تجربة اليسار فى أمريكا اللاتينية

0 814

تجربة اليسار فى أمريكا اللاتينية

فى نهاية الثمانينات من القرن الماضى ومع تفكك الإتحاد السوفييتى شاع فى أوساط الإمبريالية ومنظريها أنها نهاية التاريخ والإنتصار النهائى والحاسم للأفكار الرأسمالية وإستكمال سيطرتها على العالم بلا رجعة، وجاء الرد غير المتوقع من الجانب الآخر للكرة الأرضية متمثلا فى شعوب الحديقة الخلفية للدولة الإمبريالية الأولى “الولايات المتحدة” وهى دول أمريكا الجنوبية والوسطى معلنة سقوط هذه النظرية وأن أعلام الإشتراكية ستبقى عالية وخفاقة رغم خرافة فوكوياما حول نهاية التاريخ.

إن النضال الثورى فى دول أمريكا اللاتينية مر بمحطات عديدة ما بين الكفاح المسلح ضد الأنظمة العسكرية الرجعية وداعمتها الرئيسية الولايات المتحدة، وما بين النضال السلمى والبرلمانى، وعلى رأس تلك التجارب تأتى الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو وتشى جيفارا حينما إكتسح جيش الثورة هافانا فى عام 1959بعد رحلته الشهيرة من جبال السيرا مايسترا ومصرع معظم من كانوا على ظهر اليخت “جرانما” الثمانين وبقاء 10 فقط منهم ولكنهم بمشاركة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعى والفلاحين الكوبيين إستطاعوا إسقاط الدكتاتور باتيستا بعد سنتين رغم الدعم الأمريكى المباشر واللامحدود للطاغية باتيستا.

وبعد تلك الثورة الملهمة إنتشرت حركات الكفاح المسلح التى تتبنى النهج الماركسى فى معظم دول القارة الجنوبية، فمن الجبهة الساندينستية للتحرر الوطنى فى نيكاراجوا التى وصلت الى الحكم مرتين الأولى عن طريق الثورة المسلحة والثانية عن طريق صندوق الإقتراع، وجبهة فارابوندى مارتى فى السلفادور وجماعة إم 19 فى كولومبيا ومنظمة التوباماروس فى الأرجواى وحركة الفارك فى كولومبيا والدرب المضيئ فى البيرو وغيرها من التنظيمات الشيوعية التى تحمل السلاح، وقد دعم النظام اليسارى فى كوبا جميع هذه المنظمات فنيا وتدريبا وامدادا بالأسلحة وحتى القائد العظيم للثورة فى كوبا “أرنستو تشى جيفارا” قد قتل وهو يحارب فى صفوف الثوار بجبال بوليفيا.

فى ظل تلك الحركات الثورية المسلحة ولدت حركات مضادة للثورة كحركة الكونترا فى نيكاراجوا بدعم مباشر من الرئيس ريجان، ونشطت المخابرات المركزية فى نسج المؤامرات ودعم الديكتاتوريات العسكرية فى تلك البلدان مما تحول الى استنزاف مستمر لتلك القوى، مع إعترافنا بوجود كثير من الأخطاء فى جانب قوى الثورة منها الإنحراف اليسارى ورفض وإدانة أى شكل للتحالفات الجبهوية المؤقتة وتبنى موقف تنظيمى متشدد على حساب الديموقراطية، كل ذلك أدّى الى عدم بلوغ الثورة المسلحة لأهدافها كاملة.


رغم فشل التجربة الديموقراطية الأولى فى وصول اليسار للسلطة فى شيلى عن طريق الإنتخابات بعد وصول المناضل اليسارى “سلفادور الليندى” للحكم فى عام 1970 وتصدى المخابرات المركزية له بإدارة هنرى كيسنجر و دعم الثورة المضادة له بقيادة الدكتاتور”بينوشيه” وصمود الليندى دفاعا عن القصر الجمهورى حتى النفس الأخير، ولكن هذا لا يمنع من نجاح قوى اليسار فى أمريكا اللاتينية فى الكثير من الدول بطريق ديموقراطى ومن خلال بناء جبهة وطنية واسعة، وقد حدث هذا بالفعل فى فنزويلا عن طريق وصول هوجو شافيز للحكم و إيفو موراليس اليسارى فى بوليفياورافاييل كوريا فى الإكوادور وخوسيه موتشكا فى أورجواى وحتى وصول لولا دى سيلفا بميوله اليسارية وحزب العمال البرازيلى للحكم، وغيرهم الكثيرمن التنظيمات الإشتراكية وقادة اليسار فى كثير من الدول والبقية تأتى.

إن أهم المكاسب من تلك التجارب التى يجب الإستفادة منها تتلخص فى التالى:

1- إن الطريق الى قلب الجماهير ليس فقط من خلال برامج العدالة الإجتماعية بشكلها البحت ولكن يمكن أن يتم (كما تحقق من تلك التجارب) عن طريق برنامج جماهيرى يشمل أيضا قضايا البيئة ومطالب السكان الأصليين والمهمشين وسكان الجبال بالإضافة لتجارب النهوض بالأحياء من خلال اللجان الشعبية وتبنى برامج عملية وواضحة لحل مشكلة أطفال الشوارع من خلال برامج اكثر تنوعا وخصوصية.

2- لم يقتصر العمل الثورى على اللجان الحزبية وحركتها الجماهيرية فقط بل شمل منظومة واسعة من النقابات العمالية والنوادى الإجتماعية ومنظمات الشبيبة والنساء وحقوق الإنسان والمنظمات الشعبية فى الأحياء التى تطرح برنامج إجتماعى لتطوير هذه الأحياء وتشجيرها ووضع خطط بسيطة لتوزيع المواد التموينية وإقامة المعارض والأسواق وتشجيع الشباب والأسر المنتجة…الخ، وصارت الاحزاب الشيوعية لا تمثل قيادة الحركة بل جزءا مندمجا فى الحركة الثورية الشاملة.

3- رغم حقيقة الخلافات بين التيار الماركسى التقليدى ممثلا فى الاحزاب الشيوعية والمنظمات الماركسية الا أنه لم يحدث تناقض أو عداء بين تلك الاحزاب والمنظمات وحركات ما يسمى باليسار الجديد بل عالج الشيوعيون تناقضات الإختلاف بين الأجيال بحكمة وشجاعة منذ دخول الحزب الشيوعى الكوبى فى تحالف مع قيادات الثورة فى الجبال وتقديم الدعم اللوجستى والخبرات التنظيمية والحشد البشرى لها الذى لولاه لما تمكن الثوار من الانتصار.

4- تم إستبعاد الشكل المسلح من الصراع مع القوى الرأسمالية الدكتاتورية المدعومة بالامبريالية الأمريكية بشكل شبه مطلق والإعتماد على الصراع السياسى لأسباب عديدة أن شكل الحرب الشعبية لم يعد ملائما لروح العصر مع سفك الدماء وما يتخلله الصراع من أعمال عنف وممارسات غير إنسانية، ولذا فلم يعد مستساغا على المستوى الإنساني وحقوق الإنسان وحق الحياة هذا الشكل حيث يسقط دائما الكثير من الضحايا الأبرياء والأطفال،وهذا لا يعنى التقليل من دور الكفاح المسلح تاريخيا وأنه كان له الفضل الأول فى دحر الإستعمار و تحرير الشعوب المضهدة وما زال حقا مطلقا للشعوب المضطهدة لنيل حقوقها، لقد شهدت عقود الستينات والسبعينات من القرن الماضى سلسلة من حروب التحرير وشهدت أمريكا اللاتينية الحروب الشعبية وحرب العصابات ولاهوت التحرير وشهدت أيضا إنتصار الثورة الكوبية فاتحة الأمل لشعوب المنطقة فى تحقيق انتصارها الحاسم والنهائى على أعدائها.

5- لقد أثبتت تجارب القارة الثائرة فى جنوب أمريكا أن الإنتقال السلمى الى الإشتراكية ممكنا بل متاحا رغم شراسة العدو الإمبريالى ومؤامراته وآخرها فوز رفيق هوجو شافيز فى فنزويللا “نيكولاس مادور” وحزبه على ممثل اليمين، وإتجاه أحزاب إشتراكية فى دول أخرى لخوض الإنتخابات.

6- لقد أثبت درس التاريخ أن لا شيئ يذهب هباءا فنحن نحصد نضالات الآباء ونستفيد من تجاربهم، إن القوى الثورية فى أمريكا اللاتينية تحصد الآن ثمار غرس وضعه الثوريين العظام للثورة الكوبية بعدما يقرب من ستة عقود على إنتصارها، ورغم سنوات الحصار الطويل من القوى الإمبريالية فقد حققت الثورة فى كوبا بناء مجتمع متقدم صحيا وتعليميا ومتجانس طبقيا رغم الأخطاء وما زال عنصر إلهام ثورى لشعوب القارة وشمس تنير الأفق لبناء الإشتراكية.

بقلم : رياض حسن محرم – المصدر : الحوار المتمدن

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.