السلطان السلجوقي يغزو ليبيا

0 379

قرار السلطان السلجوقي أردوغان بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا ؛ هو غزو لا أخلاقي بكل المفاهيم، هذا عدا انتهاكه الواضح لمقررات الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن حول ليبيا، وبالأخص القرار رقم (1970) لسنة 2011 الذي أنشأ لجنة عقوبات ليبيا، وحظر توريد الأسلحة والتعاون العسكري معها، إلا بموافقة لجنة العقوبات.

إن القرار التركي بإرسال قوات إلى ليبيا؛ يصعّد من الصراع الدائر هناك، ويعطّل عودة الاستقرار لهذا البلد العربي الشقيق. عدا أن الغزو التركي لليبيا هو تهديد للأمن القومي العربي برمته، كما يفتح الباب لتدخلات إقليمية ودولية أخرى.

من الواضح أن هذا الغزو جاء لمساندة الميليشيات والجماعات المسلحة التي تأتمر بأوامر أردوغان؛ لتخريب كل الجهود الوطنية، الهادفة إلى تسوية الأوضاع؛ من خلال الحوار. الحرب التركية التخريبية في ليبيا تمثل استكمالاً للحرب التي خاضها وما يزال أردوغان على الجبهة السورية؛ حيث شكّلت مناسبة لإعادة كتابة التاريخ، وتعديل اتفاقات ما بعد انهيار الدولة العثمانية، وبخاصة اتفاقية سيفر عام 1920، وتلك التي تلتها في معاهدة لوزان عام 1923.

جاء تصريح السلطان الطوراني حول ليبيا مثلما قال حرفيا: «ليبيا وديعة عثمانيّة وأمانة كمال أتاتورك». هذا يضع ما يجري في سياق مختلف عمّا جرى تسويقه تركيا ً عن الأسباب الحقيقية التي تقف خلف الاندفاع التُركي المحمول على وعيد بالمزيد من التدخّل العسكري.

من هنا يمكن تلمّس طبيعة وجدوى الخطوات التي اتّخذتها أنقرة وسمحت لها ضمن أمور أخرى بتحويل الأزمة الليبية؛ بل والمنطقة إلى بؤرة توتر واستقطاب جديدتين، وفق مُعادلة تحالفات واصطفافات تلحَظ التغييرات التي حدثت في الجوار الليبي، وبخاصة في تونس والجزائر؛ حيث جلس قيس سعيد في قصر قرطاج الرئاسي بصلاحيات محدودة، فيما حازت حركة «النهضة» المرتبة الأولى في مجلس نواب الشعب الذي يرأسه حليف أردوغان المخلص راشد الغنوشي، وهو الراعي لرئيس الوزراء الجملي. أيضاً تعيش الجزائر مَرحلة ما بعد انتخاب عبد المجيد تبون رئيساً للجمهورية، وغياب مُهندس الشهور العشرة الأخيرة، وضابط إيقاع المشهد السياسي ببعديه (المحلي والخارجي) الجنرال الراحل قايد صالح.

إن الحرب التي ينتهجها أردوغان في الملف الليبي لا يمكن فصلها عن الملف السوري وما يجري في إدلب والشمال السوري؛ حيث دعوته لبيع النفط السوري، وصرف عائداته على عملية إعادة توطين اللاجئين السوريين في «المنطقة الآمنة» التي يحلم بإقامتها، فضلاً عن الصخب الذي أثاره توقيعه اتفاقات عسكرية، وأخرى اقتصادية، وبخاصة ترسيم الحدود البحرية مع رئيس حكومة طرابلس فايز السراج، وما أثارته من اعتراضات في الدوائر الإقليمية والأوروبية، ورد فعل موسكو بما هي لاعب أساسي في الأزمة الليبية، وعلى صلة ب«كارتل الغاز» التي بدأ بالتجسّد والبروز بين قبرص واليونان ودويلة الكيان الصهيوني!

إن احتمالات التدخل العسكري التركي الأوسع في ليبيا الذي يلّوح به أردوغان يهيئ الوضع للفرصة الطورانية لتصبح ليبيا فعلاً «وديعة عثمانية»! إلاّ أن ما يجري على صعيد الأزمة الليبية المُتدحرِجة؛ يشي بأن الغطاء العثماني الذي يتدثّر به أردوغان لن يتمكّن من تسويقه في لعبته الجديدة التي تثير المزيد من الشكوك في أهدافه، ليس فقط إقليمياً؛ بل وداخل تركيا التي بدأت قواها السياسية تُحذِّر من تبعات وأكلاف الحروب العبثية التي يخوضها أردوغان، فقط في سبيل مجده الوهمي كسلطان عثماني مسكون بهاجس العظمة التي هيّأ لها «قصره» الأبيض! كذلك أحلامه في السيطرة على «ولايتي» حلب والموصل اللتين اقتطعتا من الإمبراطورية العثمانية؛ وفقاً لهلوسته العلنية.

أردوغان يلعب دوراً قذراً شريراً في دعم التنظيمات الإرهابية، ويساهم في نقل مسلحيها إلى بلده؛ تمهيداً لنقل أفراد تلك التنظيمات إلى ليبيا.

لقد وقع فايز السراج مؤخراً مذكرتي تفاهم مخالفاً بذلك «اتفاق الصخيرات» في ديسمبر/كانون الأول 2015، وبالأخص المادة الثامنة التي لم تخوله صلاحية توقيع الاتفاقات بشكل منفرد، وخولت ذلك للمجلس الرئاسي مجتمعاً، واشترطت مصادقة مجلس النواب على الاتفاقات التي يُبرمها المجلس الرئاسي.

من ناحية ثانية، حذّر الرئيس اليوناني ميتسوتاكيس، تركيا من تجاوز الخطوط الحمر عقب الاتفاق الذي أبرمته مع ليبيا بشأن ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وأكد بأن بلاده «لن تسمح بأية نشاطات تركية يمكن أن تتعدى على الحدود السيادية لليونان».

إن الرئيس التركي مأزوم، فهناك انخفاض متواصل في قيمة الليرة التركية، إلى جانب العقوبات الأمريكية التي تواجهها تركيا، واهتزاز أسهم حزبه «العدالة والتنمية» في أوساط الجماهير التركية، ومشاكله مع الأكراد الذين عزل العديد منهم من مناصب رؤساء البلديات التي فازوا فيها، وازدياد حجم الاعتقالات التي تقوم بها سلطاته وقد بلغت عشرات الآلاف، إضافة إلى ارتفاع أسهم المعارضة التركية بكافة أطيافها في تركيا.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.