القوى العالمي للصراع الطبقي من الحرب العالمية الأولى حتى الثانية

ومهدت الحرب العالمية الأولى أرضية الظروف الثورية في روسيا التي قادت في البداية إلى الإطاحة بالقيصر (شباطفبراير 1917) ثم إلى إنجاز ناجح لثورة أكتوبر الاشتراكية، بعد صدام ليس فقط مع الحكومة البرجوازية المؤقتة، بل و أيضاً مع القوى البرجوازية الصغيرة والانتهازية المتواجدة داخل السوفييتات.

وهذا و لم يُسبِّب النصر الأولي لثورة أكتوبر لزعيمها النظري والسياسي، لينين، يقيناً قائلاً بأن البناء الاشتراكي سيستقر في روسيا إذا لم يلي ذلك قيام ثورة منتصرة في ألمانيا.

و مع ذلك، لم توجد في ألمانيا تطورات إيجابية مماثلة. حيث لم يخلص مآل الانتفاضات الثورية العمالية (الأكثر تميزاً في عامي 1918 و 1919) إلى نهاية منتصرة، و تعود أسباب ذلك بنحو رئيسي، إلى وجوه ضعف في الإعداد الثوري المقابل للعامل الذاتي. كما و لم يكن لانتفاضات ثورية أخرى، قامت على سبيل المثال في فنلندا، و المجر، مآلٌ ظافر بالنصر. و على هذا النحو، بقي الاتحاد السوفييتي الدولة الاشتراكية الوحيدة التي تغذت و تعززت فيها قوى و أعمال الثورة المضادة الداخلية، لمدة عامين تقريباً من جانب العدوان الخارجيالثورة المضادة (الإمبرياليين).

و بعد ذلك، في فترة هزيمة قوى الثورة المضادة والسلم النسبي مع الدول الرأسمالية (ليس فقط مع ألمانيا، بل و أيضاً مع دول الوفاق)، قام الاتحاد السوفييتي بسلسلة من التحركات الدبلوماسية التكتيكية بهدف البقاء – و كان بعضها قد جرى سلفاً مع تواجد لينين في قيادة الحزب. حيث مماثلة هي، المشاركة في مؤتمر جنوة، و معاهدة رابالو مع ألمانيا و التي شهدت آثار معاهدة فرساي، ومحاولة التقارب مع الصين وزعيم الكوميتانغ صن يات صن (الذي مُنح اسمه لأحد جامعات موسكو، عام 1925) ، و التقارب أيضاً مع غيره من “القوى – غير الشيوعية – المناهضة للإمبريالية و المناهضة للاستعمار” في سلسلة من البلدان، كالهند و بلاد فارس وأفغانستان وجنوب إفريقيا، و غيرها.

لكن اختيار السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب[i]) بعد انتهاء التدخل الإمبريالي وهزيمة الحركات المضادة للثورة كان بمثابة تكيف مؤقت للسلطة والبناء الاشتراكيين مع محيط رأسمالي على وجه الحصر. حيث مترابطٌ مع ذلك، كان الإحتدام اللاحق للصراع الطبقي في الاتحاد السوفييتي، في إطار محاولة التصنيع و التنظيم الجماعي الزراعي، وعزل الكولاك.

إن بقاء الدولة الاشتراكية الأولى و الوحيدة حينها، الاتحاد السوفيتي، تطلَّب بالتأكيد، تمظهر التضامن الأممي العمالي من ناحية، ومن ناحية أخرى، وجود موقف غير عدواني نسبياً للدول الرأسمالية ومنفتح على الأقل على علاقات تجارية ودبلوماسية معينة. حيث نشأت هذه الأخيرة أيضاً إلى حد ما، نتيجة خيارات حكومات اشتراكية ديمقراطية، في ظروف كانت فيها الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية القديمة قد تحولت لأحزاب برجوازية و اندمجت في الدول الرأسمالية.

و على هذا النحو، كانت مسار الأممية الشيوعية خلال عشرينيات القرن الماضي، حتى تمظهر الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية (1929)، مختوماً بتعقيد ميزان القوى هذا: دولة اشتراكية وحيدة، و هزيمة انتفاضات العمال الثورية في الدول الأوروبية (ألمانيا، المجر، النمسا)، و أحزاب شيوعية ضعيفة أو غيرها التي توجد فيها قوى لم تنفصل عن الاشتراكية الديمقراطية. و في كثير من الحالات في ذات الوقت، سيطرت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على الحركة النقابية، في حين رُوِّج عِبر وساطة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين لعلاقات تجارية للدول الرأسمالية مع الاتحاد السوفييتي.

و فوق هذه الأرضية صاغت الأممية الشيوعية خط “الجبهة العمالية الموحدة” و فتحت الطريق لتعاون الشيوعيين و الاشتراكيين الديمقراطيين أولاً “من الأسفل”، ثم “من الأعلى”، وكذلك مع قوى برجوازية ديمقراطية، وقت تسلق الفاشية – النازية في إيطاليا وألمانيا في الثلاثينيات.

و بمقدار نضوج احتمالية نشوب حرب جديدة، و العِلم أن الاتحاد السوفييتي سيكون مرة أخرى هدفاً للتحالفات الإمبريالية المتحاربة، كان مقدار زيادة الضغط، و زيادة المحاولة للحد من الخصوم الداخليين وعزلهم (على سبيل المثال، القوى المعادية للثورة و قوى التخريب)، لكن التناقضات تعززت في ذات الوقت عبر: تبني دستور عام 1936 الذي وسَّع حق التصويت أيضاً نحو قوى ذات أصل أو مرجعية برجوازية، أمرٌ حوَّل القاعدة الانتخابية بشكل أساسي من موقع العمل إلى الموقع الجغرافي، مع قيام تحركات تكتيكية تجاه الحكومات الرأسمالية من جانب الاتحاد السوفييتي.

هذا و جرى تبنِّي التقديرات المذكورة أعلاه بشكل جماعي من قبل الحزب الشيوعي اليوناني، و تقديمها بالتفصيل في وثيقة مؤتمر (المؤتمر اﻠ18) و حتى بشكل أكثر شمولاً في بحث تاريخي للحزب الشيوعي اليوناني في أربعة مجلدات للفترة (1918-1949) و هو الذي نوقش و أقرَّ من قبل مؤتمر موضوعاتي للحزب أجري على المستوى الوطني.

وإن التذكير بإيجاز بهذه التقديرات يجري من أجل فهم أفضل لميزان القوى العالمي و الأرضية الحبلى بالحرب العالمية الثانية وقتها. حيث يتضح اليوم أن هناك حاجة إلى بحث أكبر وأكثر تعمقاً في قضية تنبؤ الحزب الشيوعي السوفييتي والأممية الشيوعية بنحو أشمل باحتدام الصراع الطبقي، و تشكُّل ظروف ثورية في أي بلد أو مجموعة بلدان، و في أي قارة، بعد الأزمة الاقتصادية الرأسمالية في فترة 1929-1931، و التنبؤ بالأزمة الجديدة لعام 1937. حيث يبدو أن التوجه يتعلق – بنحو أكثر شدة بعد الحرب العالمية الثانية – ببلدان شبه مستعمَرة، و مستعمَرة، و تابعة سياسيا، و بنحو رئيسي في آسيا لا في أوروبا.

و مع ذلك، فإن الحرب العالمية الثانية هي وليدة الأولى و استمرارية لها و تطورت على مساحة كبيرة من الأراضي الأوروبية. و على الرغم من أن الدول الرأسمالية شنت الحربين العالميتين من أجل إعادة توزيع الأسواق والمستعمرات وشبه المستعمرات، ففي الحرب الثانية اشتبكت أيضاً الدولة الاشتراكية الوحيدة الموجودة حينها. حيث اشتبكت باعتبارها هدفاً مباشراً لعدوان من جانب المحور الفاشي، هو هدفٌ لم تتصدى له كتلة الدول الرأسمالية المناهضة للمحور. بل على النقيض، تطلَّعت الكتلة الثانية لقيام هجوم كهذا من قبل الأولى، و هو الذي كان من جهة سيضرب الاتحاد السوفييتي، ومن جهة أخرى سيُضعف ألمانيا و يُبطل طموحاتها ضد الكتلة الأولى. حيث تجلَّى هذا أيضاً في واقعة إبرام المملكة المتحدة وفرنسا اتفاقية ميونيخ مع ألمانيا وإيطاليا في أيلولسبتمبر 1938، كما و في أحداث أخرى، كالتأخير الواعي (لمدة 9 أشهر) لفتح الجبهة الغربية، و إنزال النورماندي.

و أتت اتفاقية ريبنتروب – مولوتوف (أغسطس 1939) رداً على اتفاقية ميونيخ، و بعد عام على إبرامها. و بعد عدوان المحور الفاشي على فرنسا، و قصفه ضد بريطانيا، و عدوانه أيضاً ضد الاتحاد السوفييتي، أتت اتفاقية الاتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كما و قرار الفكرة الإشكالية للتفكيك الذاتي للأممية الشيوعية، الذي أدى موضوعياً إلى تغذية فصل النضال التحرري المسلح المناهض للفاشية، عن الصراع من من أجل حيازة سلطة العمال الثورية.

و بالتأكيد، في النهاية، وجه الاتحاد السوفييتي ضربة حاسمة لقوى المحور الفاشي. حيث كانت معارك ستالينغراد نقطة مرجعية لنتائج الحرب العالمية الثانية حتى بالنسبة لقوى غير شيوعية، بمعزل عن درجة وعيها السياسي الطبقي. بعد ذلك ، أدى تحرير الجيش الأحمر للدول التي احتلتها قوى المحور، إلى تعزيز القوى العمالية الشعبية، سياسياً.

أي أن تحولاً هاماً في ميزان القوى الدولي كان حاضراً سلفاً منذ خريف عام 1944، حيث: كانت إحدى كتلتي النظام الإمبريالي الدولي المنقسم، قد هُزمت تقريباً، و لم يكن الاتحاد السوفييتي معزولًا و له نفوذ كبير على الأقل في الطبقة العاملة العالمية، في حين تمظهرت الكتلة الأخرى للدول الرأسمالية، بقيادة الولايات المتحدة – المملكة المتحدة، كحليف “ديمقراطي” للاتحاد السوفييتي، لكنها عملت بشكل منهجي على إضعافه عن جديد.

و في ظل هذه الظروف الجديدة، سعى الاتحاد السوفييتي نحو توازن قوى جديد أكثر ملاءمة، خاصة تجاه حدوده الغربية.

وهكذا، فإن المحادثات والمفاوضات بين حلفاء متباينين طبقياً (اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية – الولايات المتحدة الأمريكية – المملكة المتحدة) لم تكن فقط تتعلق بمواجهة القوى المعادية، بل و أيضاً بمنظور وقف إطلاق النار مع القوات المتحاربة (حول أي من قوى المحور كانت ستوقع اتفاقيات، و بأي شروط، وما إلى ذلك). و من الأمور ذاتها، فقد لامس التحالف المناهض للفاشية أيضاً مسألة النظام السياسي في هذه البلدان في فترة ما بعد الحرب.

إن ما هو مؤكد هو أن الصراع الطبقي تخلل المواجهة الجارية بين الاتحاد السوفييتي و الدول الرأسمالية: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، خلال المفاوضات. حيث كان الاتحاد السوفييتي مهتماً بإيلاج بلدانه المجاورة في تحالف أكثر استقراراً و في اتجاه البناء الاشتراكي، بينما كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مهتمتين بتأمين السيطرة الرأسمالية في أوروبا ، في أكبر عدد ممكن من البلدان، وبالتأكيد في بلدان المتوسط، و البلقان و على وجه الخصوص في اليونان.

و كما تظهر جميع الأدلة اللاحقة من أرشيفات الدول الرأسمالية، ولكن أيضاً من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، فإن قيادات و استخبارات الدول الرأسمالية “الحليفة”، كانت تعمل سلفاً بنحو محموم منذ منتصف الحرب بتوجه طبقي بحت من أجل “اليوم التالي” و من اجل تعزيز الرأسمالية. و كان ذاك كان متعلقاً أيضاً باستهدافاتها في الاتحاد السوفييتي، عبر مخططات و ممارسات تقوض الاشتراكية من الداخل، مستغلة تقارب الاتحاد السوفييتي من خلال ممثلياتها وآلياتها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية المتنوعة. و في الوقت نفسه، وضعت هذه القوى أسس اتحادات اقتصادية – سياسية إمبريالية جديدة، (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي) ، و اتحادات دولية، كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والأمم المتحدة، والتي كانت ستُحاصر من خلالها السياسة الخارجية السوفييتية، و سيُنزع عصبها الطبقي.

كما و كانت تستعد أيضاً لحروب إمبريالية جديدة، بأسلحة جديدة كالقنبلة الذرية، التي تم اختبارها في اليابان دون وجود أي سبب عملياتي عسكري، فقط كتهديد للاتحاد السوفييتي. لكنها حتى بعد نهاية الحرب، تحولت سريعاً إلى أفعال هجومية أكثر وضوحاً، على سبيل المثال، عِبر مبدأ ترومان، الذي ميز بشكل أساسي الحرب الباردة، وخطة مارشال للانتعاش الاقتصادي الرأسمالي لأوروبا، ولا سيما لجمهورية ألمانيا الاتحادية، والتأسيس اللاحق لحلف الناتو العسكري السياسي. لقد استغلت البلبلة و حتى الضلال التام الذي خلقه التحالف المناهض للفاشية في إستراتيجية الحركة الشيوعية الأممية، في عشرات البلدان التي شهدت حرباً بهذا الأسلوب أم غيره (اليونان، إيطاليا، فرنسا، بلجيكا، النمسا، و غيرها) وكسبت الوقت، خاصة في الفترة الحرجة أثناء زعزعة استقرار السلطة البرجوازية 1944-1945.

ومع ذلك، فإن الانحباس الانتهازي للحركة الشيوعية في دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تسبب أيضاً في حرمان الحركة الشيوعية من التضامن البروليتاري الأممي الضروري نحو الدول ذات ظروف وضع ثوري، كاليونان وإيطاليا. و على العكس من ذلك، فإن الأحزاب الشيوعية للولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا أصبحت حينها حوامل تغذية لرؤية كارثية من أجل دعم الحكومات البرجوازية الديمقراطية المناهضة للفاشية أو للاحتكارات.

وما هو مؤكد هو أن الحركة العمالية الثورية وجدت نفسها دون استراتيجية ثورية في نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث أسهمت في ذلك أدلجة السياسة الخارجية للإتحاد السوفييتي، و حتى أدلجة مناوراتها التكتيكية، و هو أمر يتحمل مسؤوليته الحزب الشيوعي السوفييتي ذاته.

وباستطاعتنا اليوم القول أن بعض المواقف التفاوضية للاتحاد السوفييتي لليوم “التالي” بعد الحرب لم تتوافق مع الزخم الفعلي للتطورات، مما يمكننا الآن اعتماد تقييم قائل أن هذه المواقف لم تُسند تعزيز المنظور الاشتراكي، سواء في الاتحاد السوفييتي نفسه كما و في بلدان أخرى. حيث كان من هذه المقترحات، على سبيل المثال، “القبول من حيث المبدأ بضرورة تقسيم ألمانيا” (شباط|فبراير [ii]1945)، والقبول من حيث المبدأ بالوساطة للتعاون بين الحكومات الأولى في فترة ما بعد الفاشية أو ما بعد الاحتلال و بين القوى السياسية البرجوازية المتواجدة في المنفى (على سبيل المثال، في بولندا، و يوغوسلافيا)، التفاوض من أجل سيطرة مشتركة (من قبل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي) على التطورات السياسية بعد الحرب في بلدان المحور الفاشي المهزومة (كبلغاريا ورومانيا والمجر وإيطاليا) أو في بلدان خضعت للاحتلال الفاشي كاليونان و يوغوسلافيا.

وكانت السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب) خطة تراجع منظم من حيث القضاء على العلاقات الرأسمالية، مع وجودها الخاضع للسيطرة في حالات المشاريع الصغيرة والمتوسطة في عصرها، مع بقاء رأسماليي الإنتاج الزراعي، و استيراد للرأس المال الأجنبي. حيث كان هذا التراجع مرتبطاً أيضًا بالكوارث الكبرى التي أعادت الاقتصاد، أي الظروف المادية، إلى مستوى ما قبل عام 1913. و أدت إلى تأخير 7 سنوات في صياغة أول خطة مركزية خمسية و إلى أكثر من 10 سنوات من استمرار وجود الكولاك. و كان لينين قد اعتبر لينين أن إجراءات من هذا القبيل هي غير ضرورية بالنسبة لعدد من البلدان الرأسمالية المتطورة. انظر وثائق اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني في المؤتمر ال 18.

الانزلاق نحو “التعايش السلمي”

تتمثل مسألة رئيسية حاضرة في كيفية تحديد السياسة الخارجية للدولة العمالية للبناء الاشتراكي في ظروف غير مواتية، أي ظروف عدوانية إمبريالية، و محيط دول رأسمالية عاتية. إننا مدينون الآن أن نبحث هذه المسألة بنظرة باردة لتحليل وقائع منجزة، لكي نغدو أكثر نفاذاً، وديالكتيكية ، وأقل عاطفية، لفحص وقائع معقدة مع قيامنا باﻹحتساب المشترك لعناصر تاريخية ولقد اتبع الاتحاد السوفييتي سياسة خارجية تجاه الدول الرأسمالية، حددتها حاجات حينها لإنقاذه من الأعداء الخارجيين والداخليين.

وإن هذا ينطوي على تناقض في الظروف التاريخية المعينة: حيث يفرض الغرض الأيديولوجي السياسي الطبقي لإنقاذ الاتحاد السوفييتي كدولة عمالية، خيارات للسياسات الخارجية لا تتماشى جزئياً بالمطلق مع عنصر البعد الأممي للصراع الطبقي، كمثال إبرام هدنة، و اتفاقية تجارية، و علاقات دبلوماسية، و ما إلى ذلك. و بالتأكيد، لا ينبغي أن تؤدي مثل هذه التحركات إلى تليين الصراع الطبقي في الدولة الرأسمالية التي تتعامل معها الدولة الاشتراكية.

لقد شغلت هذه المسائل السلطة السوفيتية منذ اللحظة الأولى لغلبتها. و كما ذكرنا، فقد أصبحت أكثر تعقيداً في مسارها بعد هزيمة ثورات 1918-1923 في أوروبا.

و مع ذلك إجمالاً، فإن تاريخ الصراع بين دولتين من ذات الطابع الطبقي قد أظهر تكتيكات في السياسة الخارجية. أي أننا نرى أن تحالف الحلفاء يكتسب طابعاً ظرفياً، و أن الاتفاقيات تخدم مصلحة الدولة المعينة، و يتخلل هذا تاريخ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث ما من وجود لدولة اشتراكية. ومع ذلك، فقد استمر هذا في تخلله كتكتيك للسياسة الخارجية للدول الرأسمالية على مدى القرن العشرين، و ذلك على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان مُستهدفاً بنحو مشترك من قبلها.

لكن الدولة السوفييتية المشكلة حديثاً حاولت أيضاً و دون جدوى، إبرام اتفاقيات هدنة مشتركة بين دول الوفاق وألمانيا وغيرها خلال الحرب العالمية الأولى. وهكذا، فإن منطق الاتفاق بين الدول المتنافسة الطبقية (الاتحاد السوفييتي من جهة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية و من ثم فرنسا، من جهة أخرى) لتأمين السلام بعد الحرب، لم يكن غير مسبوق. كان الاختلاف هو أن القوة التفاوضية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية كانت أقوى خلال الحرب العالمية الثانية، بينما كان الخوف الطبقي للدول الرأسمالية من تطورات انقلابية في عدد من البلدان، قوياً، بما في ذلك في اليونان وإيطاليا. و من جانب “الحلفاء” الرأسماليين، أثبتت التطورات اللاحقة المتواجدة خلف التحركات الدبلوماسية القسرية والظرفية وجود استعداد لشن ما سُمي بـ “الحرب الباردة”، وتحريض قوى الثورة المضادة في سلسلة من البلدان كبولندا والمجر و يوغوسلافيا و لاحقاً في تشيكوسلوفاكيا، و تحييد القوات الشعبية المسلحة في اليونان وإيطاليا، مهما كلف ذلك من تضحيات. و من المؤكد أن قيادة الحزب والدولة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لم تطمئن، ولكنها أعطت وزناً أكبر من المفروض للمواجهة المشتركة للفاشية الألمانية. حيث يجب التحقيق فيما إذا كان قد اتبع المنطق الإشكالي القائل بأن إضعاف ألمانيا (من خلال حرمانها صناعتها الحربية أو تقسيمها، و ما إلى ذلك) سيكون عاملاً في استقرار السلام عِبر غلبة الحكومات الديمقراطية البرجوازية الواقعية “السلمية” المعادية للفاشية في سلسلة من الدول الرأسمالية.

هذا و سرعان ما تأكّد أن عامل العدوانية الإمبريالية لم يكن متمثلاً فقط في النزعة القومية اﻷلمانية (أو الإيطالية، اليابانية، أم سواها)، بل أنه متمثل في النزوع العام للدول الرأسمالية نحو توسيع أراضيها أو على الأقل نحو توسيع نفوذها وسيطرتها من أجل تحقيق استغلال امتيازي للمواد الطبيعية والقوة العاملة المتواجدة على أراضي بلدان أخرى و لهذا السبب، كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تحارب بذات القدر، خلال العقود التالية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ضمن محاولة تجنب تلقي عمليات عسكرية على أراضيها.

وبالطبع، دُفع ثمن المعركة البينية للقوى المذكورة، بدماء و فقر و لجوء و هجرة شعوب بلدان لم تكن قد صاغت بعد، دولاً رأسمالية قوية (شبه مستعمرات أو ديكتاتوريات عسكرية أو ملكية، تعاونت مع دولة رأسمالية قيادية معينة أم مع سواها). و دفعت ثمنها مع ذلك، أيضاً قواها العسكرية، كقوى الولايات المتحدة في فيتنام.

و في وقت مبكر من الأربعينيات، قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تكن التحركات الدبلوماسية والتفاوضية السوفييتية، بالإضافة إلى موقفها تجاه الأحزاب الشيوعية الأخرى، خالية سلفاً من مشكلة إضفاء الطابع الأيديولوجي على السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي. بعبارة أخرى، تم إضفاء طابع النظرية استراتيجياً على خيارات سياسية محددة، وهي مشكلة كان لها تأثير سلبي على تطور الصراع الطبقي العالمي من أجل انتصار الاشتراكية.

و بنحو غير واقعي جرى تقييم ميزان القوى أيضاً مع صياغة الدول جغرافياً، كما تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن أيضا تقييم تشكيلها السياسي من قِبل أحزاب شيوعية و من قبل الحزب الشيوعي السوفييتي ذاته.

هذا و انطبع التقييم غير الواقعي لميزان القوى في أوروبا والعالم – ليس فقط من زاوية ميزان القوى بين الدول الرأسمالية، ولكن أيضاً بين الرأسمالية والاشتراكية – في وثائق المؤتمر اﻠ19 للحزب الشيوعي الشيوعي السوفييتي ثم في المؤتمرات الأممية للأحزاب الشيوعية و العمالية. حيث تم التقليل من شأن الإمبريالية الأوروبية (على سبيل المثال في ما يخص المملكة المتحدة وفرنسا)، وغالباً ما اعتبر أن قياداتها تابعة للولايات المتحدة وخاضعة لها، وتم التقليل من شأن إمكانية إعادة بنائها بعد الحرب. و جرت مبالغة في تقدير دور الاتحاد السوفييتي والدول الثمانِ الجديدة في أوروبا في ميزان القوى العالمي للصراع الطبقي بين الرأسمالية والاشتراكية، في حين تم التقليل من أهمية وجود وضع ثوري في البلدان الأوروبية الأخرى، على سبيل المثال في اليونان وإيطاليا.

حيث تُظهر الوثائق السوفييتية، ووثائق أحزاب شيوعية من دول رأسمالية، وكذلك وثائق المؤتمرات الأممية، أيضاً في العقود اللاحقة، 1950، 1960، 1970، المشكلة العميقة للتفسير غير الطبقي للحرب والسلم، والتي انطبعت أيضاً في “التعايش السلمي” بين الدول الاشتراكية و الدول الرأسمالية ذات الحكم الديمقراطي البرجوازي.

و غالباً ما يحارب ممثلو التيارات الانتهازية المختلفة في بلدنا موقف الحزب الشيوعي اليوناني القائل بغياب الإستراتيجية الثورية للحركة الشيوعية الأممية خلال الحرب العالمية الثانية، وتقييمنا القائل بوجود أدلجة لسياسة الاتحاد السوفييتي الخارجية. و تُبرز كحجة رئيسية لها، واقعة صياغة “أنظمة جمهوريات شعبية” في 8 دول في وسط وشرق أوروبا، والتي اعتبر بعضها في تطورها شكلاً من أشكال الدولة العمالية الثورية و “ديكتاتورية البروليتاريا”. إن هذه الحجة ركيكة، كما و لم تؤكدها النوايا البرنامجية المعلنة بداية من قبل هذه الحكومات، ولا التطورات التاريخية (صراع قوى عمالية مع قوى برجوازية).

حيث جليٌ في اتفاقيات الهدنة هو أمر صياغة حكومات مختلطة (من قوى برجوازية وشيوعية) ببرنامج ديمقراطي برجوازي. و بالتأكيد، فقد تفاقم الصراع بسرعة كبيرة، و مالت الكفة نحو الجانب العمالي الثوري، لكن ذلك ترك بصمات مهمة للتسامح مع قوى الرأسمالية: لم يتم إلغاء تأجير عمل الغير تماماً، في حين تعمم النقاش حول “اشتراكية السوق” و “التسيير الذاتي” للمؤسسات و ما على شاكلة ذلك. و من ناحية أخرى، في بلدان مثل اليونان، احتُجز الكفاح المسلح التحرري في خط التفاهم مع القوى البرجوازية المعادية للفاشية، ضمن اتفاقيات كتلك الموقعة في لبنان، و كازيرتا.

و مما لا شك فيه، هو احتدام الصراع الطبقي في العقد الذي تلا ذلك. حيث تتصالح الإمبريالية الدولية مع ميزان القوى كما انطبع في اتفاقيات إنهاء الحرب العالمية الثانية. و كان احتدام الصراع الطبقي متعلقاً أيضاً بداخل الاتحاد السوفييتي. حيث سُجِّل ذلك في المؤتمرات النظرية للحزب الشيوعي السوفييتي، على سبيل المثال، في مؤتمر منعقد حول الاقتصاد (1952)، و في إجراءات انتخاب الأمين العام للجنة المركزية بعد موت ستالين، كما و تبلور في الإنعطاف الانتهازي اليميني المحقق في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي (1956)، و في تدخل الحزب في سلسلة من الأحزاب الشيوعية، بما في ذلك في الحزب الشيوعي اليوناني (في الجلسة العامة السادسة الموسعة للجنته المركزية لنفس العام).

عن دور الشخصية الثورية

تم تبرير الانعطاف اليميني على أنه انعتاق من “عبادة الاشخاص”، في حين تم تبرير الانعطاف المقابل المتمظهر في الحزب الشيوعي اليوناني باعتباره “إدانة للخط الإنعزالي”، حيث جرى التبرؤ بنحو جوهري من النشاط السياسي الأكثر بطولية و من الصدام مع القوى الرجعية المحلية والأجنبية.

استغلت هيمنة الانتهازية اليمينية عن عمد هجومها على شخصيات قيادية لتغيير المناخ العام،علماً منها أن الجماهير – دون إعفاء الطليعة، و القوى الشيوعية من ذلك – تميل إلى إضفاء طابع أسطوري على قادتها أو إلى شيطنتها، محملة إياهم المسؤولية شبه الكاملة عن الانتصارات أو الهزائم تباعاً. وبطبيعة الحال، فإن الشيء نفسه يطبق إلى حد كبير من قبل اﻷركان البرجوازية للقادة، و ذلك تحديداً لأنهم يستفيدون من ميول الجماهير هذا، وهو الذي يناسبهم لكي تبقى سلطتهم سالمة، مع تضحيتهم حتى بشخصيات قيادية لهم.

إننا مهتمون بعلاقة الشخصية الثورية القيادية بالظروف الاقتصادية – الاجتماعية – السياسية المحددة، التي تنمو وتتطور وتعمل ضمنها كشخصية ثورية.

إن هذه بلا شك هي مسألة للدراسة، و التي لن نقول بأن التعميم النظري المتعلق بها قد تم تطويره بالكامل بنحو مُرضٍ، في حين تقدم الخبرة التاريخية للحزب الشيوعي اليوناني و الحزب الشيوعي السوفييتي، على الأقل مادة مهمة لمثل هذه الدراسة، و خاصة في العقود الحرجة 1930، 1940، 1950.

ومن بين العوامل التي يجب دراستها هو قدرة الشخصية على تحريك كل قوى الحزب، وقوى طليعة الطبقة العاملة والمفكرين الجذريين المناضلين و بكلام آخر، فإن الشخصية القيادية والقيادة الجماعية في النضال الثوري هي من بين المقدمات الأساسية لنتائجه.

و يتمثل عامل حاسم أيضاً في الوحدة الجدلية لسمتي الطبقية و العلمية في السياسة، وأكثر من ذلك بكثير في الكفاح السياسي الثوري، وهي علاقة تتجلى بوساطة ذاتية، وبالتالي فهي تتشابك مع علاقة الشخصية بعنصر الجماعية في القيادة.

و بقدر ما قد يبدو ذلك قضية جانبية أو ثانوية فيما يتعلق بنتيجة الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، فيما يخص حدة هذا الصراع خلال الحربين العالميتين، فهو ليس كذلك.

و بالتأكيد، فإن دراسة الموضوع من جهتنا لا تجري من زاوية البرجوازيين الذين يبالغون في التأكيد على سمات الشخصيات في الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، على سمات شخصية هتلر سلباً، و تشرشل بنحو إيجابي أو حتى على ستالين. ومع ذلك، يجب علينا مكافحة الآثار السلبية المقابلة التي تقود حتى في التأريخ الشيوعي إلى لقاء مبالغات في الطفرات أو في إدانة السمات الشخصية الخاصة للقادة. فعلى سبيل المثال، نلاقي أيضاً في وثائق الحزب الشيوعي السوفييتي مرجعيات سلبية بنحو خاص فيما يتعلق بشخصية نيكوس زاخارياذيس.

و بإمكاننا القول استخلاصاً مما سبق، أن الحكم على القيادة الثورية، و على الشخصيات المتميزة للقادة الثوريين يتجاوز النوايا والتصرفات، أي من خلال قدرتهم على الرد السريع والدافع للمهام التي تطرح أمامهم في كل مرة – و في هذا تتمظهر في كل حال طليعة الحزب. و من هذا الرأي، فقد طُرحت أمام الحزب البلشفي مهمة معقدة وغير مسبوقة، وهي بقاء الثورة على قيد الحياة لفترة طويلة في ظروف حصار إمبريالي، و احتدام للصراع الطبقي في الداخل في اتجاه بناء علاقات اجتماعية جديدة، في ذات وقت تشكُّل الحركة الشيوعية في أوروبا و العالم بتناقضاتها و مشاكلها، وكذلك مهامها الأممية من أجل غلبة الثورة الاشتراكية في مجموعة من البلدان.

و لكن هذه القدرة هي محكومة من العلاقة الجدلية بين الشخصية الثورية القيادية والوظيفة الجماعية للحزب، و من خلال العلاقة بين طبقيته و علميته. حيث باستطاعتنا اليوم، أي بعد ما يقرب على 100 عام، أن نحكم بنحو أكثر موضوعية، دون عواطف، وبشكل أكثر شمولاً كل هذا المحاولة، بهدف استخلاص استنتاجات من أجل الحاضر والمستقبل.

تلخيص تقديرات و استنتاجات حول الحرب العالمية الثانية

1. كانت الحرب العالمية الثانية إمبريالية وهذا ينطبق على جميع الدول الرأسمالية التي شاركت فيها، بغض النظر عما إذا كان بعضها مسؤولاً عن بدايتها، كألمانيا وإيطاليا وبلغاريا وغيرها، و عن صياغة الظروف التي فرضتها، كالمملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، في عدم الرد على العدوانات الحربية للدول المذكورة أعلاه.

إن الطابع الإمبريالي للحرب العالمية الثانية، أي الحرب بين الدول الإمبريالية من أجل تقاسم الأسواق، لا يُبطَلُ واقعة اعتداء تحالف المحور الفاشي، أيضاً على الاتحاد السوفييتي، الدولة العمالية الأولى والوحيدة حينها.

حيث مسؤولة عن هذا التطور أيضاً هي الدول الرأسمالية الأخرى، التي لم تعتدي على الاتحاد السوفييتي، كالمملكة المتحدة وفرنسا، التي لم تمنع ألمانيا من الاستعداد ضد اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. بل على العكس من ذلك، فقد تلهفت و غذت قيام عدوان كهذا من أجل إسقاط الدولة العمالية. و لا تُبطل هذه التطلعات من واقعة امتلاك كل حرب لزخمها الخاص، و هي تجلب بالتالي اصطفافات و إعادة ترتيب للتحالفات أيضاً بين الدول الرأسمالية، و تجلب حتى تحالفات ظرفية كذاك الذي قام بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي، بعد نقطة معينة، أي عندما تعرضت القوة الأمريكية البحرية لهجوم من قبل القوات اليابانية ( في بيرل هاربور).

2. لقد خاص الاتحاد السوفييتي المعركة، كدولة عمالية ليس فقط للدفاع عن استقلاله، بل و للدفاع عن طابعه الاشتراكي العمالي. و كان هذا الدفاع أيضاً متعلقاً بالحركة الشيوعية الأممية، و بصراعها من أجل توسيع الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية – الشيوعية.

و من هذا الرأي، كان بإمكان الأحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية أن تتفهم و ألا تعارض التحركات التكتيكية للاتحاد السوفييتي من أجل كسب الوقت (على سبيل المثال، اتفاق ريبنتروب – مولوتوف) أو لتنظيم دفاعه وهجومه المضاد (على سبيل المثال، مفاوضات إبرام اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية – المملكة المتحدة).

من المشروع لدولة اشتراكية معرضة للخطر – في ظروف يكون فيها النظام الإمبريالي الدولي منقسماً في حالة حرب- أن تقوم بتلك التحركات السياسة الخارجية، من أجل كسب الوقت و أن تتمكن من تنظيم أفضل و أن تواجه ربما، جنبا إلى جنب مع بعض القوى الأخرى مسائل العمليات العسكرية ضد الكتلة المعتدية مباشرة ضدها. و حتى أن تفاوض أثناء الحرب، ربما حول موضوع إنهاء الحرب، و اتفاقيات الهدنة التي تتطلب إبرام مواثيق دولية، و ما إلى ذلك. إن كل هذا مبرر لها.

و مع ذلك، فإن العوامل التي تصوغ “اليوم التالي” والتي تتعلق بالصراع الطبقي هي أكثر تعقيداً. فإن لكل حرب زخمها الخاص داخل كل بلد منخرط بها، في البداية إما كدولة معتدية أو كدولة محتلة. فعلى سبيل المثال، تتطور في الدولة الواقعة تحت الاحتلال مقاومة، و كفاح مسلح، وفي كثير من الحالات يتغير ميزان القوى ضمن عملية النضال التحرري المسلح هذا، كما هو الحال في اليونان، حيث قاده الحزب الشيوعي اليوناني بشكل رئيسي، لا الطبقة البرجوازية اليونانية. وهذا يعني قيام عملية تحول في ميزان قوى الصراع الطبقي القائم بين الطبقة العاملة والقوى الشعبية من جهة و الطبقة المهيمنة حتى ذلك الحين – البرجوازية – من جهة أخرى.

حيث يجب أن تلعب هذه التغيرات دوراً “في المطالبة باليوم التالي من قبل أي طبقة” لا أن يتحدد ذلك – فقط أو بنحو رئيسي – من خلال مفاوضات دول انتصرت في الحرب، و في هذه الحالة من قبل دول حليفة، و لكنها دول مختلفة طبقياً: اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية – الولايات المتحدة الأمريكية – المملكة المتحدة. و من وجهة النظر هذه، فإن السبب الأول لتطور ما بعد الحرب يتعلق بتطور النضال الجاري داخل كل بلد، ويجب أن يكون للتفاعلات الداخلية من وجهة نظر الحركة العمالية الثورية قول حاسم في ذلك، مع جذبها لأكبر قدر ممكن من التضامن الطبقي الأممي من جانب الحركة الشيوعية أو الدولة أو الدول الاشتراكية المتشكلة حينها.

و مع ذلك، لا ينبغي بأي حال من الأحوال إضفاء سمة النظرية أو الأيديولوجية على عناصر السياسة الخارجية للدولة الاشتراكية، أو جعلها عناصراً لاستراتيجية الحركة الشيوعية الأممية، لا من جانب الاتحاد السوفييتي ولا من جانب الأحزاب الشيوعية للدول الرأسمالية. لأن ذلك و في كلتا الحالتين، أضعف التوجه الاستراتيجي وقدرة الحركة الشيوعية في كل بلد رأسمالي.

هذا و صاغت عمليات الأدلجة الخاطئة للحزب الشيوعي السوفييتي الذي ترافق مع الموقف الانتهازي لأحزاب شيوعية في بلدان رأسمالية هامة، حلقة مفرغة أضعفت بشكل مباشر و على المدى الطويل الحركة الشيوعية في سلسلة من البلدان المشتبكة في الحرب العالمية الثانية إما كمعتدية (مثل إيطاليا) أو كواقعة تحت الاحتلال (مثل اليونان).

إن الخلاصة هي أن الوضع الداخلي و الدولي للصراع الطبقي و اقتدار الطليعة الواعية على احتساب ترابط الوضعين وتفاعلهما، هو أمر مهم في جميع مراحل النشاط الثوري، على حد السواء أثناء الثورة و في الخطوات الأولى لتوطيدها، كما و أثناء فترة البناء الاشتراكي، و بعد توطيد الثورة لطالما لم تتشكل الظروف المناسبة على الصعيد الدولي لاكتمال المجتمع الشيوعي.

3. بالرغم من قيادة الأحزاب الشيوعية لكفاح التحرير المسلح كذاك في اليونان، أو المناهض للفاشية مثلاً في إيطاليا ، فهي لم تتمكن من ربط هذا النضال بالصراع من أجل حيازة السلطة في ظروف ثورية. أي في الظروف التي كانت فيها السلطة البرجوازية قد أظهرت بالفعل أزمة سياسية أعمق، وعدم استقرار، إما خلال انسحاب قوى الاحتلال أو أثناء هزيمة الغزاة.

حيث كانت الأحزاب الشيوعية عالقة في خط الصراع المناهض للفاشية، أثناء المفاوضات المحلية الجارية في بلدانها أو في غيرها (الاتحاد السوفيتي) حول النظام السياسي بعد الحرب. إن هذه المشكلة لا تنتفي من واقعة تمظهر نتائج مفاوضات الاتحاد السوفييتي مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كمواتية نسبياً، أو بنحو أفضل من ذلك، فيما يخص بعض البلدان، كبولندا، المجر، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، على سبيل المثال، لأن حضور الجيش الأحمر ضمِن تحقيق نتيجة إيجابية من أجل احتدام جديد للصراع الطبقي أيضاً على مستوى الحكومات و ذلك بمعزل عن تشكيلتها الأولى (حيث شاركت ضمنها قوى برجوازية أيضاً).

و مع ذلك، و على الرغم من التطور الملائم نسبياً في هذه البلدان، فإن مجمل مسار الصراع الطبقي، المتسم بإبداء بعض التسامح مع القوى البرجوازية، قد ترك طابعه السلبي: حيث لم تُلغ العلاقة الرأسمالية تماماً (سمح الدستور باستئجار عمل الغير حتى مستوى معين، و بالطبع مع تحكم الدولة بمستوى الراتب وظروف العمل). و امتلك الإنعطاف الانتهازي اليميني المحقق في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي سنداً اجتماعياً، كما و الغلبة التدريجية للنظريات السوقية حول الاشتراكية.

4 . كما و ثبُت أن تطورات أخرى هي غير قابلة للحياة، و التي كانت نتاجاً لميزان القوى بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، كتشكيل دولتين في ألمانيا (تقسيم برلين، ودمج جزء منها في ألمانيا الرأسمالية) مع تغذية مستمرة لنشاطات الثورة المضادة التي أعاقت الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

كما و كان أيضاً مآل الصراع الطبقي في بلدان كاليونان، قد تأثر بدرجة أو بأخرى من تناقضات رؤية وسياسة “التعايش السلمي” للاشتراكية مع دول رأسمالية “ديمقراطية” و “محبة للسلم” ، والتي كانت تعتبر محكومة بواقعية سياسية.

حيث سرعان ما كشفت كل من “الحرب الباردة” و الهجمات الأمريكية “الساخنة” على كوريا والشرق الأوسط وتشكيل حلف شمال الأطلسي، ثم الحرب الإمبريالية على فيتنام، عن الوجه العدواني الفعلي للولايات المتحدة الذي لم يتخلف في عدوانيته عن ألمانيا النازية.

إن إجراء التقييم الموضوعي لميزان القوى يفترض دائماً، عدم الاستهانة بالطابع الاستغلالي العدواني للسلطة الرأسمالية، بمعزل عن شكل الدولة أو مرجعياتها الأيديولوجية الخاصة. و لهذا السبب يحارب الاتحاد الأوروبي “الديمقراطي” اﻹسهام الحاسم للاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية ويصنفه مع ألمانيا في نفس خانة “الأنظمة غير الديمقراطية”، متجاوزاً واقعة التمايز الطبقي الهائل، بين الرأسمالية من جهة، و الاشتراكية من جهة أخرى.

5. يجب على الحركة الشيوعية الأممية أن تعي و بعمق جميع جوانب واستنتاجات الحرب العالمية الثانية، وألا تخاف من الحقيقة المتعلقة بوجوه ضعفها وأخطائها، ولكن أيضاً “ألا ترمي الطفل مع الماء” أي أن تقوم بالدفاع عن الطابع الاشتراكي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، و الحكم على سياسته من وجهة نظر توطيد و صمود وتعميق العلاقات الشيوعية الجديدة على جميع المستويات، المحلية منها و الدولية.

ولقد تجرأ الحزب الشيوعي اليوناني، على مدى 30 عاماً ، و يتجرأ، مواصلاً البحث والدراسة و النقاش الجماعي الحزبي، كما و نقاشه الرفاقي مع أحزاب شيوعية أخرى، دائماً، بهدف تعزيز الصراع الطبقي من أجل الاشتراكية – الشيوعية.

أقرأ أيضاً : سياسة السلطة التركية الامنية عام 2020 تقتل العديد من الاشخاص

المصدر : الحوار المتمدن

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.