انطونيو غرامشي – أكره اللامبالين

0 1٬455

أكره اللامبالين، و أعتقد مثل فريدريخ هيبّل أنّ « الحياة هي اتخاذ مواقف » و من المستحيل أن يوجد أشخاص فقط، الغرباء عن شؤون المدينة. فمن يعيش فعلا لا يمكنه إلّا أن يكون مواطنا وصاحب مواقف. إنّ اللامبالاة خمول، تطفّل وجبن، إنّ اللامبالاة ليست بحياة، ولهذا السبب أكره اللامبالين.


إنّ اللامبالاة هي الوزن الميّت للتاريخ. هي الرصاصة التي تحطّم المجدّد، هي المادة الجامدة التي غالبا ما تحطّم الحماس الأكثر إشراقا، هي المستنقع الذي يحيط بالمدينة القديمة ويدافع عنها أفضل من الأسوار الأكثر صلابة، أفضل من صدور المحاربين من أجلها، لأنّها تبتلع في غليانها الطيني المهاجمين وتقضي عليهم وتجعلهم أحيانا يتخلّون عن مهمّتهم البطولية.

إنّ اللامبالاة تأثّر بقوة على التاريخ. تأثر بطريقة سلبية، ولكن مع ذلك تأثّر على التاريخ. إنّ اللامبالاة هي الحتميّة، الوجوب الذي لا مفرّ منه؛ إنّها الشيء الذي لا يمكن الاعتماد عليه؛ إنّها الشيء الذي يزعزع البرامج ويبعثر الخطّات المبلورة بإحكام؛ إنّها المادة الخامة التي تثور على الذكاء وتخنقه. أمّا ما يحدث بعد ذلك والشر الذي يسقط على الجميع والخير المحتمل الذي يمكن أن يحدثه فعل بطولي (فعل ذي قيمة عالمية) لا يعود سببه إلى مبادرة القلة من الناس الذين ينشطون بقدر ما يعود سببه إلى غياب الكثرة من الناس. ما يحدث لا يحدث لأنّ الكثيرين من الناس أرادوا أن يحدث، بل لأنّ جماهير الناس تستسلم لإرادة هذا الشيء وتترك الأمور تسير على حالها، تترك الخيوط تتراكم، تلك الخيوط التي لا يمكن إلّا للسيف أن يقطعها فيما بعد، تترك القوانين تنص، قوانين لن تلغيها إلّا الثورة وتترك الرجال يتوّلون الحكم ، رجال لن يستطيع إلا تمرّد عام إسقاطهم.

إنّ الحتمية التي تبدو تسيطر على التاريخ ليست سوى المظهر الوهمي لهذه اللامبالاة، لهذا التغيّب. توجد وقائع تنضج في الظلام وأياد قليلة، متروكة من دون حسيب ولا رقيب، تحبك نسيج الحياة الجماعية والجماهير تجهل ذلك لأنّها لا تبالي، وإنّ أقدار عصر ما يتم التلاعب بها وفقا للنظرات المحدودة ، للأهداف المباشرة، للطموحات والأهواء الشخصية لمجموعات صغيرة نشطة، والجماهير تجهل ذلك لأنّها لا تبالي. ولكن الوقائع التي نضجت تصل إلى نقطة النهاية، ولكن النسيج الذي حبك في الظلام يكتمل وحينها يبدو أنّ الحتمية هي التي تجرّ كل شيء والجميع معها. حينها يبدو التاريخ مجرّد ظاهرة طبيعية ضخمة، انفجار، زلزال يكون الجميع ضحية فيه، من أراد ومن لم يرد، من كان يعلم ومن كان يجهل، من كان نشطا ومن كان لا يبالي.

ثم يغضب هذا الأخير (الشخص الغير مبالي) ويرغب في التنصّل من العواقب، يرغب في أن يكون الأمر واضحا أنّه لم يرد وقوع ما وقع وأنه غير مسئول عن الشيء الذي حدث،و يتباكى البعض بشكل يثير الشفقة والبعض الآخر يطلق شتائم بذيئة، ولكن لا يوجد أحد، وإن وجد فعددهم قليل، ليتساءل ويقول: « لو قمت أنا أيضا بواجبي، لو حاولت فرض إرادتي، لو أعطيت نصيحتي، هل كان سيحدث ما حدث؟ » لا يوجد أحد، وإن وجد فعددهم قليل، يحاسب نفسه ويحمّل لامبالاته مسؤولية ما وقع، ي تشكيكه، يتّهم نفسه لأنّه لم يقدّم قوة ذراعه ونشاطه لتلك المجموعات من المواطنين الذين كانوا يكافحون ويتقدّمون للبحث عن ذلك الخير من أجل تجنّب وقوع الشر.

إنّ أغلبية هؤلاء، عندما تنتهي الأحداث، تفضّل بالعكس التحدث عن خسارات مثلى، عن برامج انهارت نهائيا وعن أشياء جميلة أخرى. وهكذا فهم يتبرّئون من أي مسؤولية، وزد على أنهم لا يرون الأمور بشكل واضح وأنهم لا يستطيعون أحيانا البحث عن حلول رائعة للمشاكل العاجلة، أو عن حلول لأمور تستدعي حلّا عاجلا رغم أنها تقتضي فترة طويلة من الاستعداد كما تقتضي وقتا وافرا، إلّا أنّ تلك الحلول تبقى عقيمة بشكل جميل، إلّا أنّ هذه المساهمة في الحياة الجماعية لا تحرّكها نور أخلاقية؛ إنّما هي نتاج فضول فكري، لا نتاج حس قوي بمسؤولية تاريخية تتطلب من الجميع أن ينشّطها، حس لا يقبل اللاأدرية واللامبالاة بمختلف أنواعها.

أكره اللامبالين لأن تهمّعهم وتباكيهم يقلقاني ، تباك أشخاص بريئين للأبد. أسائل كل واحد من هؤلاء عن كيف قام بالواجب اليومي الذي كلّفته الحياة إيّاه، أسائله عن ماذا فعل وخاصة عمّا لم يفعل. وأشعر أنه يمكنني أن أكون قاسيا مع هؤلاء، أنه لا يجب أن أرحمهم وألّا أتقاسم معهم دموعي. أتخذ مواقف، أعيش، أشعر في الوعي الرجولي داخلي بنبض نشاط مدينة المستقبل التي يشيّدها دوري. وفي مدينة المستقبل هذه لا تمارس السلسلة الاجتماعية ثقلها على قلة من الناس، ولا يكون فيه كل حدث وليد الصدفة، وليد الحتمية وإنما سيكون نتيجة عمل ذكي قام به المواطنون. لا يوجد أحد في مدينة المستقبل هذه يقف عند النافذة ويتفرّج بينما يضحّي القليل من الناس بأنفسهم، ويستميتون في التضحية؛ أمّا الشخص الذي يقف عند النافذة، مترصّدا، فيرغب في استغلال الخير القليل الذي ينتجه نشاط القلة ثم يسلّي خيبة أمله في الشتم والسب لأنّه لم ينجح في محاولته.

أعيش، أتّخذ مواقف، لذلك أكره من لا يتّخذ مواقف، أكره اللامبالين


الكاتب: أنطونيو غرامشي (1891-1937)
سنة الصدور: 11 / 1917
الترجمة عن الإيطالية: محمّد وليد قرين

المصدر : الحوار المتمدن 


قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.