غيفارا .. القدوة والأيقونة

0 48

مرت منذ أيام – التاسع من اكتوبر / تشرين الجاري -الذكرى الثانية والخمسين لإستشهاد المناضل الأرجنتيني الاُممي الأشهر في العالم إرنستو تشي جيفارا في إحدى غابات بوليفيا وهو على رأس مجموعات نضالية مسلحة تكافح جيش النظام الدكتاتوري البوليفي إثر معركة ضارية استبسل فيها وصمد حتى النهاية.

حتى وقوعه في الأسر جريحاً بعدما حوصرت قواته من قِبل فرقة من هذا الجيش بدعم وتخطيط مباشر من قِبل المخابرات المركزية الامريكية CIA ، ولم يمهله آسروه ولو لإسعافه ، إذ كان مطلوب تصفيته سريعاً من قِبل الزمرة العسكرية الحاكمة بدون تقديمه إلى أي شكل من أشكال المحاكمة ، صورية كانت أم عادلة .. وهكذا سرعان ما تم إعدامه في اليوم التالي وهو جريح على تلك الحال المنافية لأي قيم إنسانية بعدما أتعب مستجوبوه بقوته الصمودية الفولاذية في الأصرار على عدم تقديم أدنى تجاوب معهم في التحقيق ، فجاءت نهايته التراجيدية الفاجعة التي ما برحت ملهمةً لملايين المناضلين في العالم منذ أكثر من نصف قرن حتى حاضرنا ، وقد فارق الحياة عن عمر لا يتجاوز التاسعة والثلاثين .

لسنا هنا بطبيعة الحال في وارد التذكير بأن هذا المناضل الكبير ذو الحماسة الثورية المتأججة المتقدة قد جانبه الصواب والتقدير الصحيح مقدماً عن آفاق انتصار الثورة في بوليفيا آنذاك من خلال زرع بؤرة ثورية تنطلق منها حرب عصابات واسعة ضد النظام العسكري القائم ، فخوض معركة من هذا القبيل لم يكن مواتياً البتة في الظروف الملموسة لبوليفيا ، ولم تكن موازين القوى تتيح هذا الشكل من النضال المسلح المعزول عن بيئة جماهيرية حاضنة ، وقد كُتب الكثير عن ليس عن جهل الفلاحين بما يقوم به جيفارا ورفاقه من أجلهم فحسب بل وعزوفهم عن الإنخراط معه ورفاقه في كفاحه المسلح مع فرقته المسلحة حيث بدا وافداً غريباً عن بيئتهم وأرضهم ، دع عنك انقسام القوى الوطنية الثورية البوليفية حينها حول هذه المسألة ورفض بعض قوى اليسار -كالحزب الشيوعي – أن يُفرض عليها خوض هذا النوع النضالي من الخارج وهم يرون أنفسهم الأدرى بظروف بلادهم الداخلية ومن ثم ما ينجم عنه من عواقب وخيمة على مجمل الحركة الثورية في البلاد وهو ما كان .

ومن يدري فربما لو تمكن النجاة من الفخ الذي نُصب إليه وأمتد به العمر لما كانت تنقصه الشجاعة بعدئذ في المراجعة الموضوعية والنقد الذاتي للاعتراف بخطأ حساباته الجسيمة ، وهذا ما فعله بدرجة أو اخرى رفيق دربه وقائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو ، إذ خففت بعدئذ القيادة الكوبية من غلواء نهجها الثوري الاممي المتشدد وانخرطت منذ أواسط السبعينبات في التقارب مع الاتحاد السوفياتي والاحزاب الشيوعية العالمية الأكثر واقعية رغم أخطائها وتبعيتها السياسية لموسكو في رؤاها ونهجها النضالي .

على أن كل ذلك لا ينفي بالطبع بأن العالم لم يشهد مناضلاً اُممياً خلال القرن العشرين يمثل التجرد والطهارة الثورية ونكران الذات والتضحية في سبيل المُثل والمبادئ العليا التي اُستشهد من أجلها كما جسدها هذا المناضل الكوني في حياته النضالية الفذة وكفاحه الصلب الذي لا يلين ضد الشر الرأسمالي والأمبريالي أينما كانا على وجه البسيطة . كما لم يقترن إسما مناضلين عالميين في ذلك القرن كما اقترن إسمه برفيق دربه النضالي قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو الذي نجح معه في إسقاط نظام باتيستا الدكتاتوري العميل للإمبريالية الأمريكية عام 1959، وكان له دور محوري في إنجاحها . ورغم تقلده بعدئذ مناصب عديدة في حكومة الثورة ، ومنها : مدير البنك الوطني ، والرئيس التنفيذي للقوات المسلحة ، ووزير للصناعة ، إلا أنه كان مهموماً وفي عجلة من أمره لتحقيق أحلامه الثورية الاُممية ، وبمتابعة نصرته لنضالات حركات التحرر في القارة والعالم أجمع ، بالطريقة التي كان يراها و المتمثلة في تصدير الثورة وزرع البؤر الثورية .

لا عجب والحال كذلك أن تلهم سيرته النضالية التي تتوجت بتلك الملحمة الأسطورية الكفاحية التي انتهت بإستشهاده عامة الشبيبة في شتى أنحاء العالم على اختلاف تياراتها السياسية والفكرية والدينية ، فبعد رحيله عن دنيانا غدت صورته الشهيرة المتداولة عالمياً هي الأكثر انتشاراً في فعاليات ونضالات الحركات الطلابية العالمية واليسار الجديد الذي برز بوجه خاص في أواخر الستينيات من القرن الماضي حتى لا يكاد مقر منظمة طلابية أو شبابية يخلو جدرانه من تلك الصورة الأيقونة .

لكن ما هي قصة هذه الصورة التي انتشرت في جميع ارجاء العالم ؟ لعل من المفارقات التاريخية الساخرة أن الرجل الذي اُستشهد من أجل مُثل الإشتراكية العليا تعرضت صورته الأيقونة لشكل انتهازي قذر من أشكال الاستغلال الرأسمالي على يد واحد من الناشرين الإيطاليين ، ألا هو هو جيانجيا فيلترينيلي ، بعد أن تمكن من الحصول عليها بدون مقابل ، فبعد وصوله إلى كوبا قادماً من بوليفيا التي علِم من مصادره فيها بأن نهاية المناضل العالمي الشهير قداقتربت ، أدرك بحسه الاستثماري أهمية استباق الحدث الوشيك من خلال الحصول على أفضل صورة للرجل قبل اختفائه عن الأنظار منذ مغادرته كوبا مباشرةً بعد أن يظفر به أعداؤه في بوليفيا ويجهزون عليه .

حينذاك وتحديداً مارس / آذار من عام 1960 اُقيم حفل تأبيني في هافانا على ضحايا السفينة الفرنسية ” لا كوبرا ” التي كانت تحمل شحنة من الأسلحة البلجيكية وتعرضت لإنفجار غامض أودى بحياة 136 كوبياً ، وكان البرتو كوردا ، مصوّر الجريدة الكوبية ” الثورة ” ، حاضراً في الحفل ، وبعد أن أنتهى كاسترو من خطبته ، ظهر جيفارا فجأةً على المنصة ، وعلى الفور صوّب كوردا عدسة كاميرته من ” ماركة لايكا ” فتمكن من التقاط صورتين كان من بينهما تلك الصورة الأشهر التي راجت عالمياً ، لكن رئيس التحرير بعد أن عرض عليه كوردا الصور التي التقطها لوقائع الحفل أكتفى بصورة لكاسترو وأعاد عليه بقية الصور الاخرى ، إلا أن كوردا أختار إحدى الصورتين وعلقها على حائط الاستوديو الخاص به في هافانا .

ولسبع سنوات ظلت هذه الصورة محجوبة عن النشر داخل كوبا وخارجها ، ولكن حينما زار هذا الاستوديو الناشر الآنف الذكر فيلتر ينيلي عام 1967 حاملاً خطاباً رسمياً من جهة حكومية كوبية لمساعدته في منحه أفضل صورة يراها مناسبة لجيفارا أشار إليه كوردا إلى الصورة المعلقة على الحائط بأنها أروع ما لديه من صور تخص جيفارا ، فطلب الضيف الإيطالي نسختين منهما واُتفق على أن يأتي في اليوم التالي لإستلامهما .وجاء بالفعل في اليوم التالي وأراد أن يدفع ثمنهما فرد عليه كوردا بأن لا حاجة لذلك باعتبارك ضيفاً على البلاد جاء ليطلب صورة لأحد رموز الثورة الكوبية الكبار .

وما أن اُعلن عن مقتل جيفارا حتى انتشرت في العالم صورته التي حصل عليها الناشر من المصوّر الكوبي كوردا مجاناً و لم ينل عنها سنتا واحداً ، بل لم يخجل من أن يذيل البوسترات الخاص بها بأن حقوق النشر لفيلتر ينيلي . وفي خلال ستة شهور فقط تم بيع منها 2000000 ملصق ، وتعددت أشكال نشر وانتشار الصورة / الأيقونة ، بدءاً من انتشارها على هيئة ملصق في إيطاليا ومنها إلى عامة الأقطار الأوروبية ثم إلى معظم بلدان العالم ، ولتظهر بعدئذ على جدران المباني والأعلام والأزرارات والميدليات والقمصان القطنية والبوسترات وأغلفة ألبومات الأغاني .

كما تعددت أشكال المتاجرة فيها بطبعها على الأواني والكؤوس والتحف وخلافها . وقام البعض بإضفاء رتوش وتعديلات فنية على الصورة الأصلية طمعاً في إكسابها جمالاً فوق جمالها الأصلي الأخّاذ لدى المراهقات العاديات والمناضلين من الجنسين على السواء وذلك بغية ترويج السلعة المعنية أو رفع سعرها ، كما استثمر فيها الفنان المعروف آندي ورهول حينما طبعها على شاشة حريرية وأخرجها كواحدة من صوره الشعبية على حد زعمه .

وبطبيعة الحال لم تتمكن كوبا من مقاضاة الناشر الإيطالي ، لأنها لم تصادق على اتفاقية بيرن لحماية الملكية الفكرية المرتبطة بحرية التجارة الرأسمالية والتي كان للولايات المتحدة اليد الطولى في صياغتها إلا في عام 1977 . ومع ذلك لم يندم كوردا أو يعارض هذا الإستخدام غير القانوني واللا أخلاقي لإعادة نشر صورة المناضل الذي يجله ما دامت تنتشر عالمياً وتعزز عالمياً شهرة جيفارا وشعبية الثورة الكوبية الفتية ، فضلاً عما تعكسه الصورة من مثال ملهم لشبيبة العالم في مخيلتهم وأفئدتهم بالنظر لما تنطوي عليه سيرته النضالية الوضاءة واستشهاده على أيدي أعداء الحرية من قدوة . ولكن حينما بلغ المطاف في عام 2000م بشركة سميرنوف للفودكا وضع صورته على إعلاناتها الترويجية فقد طفح الكيل بالمصور كوردا لرفضه التام الاساءة لسمعة هذا المناضل الاُممي في الدعاية التجارية لترويج منتجات مثل الكحول ؛ فرفع قضية على الشركة ، بيد أن القضية تمت تسويتها بين الطرفين خارج أروقة المحكمة وكسب منها كوردا5000 آلاف دولار لكنه أبى أن يحتفظ بالمبلغ لنفسه فتبرع به للنظام الطبي الصحي المطبق في دولته الإشتراكية حيث العلاج يُوفر للشعب مجاناً بلا مقابل .

 

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : رضي السماك 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.