الكل ينهبون والكل يكذبون

0 51

منذ السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019، لفَّ الأوساط السياسية والدينية في لبنان ذهول مما يحصل في الشارع، وظهر لأصحاب السلطة كأنه حدث مفاجئ لهم في الوقت الذي لم يحسبوا أي حساب للاعتراض الشعبي على كل ما يمارسونه من موبقات ونهب وسرقات.


راحت تلك الأوساط تفرك عيونها وهي لا تصدِّق أن شرائح واسعة تمثِّل كل الطيف اللبناني تنزل إلى الشارع هاتفة بإسقاط كامل الطبقة السياسية الحاكمة. حاولوا قمعها وتحجيمها باتهامها بشتى صنوف العمالة والالتحاق بالخارج. لقد كانت ولادة تُنبئ بفجر جديد لم تعتد عيونهم على رؤيته. لذلك تراوحت ردود أفعالها، بين مُكذِّب لها ومشكك بمقاصدها. وكانت ردود أفعالها على أساس أنها سحابة فجر، أو سراب كاذب، ستبددها خيوط شمس يرونها من زاوية واحدة، وهي زاوية الرؤية عندهم. فهزأوا بها، وكأنها شلَّة من شباب لبنان وشاباته سيتخبطون في ردود أفعالهم، ولن يطول الأمر بهم لينكفئوا على أعقابهم، فيعودوا القهقرى تحت ضغط أو تهويل يقوم بها بعض من أزلامهم، من خدم وحشم ومضلَّلين ولاعقين لبعض ما تركوه لهم من بقايا القدور الدسمة.


لم يكن فجراً من سراب، بل استمرَّت خيوطه الذهبية بالإشعاع والانتشار، وراح يوجِّه أنواره كاشفاً عما أخفته تلك المؤسسات في الظلام الذي افتعلته وغطَّت به على ما ارتكبته من فضائح وجرائم، ذبحت لبنان من الوريد إلى الوريد.


وكان المضحك المبكي، الذي فجَّر خصورنا من الضحك، تلك الاتهامات التي أخذ بعض من وظَّفوا ذكاءهم في خدمة أحزاب السلطة، وكلها متهمة، أنهم نسبوا أسباب بزوغ الفجر الجديد إلى فعل من أفعال سفارات الخارج، متناسين أن أولياء أمورهم يفتخرون بوقوفهم أمام تلك السفارات. لا بل يتبارون من هو الأكثر ذكاء من الآخر في ابتكار فنون الحصول على دعم خارجي يُتخم جيوبه، ويُشبع بها بطون أنصاره.


وأما لماذا تتهم الانتفاضة كل من شارك في السلطة بالنهب والفساد؟ فهل في الاتهام شيء من المبالغة والتجني؟


تعريفاً، وحيث يرد مصطلح (المؤسسات الطائفية)، نقصد به ما يلي: (المؤسسة الطائفية هي نتيجة تحالف بين طرفين: الأول مجموعة من النخب السياسية والاجتماعية التي استطاعت بوسيلة أو أخرى أن تصل إلى كراسي السلطة باسم الطائفة، والثاني المؤسسة الطائفية الرسمية التي تدعمها وتستفيد من عائدات الدولة بعشرات المليارات).


علماً أنه لا حزب سلطوي في لبنان من دون مؤسسة طائفية تحميه، صمد فجر 17 تشرين الأول، في مواجهة شدِّ وقمع أحزاب السلطة، ومن يدين لها بالولاء من مؤسسات دينية، فانتصر لقوة تأثيره وصموده واستمراره، بانتزاع الاعتراف من المؤسسات الطائفية جميعاً بأحقية المطالب ومشروعيتها. وراحت من بعدها تلك الأحزاب تتبارى في كسب ودِّ الذين ملأوا الشوارع والساحات. ولم يبق منهم أحد لم يعترف بمشروعية المطالب، ويُغدق الوعود بالعمل لأجلها. وبلغ سقف تأييد أحزاب السلطة حداً جعل التمييز صعباً بين من هم أصحاب السلطة ومن هم أبناء الانتفاضة ضد السلطة.


كان الانتصار الأول لانتفاضة 17 تشرين، في أنهم انتزعوا اعترافاً صريحاً وواضحاً بمشروعية حراكهم من أحزاب السلطة. ولعلَّ أكثرها وضوحاً هي أنهم راحوا يتبرؤون مما ارتكبوه من نهب وفساد، بحيث راح البعض منهم يتنصَّل من المسؤولية ويلقي التهمة على الآخر، ووصل الأمر إلى حدود أنهم جميعهم بدوا أبرياء منها. وإذا كان الأمر هكذا، وإذا كانوا أبرياء جميعاً، فهل يمكنهم أن يوضحوا عمن يقف وراء الكارثة الاقتصادية التي ألمَّت بلبنان. الكارثة التي أعلن الجميع أنها وصلت إلى حد الإفلاس؟


من ينتظر أن تعترف أحزاب السلطة بالمسؤولية فهو واهم. ولذلك كان شعار الحراك، منذ ما قبل 17 تشرين، (كلن يعني كلن)، هو الشعار الحقيقي الذي أوصل لبنان إلى الكارثة. بحيث تؤكد كل الوقائع مبدأ شمول الجميع بتحمل المسؤولية، إما بالمشاركة وإما بالتواطؤ. فكيف حصل ذلك؟


لأن نظام الطائفية السياسية، وهو نظام المحاصصة، يعني أنه لا تحتكر طائفة واحدة أية مؤسسة رسمية، من أصغرها وصولاً إلى أكبرها شأناً. فكل مؤسسات الدولة تتمثَّل فيها جميع الطوائف بشكل عادل ودقيق. ولأن العدالة في هذا النظام غير موجودة سوى في توزيع الحصص بين أمرائه، فإن أية وظيفة جديدة عليها أن تخضع للتدقيق من قبل المؤسسات الطائفية لتحسب كم تبلغ حصتها فيها.


ولأن كل مؤسسة طائفية لها حصتها في كل مؤسسات الدولة، ولأنها هي التي تختار موظفيها من أبناء طائفتها، يعني ذلك تحميلها مسؤولية تقصيرهم، ومحاسبة هؤلاء على أي تقصير.


ولأن كل دائرة رسمية تضم خليطاً من ممثلي الطوائف، فهذا يعني أن كل الطوائف تتحمل مسؤولية أي تقصير. المسؤولية التي يتحملها الموظف والمؤسسة الطائفية التي اختارته. فمعيار المسؤولية الموحَّد: (حراس الطائفة يختارون ممثليهم في الوظائف، إذن هم مسؤولون عن إخفاقهم بعملهم).


ولما كانت أحزاب السلطة، كأحزاب طائفية، مدعومة من مؤسساتها الدينية، ولأنه أصبح من الثابت أن النهب والفساد يعمُّ كل مؤسسات الدولة، فإن تلك المؤسسات الطائفية السياسية تتحمل المسؤولية بالتكافل والتضامن.


ولأن الجميع ينأون بأنفسهم عن المسؤولية، وكي نحمي المسكين، (الفاعل المجهول)، من تهمة النهب والفساد، نعلن الحقيقة الكاملة، قائلين: (الجميع ينهبون، والجميع يكذبون).

 

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : حسن خليل غريب

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.