العولمة الرأسمالية وكفاح اليسار الديمقراطي

0 58

تشترط سمات الرأسمالية المعلومة الكثير من التبدلات والتغيرات الفكرية في أحزاب اليسار الاشتراكي الهادفة الى بناء دولة العدالة الاجتماعية وبهذا المسار تواجه السياسيين والباحثين كثرة من الأسئلة الفكرية الملحة منها.

هل ما زالت احزاب اليسار الديمقراطي تكافح من اجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية المتمثلة باستلام سلطة الدولة وإقامة نظامها الاشتراكي؟ وهل مهام الأحزاب الاشتراكية لا زالت تتلخص بتحقيق برنامجي الحد الادنى والأعلى في بناء الدولة وتشكيلتها الاجتماعية؟ وإذا كان الجواب سلبا ما هي الأهداف العامة للأحزاب الاشتراكية في ظروف العولمة الرأسمالية؟ هل ما زال الانفراد بالسلطة السياسية هدفا واقعيا ملموساً في ظروف الهيمنة العالمية لأسلوب الإنتاج الرأسمالي؟. الإجابة على الأسئلة المثارة وغيرها من الأسئلة الفكرية الملحة تتطلب سجالا فكريا هادفاً الى صياغة مقاربات نظرية عليه سأتناول الإحاطة بالأسئلة المذكورة مجتهداً عبر العنوانين التالية :

أولا: الرأسمالية المعولمة وكفاح اليسار الديمقراطي.
ثانيا: مكافحة ميول الإلحاق والتهميش للدولة الوطنية.
ثالثاً: الرؤى الفكرية لليسار الوطني الديمقراطي.

أولا– الرأسمالية المعولمة وكفاح اليسار الديمقراطي.

احدثت وحدانية التطور الرأسمالي تغيرات كثيرة في مضامين الأهداف البرنامجية لكفاح قوى الاشتراكية واليسار الديمقراطي عليه لابد لنا من تحديد السمات الناظمة لوحدانية أسلوب الانتاج الرأسمالي والتي اجدها في الموضوعات الفكرية التالية :
أولا – أدى انهيار خيار التطور الاشتراكي الى سيادة وحدانية أسلوب الإنتاج الرأسمالي وعلاقاتها الإنتاجية في العلاقات الدولية.
ثانيا- افضت وحدانية التطور الرأسمالي الى ترابط الاسواق الرأسمالية العالمية المنبثقة من علاقات الإنتاج الرأسمالية الموحدة.
ثالثاً – عززت سيادة السوق الرأسمالي الموحد انقسام دول العالم الى ثلاث مستويات متفاوتة التطور ممثلة بالدول الرأسمالية المعولمة- الدول الرأسمالية القومية المتطورة -الدول الوطنية.
رابعا – سيادة قوانين التطور الرأسمالي المعولم في العلاقات الدولية المتسم بعمليات الالحاق والتهميش والتبعية.
خامسا – تنامي النزعة الكسموبولوتية في العلاقات الدولية ومساعي دول الرأسمالية المعولمة اعتمادها في السياسة الخارجية.
سادسا – بداية نشوء علاقات تحالفية بين الدول الوطنية والرأسمالية القومية المتطورة تستند على صيانة السيادة الوطنية ومكافحة التهميش والتبعية.

ان السمات التي افرزتها وحدانية التطور الرأسمالي تشترط على أحزاب اليسار الديمقراطي تبني صيغ فكرية–سياسية جديدة تتماشى والطور الرأسمال المعولم تتلخص كما أراها بالموضوعات الفكرية – السياسية التالية :

أولاً– مكافحة الهيمنة الرأسمالية وميول الهيمنة والإلحاق في العلاقات الدولية.
ثانياً- بناء علاقات دولية تعتمد المساواة بين سيادة الدول الوطنية والاعتماد على الشرعية الدولية.
ثالثاً – تحريم التدخلات العسكرية في النزاعات الداخلية في الدول الوطنية.

وان المهام العالمية العامة لكفاح اليسار الديمقراطي على الصعيد الدولي تتلازم ومهام وطنية كثيرة منها :

1- بناء دولة وطنية مستقلة تعتمد نظمها السياسية على الشرعية الديمقراطية للحكم.
2- اعتماد برامج – اقتصادية وطنيةً – مستقلة قادرة على مناهضة سمات التبعية والتهميش المتحكمة في الطور المعاصر من العولمة الرأسمالية.
3– بناء برامج وطنية ديمقراطية واعتمادها كأداة لصياغة تحالفات وطنية قادرة على صيانة الدولة الوطنية ونظامها الديمقراطي.
4- بناء اقتصادات وطنية ترتكز على التوازنات الطبقية المعتمدة على الضمانات الاجتماعية للطبقات المنتجة.

ثانيا- مكافحة ميول الإلحاق والتهميش للدولة الوطنية.

تعزيز السيادة الوطنية في الدول الوطنية وتنمية اقتصادها الوطني يتطلب إعادة البناء السياسي للدولة الوطنية على أساس المحددات الفكرية – السياسية التالية :

أ – اعتماد الشرعية الانتخابية للحكم المنبثقة من الشرعية الديمقراطية للحكم الضامنة لتنفيذ البرامج الوطنية لأحزاب التشكيلة الاجتماعية – الوطنية.
ب- تحجيم فعالية الطبقات الفرعية المناهضة للروح الوطنية ومنعها من التحالف مع المراكز الرأسمالية المعولمة.
ج- اعتماد الملكية العامة أساسا لتطور الاقتصاد الوطني ودافعا للتحولات الاجتماعية –الاقتصادية.
د– إقامة علاقات دولية على اسا س التعاون الدولي واحترام السيادة الوطنية للبلدان المناهضة للهيمنة والتبعية الأجنبية.

ثالثاً- الرؤى الفكرية لليسار-الوطني الديمقراطي.

تعتمد برامج القوى اليسارية – الديمقراطية وشعاراتها الكفاحية على رؤية فكرية واقعية تشترطها وجدانية التطور الرأسمالية والتخلي عن البرامج المثالية العابرة لوقائع الحيا ة الدولية الفعلية, بكلام آخر عدم انتظار ثورة اجتماعية اشتراكية في الدول الوطنية في ظروف العولمة الرأسمالية، وتأسيساً على وحدانية التطور الرأسمالي في العلاقات الدولية أرى ان يتضمن البرنامج السياسي المرحلي للأحزاب اليسار الديمقراطي المفاصل السياسية – الاجتماعية العامة التالية :

أولا ً : تعزيز التضامن الاممي وتطوير العلاقات الكفاحية مع الأحزاب الاشتراكية واليسارية الديمقراطية ومساندة برامجها الاقتصادية – السياسية وتعزيز التضامن الاممي المناهض للميول التخريبية للرأسمالية المعولمة.
وتطوير العلاقات الدولية مع البلدان العربية المكافحة ضد التدخلات الدولية والعمل على تنسيق الفعاليات المشتركة بين قوى اليسار الديمقراطي .

ثانيا : تطوير الدولة الوطنية ونظامها الديمقراطي استناداً الى :

أ – التركيز على الشرعية الديمقراطية للسلطة السياسية وبناء أجهزتها السيادية انطلاقاً من تقاسم السلطات مع التأكيد على الصيغة البرلمانية للحكم.
ب– تطوير العلاقات الكفاحية بين أحزاب الشرعية الديمقراطية والتركيز على المساومات الطبقية, وعدم الانفراد بالسلطة السياسية, والتأكيد على تحريم الانقلابات العسكرية.
ج– إقامة التحالفات الوطنية الهادفة الى صيانة الدولة الوطنية ونظامها السياسي من التهميش والتبعية والالحاق.
د- بناء اقتصادات وطنية تعتمد التعاون بين القطاعين العام والخاص بهدف صيانة وتطوير قدرة الطبقات الاجتماعية على التطور الهادف الى صيانة الاقتصاد الوطني والتصدي لنهوج الرأسمالية المعولمة المتسمة بالتبعية والتدخل في الشؤون الوطنية.

وان الموضوعات المثارة هي دالات فكرية – سياسية قابلة للحوار والاغناء الفكري بين القوى السياسية الوطنية الهادفة الى صيانة وتطوير الدولة الوطنية ونقل طبقاتها الاجتماعية وقواها السياسية من النزاعات الداخلية الى التعاون المشترك الساعي الى بناء دولة ديمقراطية وطنية تحتضن جميع مكوناتها الاجتماعية – السياسية.

 

المصدر: الحوار المتمدن – بقلم : لطفي حاتم

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.