اليسار التونسي والشعبوية أو فسخ الهوية الماركسية اللينينية

0 265

أن نتائج الانتخابات الأخيرة الرئاسية منها والتشريعية تفرض على جميع القوى مواجهة هذا الوضع الذي ادى إلى صعود مرشح للرئاسة دون برنامج ،دون حملة انتخابية ودون تاريخ … وصعود مرشحي قوى يمينية متطرفة إلى البرلمان،وادى من ناحية أخرى الى هزيمة نكراء القوى التقدمية وقوى ” اليسار” ، جاءت في اطار حالة عامة من الرفض الشعبي سيطرت على كامل المجتمع،وانعدام كامل للثقة في كل شئ و في كل قديم في المؤسسات و الاحزاب والتيارات في طريقة الخطاب وأشكال وأساليب الدعاية .

ضد المنظومة ” السيستام” ،السيادة الوطنية ،تأميم الثروات ،اعادة توزيع الثروة ،الشعب يريد ،الكرامة ،الجماعة المتضامنة ، لا قيادة ولا رتب ،لا يمين ولا يسار ،لا للاحزاب ، لا للانتخابات ،لا للنخب ، ديموقراطية مباشرة تكرسها المجالس المنتخبة من تحت ، السلطة الشعب… شعارات كلها ، مزيج من ” الشكاوي والاهاجي ،من ذكريات الماضي ” برامج كاذبة وفارغة متشابهة عند الجميع ،عامة وفضفاضة ، منسوخة عن بعضها ومسروقة لا ترتقي الى مستوى برنامج سياسي أو انتخابي .فكل شئ يجري داخل الخطاب ،والمجاز والاستعارة ،هؤولا ء ايضا يصح عليهم وصف ماركس وانجلز لارستقراطيي القرن الثامن عشر في ” البيان الشيوعي ” وقد لوحوا ” بجراب البروليتاريا الشحاذي واتخذوه علم لهم لكي يقودوا الشعب وراءهم .ولكن ما ان تراكض الشعب نحوهم حتى رأى الشعارات الاقطاعية القديمة تزين مؤخرتهم ” .وهذا ما سنراه .وقد بدانا بعد نراه ،عند أول احتكاك لهم بالواقع .
هذه مجموعة الشعارات والأهداف التي ميزت الحملة الانتخابية الرئاسية والبرلمانية في تونس،وأدت إلى صعود قوى يمينية او ما يسمى ” الشعبوية ” ،وهي ظاهرة قديمة ومتجددة ،تاريخيا ،خاصة وأساسا خلال مراحل الازمات الاقتصادية والاجتماعية الملازمة للنظام الرأسمالي،وهي تظهر عادة في اطار بحث هذا الاخير عن سبل تجاوز ازمته،وتجديد نفسه.

في الوقت الذي كانت فيه الجماهير الشعبية تبحث فيه عن بديل حقيقي وجذري مخالفا عن الماضي الذي خبرته وعن السائد الذي فقدت ثقتها فيه نهائيا ،بكل رموزه ومؤسساته ،وكان فاتحة تحول في الوعي الشعبي وقد عبر عنها من خلال شعاراته الراديكالية والتي تمحورت حول اعادة توزيع الثورة والسيادة الوطنية ،ومجتمع اخر جديد ،وهو ما بشكل في الحقيقة العمود الفقري لليسار الماركسي اللينيني وعنصر تماسكه السياسي ووضوح رؤيته الثورية ،كان “اليسار” قد تخلى نهائيا عن هويته هذه واختزلها في العدالة والمساواة في الحقوق العمودان الاساسيان الذان يقوم عليهما البناء الاجتماعي البرجوازي كما يقول انجلز .

وهو ما استغلته القوى الدينية والشعبوية ووضعت معه وعيها الديني خدمة لمصالحها ومشاريعها الخيالية من أي محتوى ،وبرزت امام الشعب كبديل يحمل راية النضال الثوي ،وهو ما كانت تبحث عنه الجماهير مهما كان حامله ومأتاه ومهما كان محتواه اكان حقيقة أم مجرد وهم ،ف” اليسار ” بتخليه عن هويته التي لم يبقى منها سوى الاسم ،وتخليه عن بعده التغييري و شعاراته الثورية تحول الى مجرد جزء من المشهد القديم وجزء من ” السيستام ” و مجرد صوت انتقادي مدمج داخل النظام بتكتيكاته وتحالفاته المتقلبة ،وبحثه عن اصلاحات جزئية وبسيطة لا يتحقق منها شئ ،وتقسيم الطبقة العاملة والبروليتاريا الى مجموعة ارخبيلات،منقسمة ومشتتة ( البيئة ،المرأة ،ذوي الاحتياجات الخصوصية ،المثلية،،،) وتحول تعامل ” اليسار ” نهائيا مع قضايا الشعب تعاملا شكليا يميل غالبا إلى المهادنة والمصالحة والتوافق والتمييع اقتصاديا واجتماعيا ( الكامور +جمنة ) ونفس الشي في علاقة بالسلط المتعاقبة ولصالح تحالفات شكلية بدعوى العلمانية والتقدمية ونمط الحياة وحقوق الاقليات وغيرها وهي على اهميتها تقدم من منطلق ليبيرالي يحتفي بالتعدد الثقافي وبالخصوصيات الاجتماعية والجنسية والثقافية كقيم مجردة و معزولة مرتكزة على علاقات الانتاج الرأسمالية دون أرضية فكرية ولا استراتيحية للتغيير والفعل الثوري ،بقدر ما كانت مرتهنة الفكر لليبيرالية والديموقراطية التمثيلية ،واصبح كل نشاطه وعمله خاضعا للدورات الانتخابية البرجوازية سياسيا وتنظيميا وعمليا والدوائر الانتخابية بدل خلايا المصانع ،وتحول الانتخابات كإحدى تجليات الصراع الطبقي ، وأحد وسائل نضال البروليتاريا ،الى قناع للديكتاتورية الطبقية . وأصبحت كما يقول لينين هذه ” الديموقراطية المبتذلة التي ترى فردوسها الأرضي في الجمهورية الديموقراطية والتي لا أظن ان النضال الطبقي يجب ان يجده له حلا بقوة السلاح ” .

لقد انتجت كلمة ” اليسار ” التباسات وغموض وتشوه كبير في الاذهان وفي صفوف الشعب ،حيث اصبحت هذه الكلمة تجمع تحت رأيتها جميع التناقضات وأصبحت تشمل الجميع الشيوعي والليبرالي والمحافظين والديمقراطيين والليبراليين الاجتماعيين وذوي الهويات الماركسية والاشتراكية والعروبية والإسلامية ،فلم يعد هناك يسار واحد،بل أصبح هناك يسار تقدمي ويسار ثوري ويسار تحرري ويسار راديكالي ويسار اشتراكي ويسار اسلامي ويسار تغييري …يسار متعدد المنابع والمرجعيات ،ولم يعد هناك أي معيار يمكن من خلالها ان نقيس به هذا اليسار والذي على اساسه يمكن معه تصنيف قوى الثورة والثورة المضادة وفرزها ( يمين – يسار ) لا معيار اقتصادي ولا معيار سياسي ،حيث لا يمكن للمرء ان يفرق بين اليساري واليمني .. نعم الازمة عامة وشاملة وعلى جميع الاصعدة كواقع ملموس وجب التفكير فيه بكل اسبابه ومسبباته الموضوعية والذاتية ،الداخلية والخارجية ،الخاصة منها والعامة .

إلا ان هذه الحالة التي تعيشها تونس لم تكن حالة فريدة ووحيدة فهي حالة من الحالات التي يعيشها العالم اليوم في العديد من البلدان شرقا وغربا جنوبا وشمالا خلال كامل السنوات الأخيرة والتي ادت في اغلبها الى صعود وجوه وقوى يمينية كما اوصلت أيضا قوى ووجوه يسارية .ان تكرار هذه الحالة في المكان والزمان يجعل منها ظاهرة يقودها بالضرورة قانون معين فهي ليست حالة خاصة شاذة ونادرة كالحالات الشاذة والنادرة التي قد تبرز هنا أو هناك في الطبيعة والمجتمع ، وتتراوح بين اليمين واليسار . حيث ظهرت في روسيا منذ سنة 1870 مع النارودينيين ،وجماعة ” الأرض والحرية ” وقد قاومهما كل من جورجي بليخانوف وخاصة في مؤلفه ” الاشتراكية والنضال السياسي ” و ” خلافاتنا ” والذان اعتبرهما لينين دستور الأيمان الأول للاشتراكية الروسية.ولينين وخاصة في مؤلفه الذي ابرز الطابع الرجعي للشعبويين الروس سنة 1894 ” من هم اصدقاء الشعب وكيف يحاربون الديمقراطيين الاشتراكيين ” وقد كان هذا الصراع على أرضية تأسيس حزب الطبقة العاملة ،كما ظهرت في كل من ايطاليا والمانيا في الحركة الفاشية والنازية , وهي اليوم مع ترومب في الولايات المتحدة الامريكية ، وحركة فرنسا الابية ،وبوديموس … .وقد عرفت الطبقة العاملة التونسية هذه الظاهرة منذ ستينات القرن مع ما يسمى ب” اليسار الجديد” وظهور حركة افاق-العامل التونسي كامتداد الاحزاب والحركات الشعبوية في الغرب التى تبلورت عمليا وسياسيا مع الحركة الطلابية الفرنسية سنة 1968 .

لقد عاد ” اليسار” عموما و” اليسار” التونسي اليوم ،عبر سياسته ” الدخولية” والتوفيقية ،ومرجعيته أو بالأحرى خليط مرجعياته الفكرية والمدرسة ،وأشكال تنظمه وتحالفاته ،وطرق ووسائل نضاله الانتخابية والبرلمانية ،مع محافظته الشكلية على جملة من الأهداف والشعارات لا تختلف في شي في جوهرها عن الشعبوية التي ارتدت في بلادنا ثوبا دينيا بحكم الظروف القومية والتاريخية ،وكما قلنا سابقا فهذه الظاهرة ممتدة تاريخيا وهي تبرز في كل مرحلة في شكل جديد في هذا المجتمع أو ذلك حسب الظروف والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتاريخية التي يمر بها ،وحالة وأوضاع الطبقة العاملة وتجربتها التاريخية الخاصة ،ومدى اهليتها وجاهزيتها ،ومدي تطور وعيها وتشكلها في حزبها المستقل .

لذا تقتضي الضرورة اليوم وضع تعريف محدد لهذا اليسار الذي ارتبط تاريخيا بالتغيير الجذري والتحول نحو الاشتراكية والشيوعية كنتيجة حتمية لصراع المتناقضات. اذ ان وجوده أمر حتمي وليس رغبة ذاتية ،وذلك ايضا للتمكن من اعادة تصنيف القوى السياسية وقوى الثورة والتغيير وقوى الثورة المضادة. وهذا ما يعني اليوم أننا امام مرحلة تاريخية ،والتي تعني في اخر التحليل أما اشتراكية أو بربرية كخط تاريخي عام وحتمي من ناحية وكقراءة كان قد اصدرها للرفيق حمة الهمامي سنة 1991 تحت نفس الاسم ، وهو ايضا ما يعني ضرورة الإنطاق من العمق الطبقي والاجتماعي الاشتراكية العلمية والشيوعية والتمسك بالنظرية الاشتراكية العلمية لماركس وانجلز ولينين وستالين وتراثهم النظري والعملي ،واستخدامها بشكل حي وخلاق على جميع الاصعدة ،وتوحيد مختلف لوجه نضال الطبقة العاملة وحزبها الماركسي اللينيني ،الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري والثقافي والعلمي ، وخلق وتربية كوادرها وتسليح عناصرها الطلائعية والناشطة بالنظرية الماركسية ، والارتفاع بمستوى العمال العاديين إلى مستوى منظمة الثوريين والدفع اكثر فاكثر من اجل استقلاليتها الفكرية والسياسية عن بقية الطبقات الاجتماعية ، وجعل كامل نشاطها الديموقراطي العام ينطلق من موقها الطبقي الاشتراكي ،وتسيع نطاق تحريضها السياسي وإبراز مضمونه الطبقي ببرناح محدد ومدقق ومبادئ واضحة ، فمن اجل الوحدة كما يقول لينين فأن التباين يكون اولا ،فالوعي الطبقي لا يفسده القمع بقدر ما يفسده الأصدقاء المزيفون ،والاتفاقات والتحالفات والجبهات التي قد تبدو مفيدة وضرورية من اجل الحصول على مكاسب أنية و انتخابية ولكنها ستكون ضارة بالأهداف الدائمة الطبقة والشعب الكادح والثورة فعلى الطبقة العاملة وفي كل خطوة تخطوها في نظالها السياسي الديموقراطي العام الربط بين تكتيكاتها السياسية وبين استراتيجيتها للتغيير ، وإعدادها للاستيلاء على السلطة السياسية وإرساء نظامها الاشتراكي ومجتمع جديد دون طبقات .

ولا يفوتنا هنا التذكير بموقف حزب العمال وهو الحزب الماركسي اللينيني الوحيد في هذه المسالة والتي جاءت في وثائقه ” المؤتمر الوطني الخامس : الوثائق والمقررات ( 19 / 23 ديسمبر 2018 ) الصادرة عن مؤتمره الخامس والذي انجز تحت شعار الى الثورة .وهو المؤتمر الذي انعقد في ظروف الصراع داخل الحزب وداخل الجبهة الشعبية وكانت هذه الصراعات ضد الانتهازية والإصلاحية والشعبوية ، التى سادت خلال كامل مرحلة ما بعد الثورة ،رغم محاولات ابراز هذه الصراعات كصراع حول البيروقراطية وبين الزعامات والقيادات ، وحول المواقع …وهي الاساليب المعتادة للانتهازية لتبرير سلوكم المعادي للحزب والثورة .() وقد جاء في هذه الوثيقة ،وفي علاقة بالعمل الجبهوي والجبهة الشعبية ومشيرا الى الرسالة الى وجهها المجلس المركزي الحزب في شهر سبتمبر 2017 بعنوان : ” كيف نتقدم بالجبهة الشعبية ؟” ان الجبهة الشعبية مطالبة اليوم بتوضيح امرها أو بالأحرى هويتها : هل هي جبهة سياسية لتحقيق أهداف مرحلة كاملة أم هي جبهة انتخابية كما يوحي بذلك واقعها الملموس ؟ هل الجبهة الشعبية اطار للتغيير الثوري ،الجذري أم اطار لإصلاح النظام القائم ؟…” إلا انه في الحقيقة ورغم هذه الاستفاقة والتي تبرز من خلال وثائق ومقررات المؤتمر سياسيا وتنظيميا ،إلا ان الحزب ظل يراوح مكانه ،وبقيت ممارسته بعيدة كل البعد عن مقرراته ،منقادة بالعفوية وبقي في اطار ” إدارة الازمة ” والمطلوب هو حلها.

ان الذي انهار واثبت افلاسه ليس بأي حال من الأحوال الفكر الماركسي اللينيني بل منظومة الافكار التي اشتقت منه وتأسست عليه الاحزاب السياسية والتيارات الفكرية التي تنسب نفسها إلى الاشتراكية والشيوعية واليسارية …وذلك ظروفها المولدة وبلوغها حدودها التاريخية ،ولم تستطع ولن تستطيع تجديد نفسها .ذلك إن هذه الاحزاب والتيارات وما يسمى باليسار بجميع تصنيفاته وتوجهاته ،ومنذ ستينات القرن الماضي ،تحول نهائيا إلى الية من الاليات التي تستعملها البرجوازية في حل ازمتها البنيوية الرأسمالية و لتجديد نفسها ،فقد كان ” اليسار” في عملية التجديد هذه في بحث مستمر لخلق بديل وهمي عن الفاعل التاريخي الحقيقي وحرف النظر عن المال التاريخي والحتمي للصراع الطبقي والذي لن يؤدي إلا إلى ديكتاتورية البروليتاريا ،فهذا الصراع بين الطبقتين الاجتماعيين اللتين يتشكل منهما المجتمع هو صراع من اجل الابقاء على النظام البرجواري أو القضاء عليه كصراع تناحري ، في اطار الازمة العامة والشاملة التي ولدتها وتحديدا اليوم النيوليبيرالية ،وضمن اطار صراعها وتناقضاتها الذاتية الخاصة ( كينيزية – فوردية ) والتي تتمركز سياسيا اليوم حول المؤسسات التمثيلية من ناحية وفي اطار صراعها وتناقضاتها العامة مع الطبقة العاملة ومطالبها الخاصة وهو القضاء على الملكية الخاصة وهي كما يقول ماركس وانجلز في البيان الشيوعي الصيغة النظرية الوحيدة ،وهو ما يميز الشيوعيين عن البقية فهم يبرزون “المصالح المستقلة عن الجنسية والعامة الشاملة لمجموع البروليتاريا ” فهم يمثلون ” دائما ،المصالح العامة بكاملها ” وفكرها الاشتراكي العلمي.

أن الوضع الذي تمر به الرأسمالية الاحتكارية اليوم والذي تواصل بأشكال مختلفة خاصة منذ سنة 2008 إلى اليوم ،والنتائج المدمرة التي وصلت إليها المجتمعات وما انتجه من ركود وبطالة وفقر مدقع وأزمة عامة متمركزة اساسا في مؤسساتها الديموقراطية التمثيلية حيث لم تعد قادرة على الاقناع …ومن ناحية ثانية تنامي وتصاعد الحركات الجماهيرية والثورات الشعبية في جميع انحاء العالم شمالا وجنوبا والتي لم تعد تقتنع بهذه الاشكال والمؤسسات ولا بمحتوياتها الاقتصادية والاجتماعية ولا بممثليها السياسيين ولا بنخبها الفكرية والعلمية ، بشعارات راديكالية في اغلبها تهدد باقتلاع كامل البناء الرأسمالي ،وان كانت كلها اليوم ( الحركات ) مرتهنة من ناحية محتوياتها وتوجهاتها وأساليب فعلها للنظام الرأسمالي ومؤسساته وغير اشكال وأساليب النشاط وداخل وفي اطار تناقضاته الذاتية الخاصة .

وذلك لأنه كما يقول كارل ماركس:” اذا كان لكل أفراد البرجوازية الحديثة المصالح عينها بقدر ما يشكلون طبقة في مواجهة طبقة اخرى ،فان لهم مصالح متضادة متناحرة بقدر ما يواجهون بعضهم البعض .وينشا هذا التعارض في المصالح من الظروف الاقتصادية لحياتهم البرجوازية ،ويوم بعد يوم يزداد وضوحا ان علاقات الانتاج التي تتحرك فيها ألبرجوازية ليس لها طابع واحد ،بسيط ،بل طابع مزدوج ( ويضيف ) ان هذه العلاقات لا تنتج الثروة البرجوازية …إلا بالإلغاء المستمر لثروة الاعضاء الافراد لهذه الطبقة.وبإنتاج بروليتاريا تتزايد على الدوام…”.

فالتغيرات التي عرفتها بنية الطبقة العاملة واتساع حدودها لتشمل فئات اجتماعية جديدة من العمال اليدويين وعمال الخدمات و ” ذوي الياقات البيضاء “من المهندسين والتقنيين والمثقفين بأعداد متزايدة نتيجة للتطورات الحاصلة في النظام الاقتصادي الرأسمالي منذ نشأته من الثورة الصناعية الاولى الى ثورة الاتصالات والمعلومات وعولمة رأس المال . فأنا تغير وضعها لايجعل منها قوى ثورية ،ولا يدعو الطبقة العاملة وحزبها باي حال ان تغير،او تتخلى عن مطالبها او اهدافها أو ان تخفيها.فهذه المطالب ” لا ترتكز على افكار و مبادئ اخترعها مصلح من مصلحي العالم ” .

فهذه الفئات المتضررة من النظام الراسمالي وكل ” الفئات المتوسطة من صغار الصناعيين ..تحارب من اجل وجودها كفئات متوسطة ..فهي ليست ثورية…انها رجعية ..واذا كما نراها تقوم بأعمال ثورية ،فما ذلك إلا لخوفها من ان تتدهور الى صفوف البروليتاريا.” (ماركس انجلز : البيان الشيوعي ) فالتناقض الرئيسي هو بين طابع الانتاج الاجتماعي وبشكل التكلم الخاص،والذي ترتبط به بقية التناقضات الثانوية ( الانتاج والاستهلاك ). باسم المصلحة العامة والشاملة العام و والإدارة الاجتماعية التي تخفي سلطة راس المال ومصلحته الطبقية الخاصة ، وفي هذا الجانب الثانوي من التناقضات ، تحاول كل القوى المعادية الثورة حصر الطبقة العاملة داخله .وضرب مطالبها الخاصة ،وتشتيت نضالا تها وتقسيمها تحت عناوين وأسماء ويافطات مختلفة .

وتركها رهينة الانتخابات التي لا تقدم شيئا ،والمنظمات الغير حكومية ،المشبوهة والتي تسير طبقا للخطوط التي رسمتها سلفا الدوائر الإمبريالية ،والمراكز الاستخبراتية ،وغارقة في مستنقع النظام الرأسمالي وصراع اللوبيات داخله .

في ظل هذا الطابع المزدوج لتناقضات البرجوازية تتحرك كما قلنا كل الحركات الجماهيرية والثورات الشعبية،وانتفاضات الجماهير ،خاصة وان حركة الطبقة العاملة وقع تدجينها وعادت تقريبا الى الدرجة الصفر لمرحلة نشوءها وولادتها ، ما دامت لم تتحول من طبقة بذاتها إلى طبقة لذاتها ،فالحركات والثورات والانتفاضات الجماهيرية في افريقيا وامريكا الجنوبية والشمالية واسيا واروبا ،وان كانت كما قلنا مرتهنة من حيث اهدافها وأساليبها للطابع المزدوج لتناقضات البرجوازية،وهي ضمن ثنائية التناقض وصراع الفوردية والكينيزية واساسا الفشل الذريع لليبيرالية الجديدة ودرجة التعفن والتفكك التي وصلت إليها منظومتها السياسية الديموقراطية التمثيلية،وتفسخ المشهد الحزبي وعجزه على التحشيد والاستقطاب .

واقتراح برامج قادرة على الاستجابة على هزات الازمة ،بالاضافة إلى ما خلقته من حالة رفض عام وانعدام كامل للثقة في كل ما موجود ، يؤشر على دخول العالم مرحلة جديدة مفتوحة الافاق وعلى حد تعبير ستيغليتز ” ولادة التاريخ من جديد ” أو بالأحرى العودة الى القديم ” بإحياء التنوير واحترامهم قيم الحرية وقلب والمعرفة والديموقراطية ” وغير ذلك هو القضاء على الحضارة ،فهو يدرك ان غير ذلك ( أي غير الديموقراطية للليبيرالية ) لن يكون إلا النظام الاشتراكي ،خارج الطابع المزدوج العلاقات الانتاج الراسمالية ،فالجماهير الشعبية كمبدع فعلي للتاريخ لا تطرح على نفسها أهداف غير قادرة على حلها كما يقول ماركس،وان كانت محكومة بالظروف الموضوعية ،فالنتائج السلبية للثورة والخط التنازلي الذي يشهده المسار الثوري في تونس والنتائج الكارثية ” لليسار ” في الانتخابات الأخيرة،وبروز الشعبوية ،والقوى اليمينية ،وهو ما يظهر جليا ايضا من خلال العمليات السياسية الجارية خلال كامل المراحل التي مرت بها الثورة ( مجلس تأسيسي،برلمان ،دستور ،هيئات دستورية ورقابية ،الحوار الوطني ووثيقة قرطاج .. …..) وخاصة واساسا الروح التوفيقية و الواقعية والمسؤولية التي طبعت كامل المرحلة .

ذلك ان العملية التاريخية من حيث ملموسيتها (الأعمال الملموسة ) تحتوي داخلها على عدة احتمالات مختلفة من زاوية وحسب اهمية الخيارات والقرارات التي تتخذها القوى الاجتماعية بالنسبة إلى مألات تطور الثورة في هذا الاتجاه أو ذلك ،وهو يعتمد على درجة المبادرة والنشاط الثوري للجماهير والطبقات ،والأحزاب التي تمثل مصالحها .

ان الصراع الطبقي يكون متفاوتا في كل مرحلة من المراحل التي تمر بها الثورة الى هذه الدرجة أو تلك في استقطاب القوى السياسية ،وهو ما يحدد طابع التحولات واتجاهها ،ومدى عمقها ،وهو ما ينعكس كما قلنا في عملية ظهور المؤسسات السياسية ومحتواياتها.

بهذا يكون ” اليسار” التونسي و اليسار العالمي عموما قد عاد الى مرحلة الاشتراكية الطوباوية برودون ، باكونين … الماقبل ماركسية المتأثرة والنابعة عن الاقتصاد السياسي البرجوازي ، وفيتيشية ( صنمية ) السلعة ،وأساسا نظرية القيمة لريكاردو سنة 1817 والتي تقول : 

1- ان قيمة أي سلعة تتوقف principal rent على كمية العمل المطلوب لإنتاجها.

2- ان أنتاج مجموعة العمل الجماعي يقسم بين الطبقات الثلاثة : الذين يمثلو الريع وطبقة العمال الذين يمثلون الاجور وطبقة الرأسماليين الذين يمثلون الربح .” أن هذا التحديد لمفهوم القيمة يحمل ميزة تجعلها عزيزة على قلوب البرجوازيين – كما يقول انجلز في مقدمته لكتاب كارل ماركس ” بؤس الفلسفة ” ،فهي تدعو إلى العدالة والمساواة وهما العمودان الاساسيات الذان اقاموا عليها كامل البناء الاجتماعي البرجوازي على انقاض المظالم واللامساواة والامتيازات الاقطاعية ” وبناء على هذا التحديد لمفهوم القيمة ( تحديد قيمة السلعة بالعمل ،والتبادل الحر ) بين المالكين المتساوين في الحقوق ،شكل كما أوضح ماركس الاسس الواقعية التي بنيت فوقها كل الايديولوجيا السياسية والقانونية والفلسفية البرجوازية الحديثة ,” وقد اعتمد الانكليز هذه الفرضية منذ سنة 1821 واستعملوها لتحقيق اهدافهم الاشتراكية ” من امثال يهود جسكين ( الاقتصاد السياسي ) 1827 وويليام صومبسون ( بحث في مبادئ توزيع الثروة المفضلة الى السعادة البشرية ) 1824 و ت.ر. ادموندز ( الأخلاق العملية والاقتصاد السياسي ) و الشيوعي الانجليزي برادي ( أخطاء العمل وعلاج العمل ) 1839 .وفتحوا الباب الذي يقود إلى الطوباوية .

وهذا خلافا لما توصل إليه ماركس ف ” مدلول نظرية ريكاردو بأن الانتاج الاجتماعي الكلي يخص العمال لأنه من انتاجهم ولانهم المنتجون الحقيقيون ،،ان هذا القول يقود مباشرة للشيوعية …..خطأ من الناحية الاقتصادية ،لان هذا القول يؤدي الى تطبيق الأخلاق في حقل الاقتصاد ….” ونجد بالنسبة لقوانين الاقتصاد البرجوازي ان القسم الأكبر من الانتاج لا يخص العمال الذين انتجوه.

واذا قلنا الآن : ” هذا ليس عدل ” ، ” يجب ان لا يكون هكذا ” فانما يصبح هذا القول متعلقا بالاخلاق لا بالاقتصاد …” فقوانين الطبيعة والمجتمع تتميز بحملها طابعا موضوعيا فهي تنشا وتعمل بصورة مستقلة عن البشر وعن مدى معرفتهم لها وعن رغباتهم في ان يعمل هذا القانون أو ذلك أو لا فالبشر لا سلطة لهم على هذه القوانين إلا في اكتشافها ،والتصرف انطلاقا من فهمهم لها .وغير ذلك هو احلال للنوايا والرغبات محل الوقائع . فماركس ،كما يقول انجلز في مقدمته الطبيعة () لبؤس الفلسفة ” لم يقم مطاليبه الشيوعية على هذا الزعم بل اقامها على تقلص نظام الانتاج الراسمالي المؤكد وهو يقول ان فائض القيمة يعني العمل غير المدفوع لقاؤه الذي هو حقيقة واضحة …).

أي كما أوضح ماركس من داخل الطابع المزدوج لتناقضات البرجوازية .ان اليسار في العالم و ” اليسار ” التونسي اليوم كامتداد له ليس إلا طوباويو القرن القرن الثامن والتاسع عشر الما قبل ماركسية ،بحركاته ومفكريه ،اي التواصل للمدرسة الإنسانية والمدرسة الخيرية ،في انكارها الطبيعة التناحرية الملازمة لتناقضات علاقات الانتاج الرأسمالية ،وفي ارادتها ” تحقيق النظرية بقدر ما هي متميزة عن الممارسة وبقدر ما لا تحتوي على تناحرا ،وغض الطرف عن المتناقضات في الواقع الفعلي ،فهم ” يريدون الابقاء على المقولات التي تعبر عن العلاقات البرجوازية دون التناحرية الذي يشكلها ولا ينفصل عنها .وهم يتصورون انهم يحاربون الممارسة البرجوازية بجدية ،وهم اكثر بورجوازية من الآخرين…فهم ليسو ا أكثر من طوباويين.يقومون المواجهة احتجاجات الطبقة العاملة المقهورة بارتجال المذاهب .”.

ليس من باب الصدفة ان نجدهم يميلون الى الحط والتحقير من قيمة وأهمية الثورات والانتفاضات وتحركات الشعوب ،وخاصة العنيفة منها ،وهم اليوم يدعون ويمجدون ما يسمي بالثورات الملونة والتحركات السلمية .فبرودون مثلا ،وفي رده على مراسلة كارل ماركس له واصفا ثورات القرن وداعيا الى عدم ” اللجوء إلى ما سمي في الماضي ثورة ،والتي ليست ببساطة سوى اهتزاز ” وهو الذي اثبت بما لا يحتمل الجدل قبل ثورة فيفري بعدة اسابيع ان “عصر الثورات ” قد انتهى إلى الأبد .و يضيف ” لا ينبغي علينا ان نطرح العمل الثوري كوسيلة للاصلاح الاجتماعي،لان تلك الوسيلة المزعومة يمكن ان تكون مجرد دعوة اللجوء إلى القوة والاستبداد ” ( رد برودون على مراسلة ماركس بتاريخ 17 مايو 1846 ) .

وهو ايضا ما يتردد لدى يورغن هابرماس في رده على أحد ثوار الحركة الطلابية سنة 1967 ( يونيو ) في أحد المؤتمرات عن الجامعة والديموقراطية يقول هابرماس ” ان ما تدعو إليه سبق وان سمي عام 1840 باوتوبيا اشتراكية وأنا لا أجد ما يمنعني من ان اسمي ما تهدفون إليه فاشية يسارية ” . فالمجتمع الغربي – بالنسبة إليه يتميز بالعقلانية ،ولا يوجد نظام أفضل من الديموقراطية للليبيرالية وكعقلاء ينبغي علينا ان لا نطالب بازالة هذه الانظمة الديموقراطية ،وإنما تأكيد ثوابتها وتحسين فاعليتها . لذلك كان هابرماس يقف ضد أي حركة راديكالية قد تهدد هذه الثوابت .

وفي نفس هذا السياق واستشفافا من مناقشات مفكري القرن الثامن عشر وتاكيدا لها يصف فرانسيس فوكوياما الثورات العربية وخاصة منها والمصرية ب ” التشنج العربي ” خاصة وأنها كذبت وأسقطت نظريته حول ” نهاية التاريخ ” بالإضافة الي تزامن اندلاع انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 مع الازمة الاقتصادية العالمية التي هزت اسس الاقتصاد الرأسمالي ،وثوابت مفكريه .وكانت وكإعلان واضح على فشل السياسة االنيوليبيرالية المعولمة ،ورفض الشعوب تحمل نتائج الازمة التي سببتها هذه السياسة ولكامل النظام الرأسمالي.

فنهاية التاريخ عند فوكوياما كما قلنا ما هي إلا استعادة تاريخية لتحليلات ماركس ومجادلاته في مؤلفه بؤس الفلسفة ،وهو ايضا وكما سابقيه يطرح ” مشكلة محالة هي الغاء التاريخ ” باستبعاد الجوانب السيئة (الطبقة ) ” العنصران المتناحران “. وهو ما يعادل القول كما يقول ماركس بأن اسلوب الانتاج ،وعلاقات الانتاج التي تطورت في ظلها القوى الإنتاجية ،ليست باي حال قوانين ابدية . فعلماء الاقتصاد – كما يضيف ماركس في ملاحظته السابعة في رده على برودون – يتبعون اسلوب اجراءات غريب ،فليس لديهم سوى نوعين من المؤسسات ،مؤسسات مصطنعة ومؤسسات طبيعية ،فمؤسسات الاقطاع مصطنعة ،ومؤسسات البرجوازية مؤسسات طبيعية، وهم في هذا يشبهون رجال اللاهوت الذين يقيمون بدورهم نوعين من الأحيان ،فكل دين ليس دينهم هو من ابتداع الناس أما دينهم هم فمصدره الله…..انها قوانين ابدية لابد دائما ان تحكم المجتمع . وهكذا كان هناك تاريخ ،ولكن لم يعد هناك تاريخ،كان هناك تاريخ بما ان كانت هناك مؤسسات الاقطاع …”.

أن هذا الصراع القديم المتجدد اليوم في ظاهرة الشعبوية وان بدت ظاهريا تبرز ككتل غير متجانسة سياسيا وبمنطلقات مختلفة ومتباعدة حد التناقض يسارا هنا ويمينا هناك ،في هذه المرحلة أو تلك ،وعدم وحدتها في مضمون فكري أو نظام سياسي . فهي في الحقيقة ،تعبيرة اجتماعية بورجوازية مثل الفوضوية والطوباوية وغيرها تبحث عن حل التناقضات الطبقية الواقعية بالأوهام ،وبتشريع العنف القائم ( السلطة الحكومية ) وكقاعدة اقتصادية كما يقول انجلز ،وضد عنف الطبقة العاملة وقاعدتها الاقتصادية المناقضة . إلا أنها متمركزة جميعها وكما في السابق حول مفهومي المؤسسات المصطنعة والمؤسسات الطبيعية وفي اسلوبهم الغريب كما يقول ماركس في الفقرة اعلاه والتي حوصل فيها كامل جوهر الصراع الطبقي قديما وحديثا ،وبالتالي جوهر المناقشات حول مفهوم الشعبوية و ،طبيعية المؤسسات وأبدية القوانين،ونهاية التاريخ .

فلان انتهى التاريخ مع اقتصاديي ومفكري القرن الثامن عشرو الطوباويين الاشتراكيين في الطوابع البسيط العلاقات الانتاج ( اقطاع / رأسمالية ) مع ظهور وارساء المؤسسات البرجوازية ،باعتبارها مؤسسات طبيعية وابدية على حساب المؤسسات الاقطاعية باعتبارها مؤسسات مصطنعة ومعطلة ،فان التاريخ ينتهي مع فوكوياما داخل نفس هذا النظام الجديد ،وعلاقات انتاجه وطابعه المزدوج بهيمنة السياسة النيوليبيرالية المعولمة منذ نهاية الحرب الباردة وفشل التجربة الاشتراكية . وبهيمنة الفوردية على الكينيزية ,ولكنه لم ينتهي من حيث طابعه البسيط ( راسمالية / اشتراكية ) إلا انه وفي الفترة الأخير اصبح يقر بمدى اهمية وصحة وراهنية افكار ماركس الاشتراكية رغم انه لا يقر إلا فيما يتعلق بالملكية العامة في مجالات المرافق العامة أي رأسمالية الدولة يقول ” يبدو لي ان بعض الأشياء التي قالها ماركس تتضح انها صحيحة ” ( اورده الآن وودز ) ،وهو في هذا ليس الوحيد الذي اجبرته الوقائع على مثل هذا الاعتراف ،فقد كتب جورج ما جنوس،وهو محلل اقتصادي بارز في بنك UBS مقالا تحت عنوان ” اعطو كارل ماركس فرصة لإنقاذ الاقتصاد العالمي” وغيره من المحللين والاقتصاديين البرجوازيين.

ونجد هذا المواقف لدى شنتال موف وارنستو لاكلو من ناحية رفضها السياسة النيوليبيرالية ودعوتها الى ” شعبوية يسارية ” من اجل بناء هوية ” النحن ” مقابل هوية ” المهم ” اليمينية ولخلق وتاسيس ديموقراطية راديكالية ” ممكنة” وان كانت غير ضرورية في حد ذاتها ،والتي انتهت مع ظهور السياسة للليبيرالية الجديدة المعولمة هذه السياسة التي يرى فيها عالم الاقتصاد جوزيف ستيغليتز تهديدا واقعيا ليس للديموقراطية فحسب بل انها شتقضي على الحضارة .فشنتال موف ترى ان المؤسسات القائمة ليست ضرورية بل هي إحدى اللامكانيات في صراعها مع امكانيات اخرى ،من اجل الهيمنة ولبلوغ ” الحس السليم ” داخل هذه المؤسسات نفسها فهي ترفض الخروج عن هذه المؤسسات الديموقراطية التمثيلية أو تقويضها أو استبدالها،خلافا لدعوة طوني نيغري ومايكل هاردت للخروج عنها واستبدالها بابداعات ” الجمهور” .

وهذا لضمان تحويل العدو الى مجرد خصم ،عبر ” السياسة التصارعية ” بدل الاقصاء والتصفية ،فالشعباوية اليسارية عند شنتال موف ليست محتوى فكري أو ايديولوجي بل اسلوب وطريقة للعمل السياسي،يمكن من بناء مفهوم للشعب أي لل”نحن ” كمفهوم هلامي ،وهو ” الجمهور” عند نيغري ،كذاتية واحدة مجردة من أي محتوى وذلك لتمكن راس المال من كامل حياة البشر .قادرة على بناء كتلتها التاريخية وقادرة على فرص هيمنتها السياسية كما دعى إلى ذلك المفكر الايطالي انطونيو غرامشي ،وارتكازا عليه تقول في نص لها بعنوان ( ميلانشون : اصلاحي راديكالي ضد الصعود الاوليغاركي ) ” ويتمثل الهدف في وضع حد لهيمنة النظام الاوليغاركي: ليس من خلال ” ثورة” تدمر المؤسسات الجمهورية ،لكن من خلال ما أنطلق عليه الفيلسوف الايطالي انطونيو غرامشي ( 1891- 1937 ) ” حرب المواقع التي تؤدي الى تحول عميق في علاقات القوة القائمة وارساء هيمنة جديدة.وهذا،في ضوء استعادة ،وفي الواقع اضفاء طابع راديكالي على المثل الديموقراطي .”.

وعلى أساس نقدها النظرية العقلانية ،وتواصلية هابرماس ممثل الجميل الثاني لمدرسة فرانكفورت ،ومبدأ الفردانية العقلانية ،والاجتماع العقلانية ،والعقد الاجتماعي ،وحياد المؤسسات ،وابعاد النزاع الاجتماعي لمصلحة التوافق القائم على الفردانية. فالتحييد الايديولوجي في الرأسمالية العالمية المعاصرة وصل – كما يقول جيجيك – مستوى غير مسبوق مدعومة بمركز طوباوي مناسب من الايدولوجيا الرأسمالية . وما الاختلافات اليوم بين ايديولوجيي البرجوازية ومنظريها ،ليس إلا اختلافات حول أي من التحديدات المفهومية سياسيا،وايديولوجيا ،واجتماعيا القادرة اكثر من غيرها عند اعتمادها على التعمية على المتناقضات الطبقية وعلى اشكال حلها والقادرة على منع إيصال الوعي الطبقي الثوري ،او حتى مجرد الإشارة إلى ما قد يقود اليه من قريب أو بعيد ،اي مجموع المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية الماركسية اللينينية ،حتى ان مفهوم ” اليسار ” رغم ضبابيته لم يعد مقبولا لديها، رغم ان شنتال موف وارنستو لاكلو يرون ان لا وجود لمساحة خارج “اليمين واليسار” يقول بايكر أحد منظري البرجوازية ” ان تعريف الشعبوية بوصفها ايديولوجيا يخاطر باظهار الاستراتيجيات السياسية الفعالة في صورة استراتيجيات غير مسؤولية وخطرة. “.

فمنظري البرجوازية بمن فيهم مدعي اليسارية والماركسية يذهبون إلى اكثر من هذا ، وذلك من اجل خلق وحشد كتلة من الشعب والتي هي” النحن ” و ” المهم ” لحماية المؤسسات والأعراف للليبيرالية ، فمصطلح الشعبوية ذاته وكما يقول بايكر ” اذا يتفق المختصون الآن ( ويقصد بالمختصين المنظرين السياسيين الذين اجتمعوا داخل كلية لندن الاقتصاد عام 1967 ) على ان الشعبوية هي وسيلة ايديولوجية يمكن نشرها النظر الى السياسة كمنتدى للمعارضة بين ” الشعب ” و ” النخبة ” يولد هذا التعريف المزيد من الاسئلة : هل يعرف مفهوم ” الشعب ” في الشعبوية فطريا باسلوب بشكل خطرا على التعايش التعددي ؟ أم هل تعد فكرة ” الشعب ” ضرورية لكنها مفهوم قابل للتشكيل ، على نحو أقل تهديدا، ليصبح جزءا من اللعبة السياسية ” .

هذا فضلا عن مفهوم ومصطلح الطبقة العاملة ،والشعب الكادح والبروليتايا،والاشتراكية ،والثورة …” فالثورة ,والعنف الثوري والانتفاضات والتغيير الجذري حسب المفهوم الماركسي اصبح مرفوضا ” كما يدعي هربرت ماركيز وروجى غارودي وغيرهم من جماعة ” اليسار الجديد ” وهي الحب وبهجة الوجود عند هاردت ونيغري لمجابهة بؤس السلطة وهي ايضا لقاء النحلة بزهرة الاوركيد ، عند حيل دلوز وغاتاري كأشكال سريالية من الاحتجاج الرافض ، وهي الثورات الملونة و السلمية .وحركة بدون قيادة ،والديموقراطية الجديدة ،وضد الدولة ،والتنظيم الافقي …ويقدم تحت يافطات مختلفة ( تغير البنية الطبقية ، موت الفعل التاريخي …وغيرها ) ( انظر نص الجذور الفكرية والفلسفية لهزيمة الثورة التونسية – الحوار المتمدن ) . لقد طالت عمليات التزييف والتحريف والتحويل والتهجين التي يتعرض لها الفكر الشيوعي الماركسي اللينيني كل الميادين وكل المستويات وكل المصطلحات والمفاهيم وتغييرها بمفاهيم ومصطلحات اكثر فاكثر عمومية وضبابية ( الشعب ، الجمهور،والحشود ، الهم والنحن ، الكل الاجتماعي ،التموقع ،التوافق …) ما هي في واقع الأمر إلا عمليات وسياسات فسخ الهوية الطبقية الماركسية اللينينية والفكر الاشتراكي.

المراجع :

البؤس الفلسفة : كارل ماركس
البيان الشيوعي : ماركس انجلز
الشعبوية والديموقراطية: عبد الحسين شعبان
الشعبوية في المغرب وموقفنا كماركسيين : التيتي الحبيب
ميلانشون اصلاحي راديكالي ضد الصعود الاوليغاركي: شنتال موف
بداية كماساة واخرى كمهزلة : سلافوي جيجيك

 

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : برهان القاسمي 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.