فلسطين ” لنحول الأنتفاضة إلى حرب شعبية

0 453

تتتالى الانتفاضات الشعبية في فلسطين ‏المحتلة في مسعى لإيقاف غطرسة الكيان ‏الصهيوني المحتل والتصدي لمشاريعه ‏الإستطانية مقدمة في ذلك مئات الشهداء ‏وآلاف الجرحى والأسرى، غير أنّ هذه ‏التضحيات لم تغير من واقع الاحتلال شيئا، ‏فالكيان الصهيوني يستمرّ في تنفيذ مخططاته ‏عبر مصادرة المزيد من الأرض وتهجير ‏سكانها وبناء المستوطنات . فما هي الأسباب ‏التي حالت دون تحقيق هذه الإنتفاضات ‏لأهدافها خاصة فيما يتعلّق بتحرير الأرض ‏وطرد الكيان الصهيوني المحتلّ ؟ .‏

لقد انطلقت شرارة الإنتفاضات الأخيرة من ‏ردّة فعل جماهيريّة عفويّة . فانتفاضة الحجارة ‏اندلعت إثر تعمّد أحد الصهاينة وهو يقود ‏شاحنة بدهس بعض العمال الفلسطينيين من ‏مخيّم جباليا في قطاع غزّة عندما كانوا ‏يستقلّون سيارتين بحاجز ” إيريز ” وقد أسفر ‏عن مقتل أربعة منهم وجرح تسعة آخرين .

‏وإثر تشييع جنازة الضحايا يوم 09-12-‏‏1987 خرجت الجماهير الشعبية في فلسطين ‏المحتلة في مسيرات عارمة وعفويّة منددة ‏بالجرائم الصهيونيّة في حقها معبّرة عن ‏رفضها لواقع الإحتلال الذي تعيش في ظلّه ‏متطلّعة لتحرير أرضها والعيش فيها في أمن ‏وسلام وقامت خلالها بإلقاء الحجارة على موقع ‏للعدوّ الصهيوني بجباليا وسرعان ما تطوّر ‏هذا الإحتجاج العفوي ليشمل العديد من القرى ‏والبلدات الفلسطينيّة ليتواصل عدّة سنوات من ‏‏08-12-1987 إلى 13-09-1993.

وطرح من ‏خلاله المنتفضون مسألة إقامة دولة فلسطينيّة ‏مستقلّة عاصمتها القدس – تمكين الفلسطينيّين ‏من تقرير مصيرهم – تفكيك المستوطنات ‏الصهيونيّة – عودة اللاجئين دون قيد أو شرط ‏‏– انفصال الإقتصاد الفلسطيني عن الكيان ‏الصهيوني – وقف المحاكمات العسكريّة ‏الصوريّة والإعتقالات الإداريّة وخاصّة ‏النشطاء منهم مع لمّ شمل العائلات الفلسطينيّة ‏‏. فهل كانت القيادات الفلسطينيّة وفيّــة لمطالب ‏وتطلعات الجماهير ؟

بالطبع لا ، لأنّ أغلب ‏القيادات المرتبطة خاصة بحركة حماس وفتح ‏هي قيادات رجعيّة لم تطرح على جدول ‏أعمالها مسألة تحرير الأرض الفلسطينية ‏وطرد المستعمر بل كانت تبحث دائما عن ‏تسويّات تؤبّد واقع الإحتلال . فانتفاضة ‏الحجارة رغم استمرارها لعدّة سنوات ( ‏‏1987 ـــــ 1993 ) ورغم تطور أسلوبها في ‏مواجهة قوات القمع الصهيونيّة من استعمال ‏الحجارة إلى المقاومة المسلحة ، ورغم أعداد ‏الشهداء المرتفع ( 1300 شهيد ) مقابل 160 ‏قتيلا من الصهاينة .

ورغم المجازر التي ‏ارتكبها الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيّين ‏العزّل وسياسة تكسير العظام التي سلكتها في ‏تلك الفترة أجهزته القمعيّة وتحت أنظار وسائل ‏الإعلام العالمية التي سجلت عديد المشاهد ‏لعمليات كسر أيدي الفلسطينيين حتى لا ‏يتمكنوا مستقبلا من استعمال سلاح الحجارة ‏للتصدي لهم .

ورغم آلاف الأسرى والجرحى ‏والمهجّرين ، فقد تمّت المتاجرة بكل تضحيات ‏الفلسطينيين وبدمائهم ومعاناتهم في إطار ‏صفقة بين القيادات الرجعية الفلسطينية ‏المدعومة بالأنظمة العربية العميلة خدمة ‏لمصالح العدو الصهيوني ومن ورائه ‏الإمبرياليّة الأمريكيّة في إطار اتّفاقيّة ” أوسلو ‏‏” التي تـــــــمّ توقيعهــــــا في 13-09-1993 ‏بالحديقة الجنوبيّة للبيت الأبيض الأمريكي ‏وبحضور جورج بوش الإبن والتي انتهت ‏بالمصافحة المكشوفة بين ياسر عرفات ‏والإرهابي إسحاق رابين وهو ما مثل اعترافا ‏علنيّا بالمحتل الصهيوني والقبول بتواجده على ‏الأرض الفلسطينيّة .

لقـد تضمّنت مقدّمة ‏إتّفاقيّـــة الإذلال هذه مــا يلي : ” تتّفق ‏حكومة إسرائيل والفريق الفلسطيني في الوفد ‏الأردني الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر ‏السلام حول الشرق الأوسط ممثّل الشعب ‏الفلسطيني أنّه آن الأوان لوضح حدّ لعقود من ‏المواجهات والصّراع والإعتراف المتبادل ‏لحقوقهما السياسيّة والشرعيّة ولتحقيق تعايش ‏سلمي وكرامة وأمن متبادلين والوصول إلى ‏تسويّة سلميّة عادلة وشاملة ودائمة ومصالحة ‏تاريخيّة من خلال العمليّة السياسيّة المتّفق ‏عليها ، وعليه يتّفق الطرفان على المبادئ ‏التاليّة ” وأهمّ ما تضمنته هذه الإتفاقيّة هو ‏انسحاب الكيان الصهيوني من غزّة وأريحا ‏واعتراف منظمة التحرير الفلسطينيّة بقيادة ‏عرفات بحـــقّ ” إسرائيل ” في الوجود مع ‏تخليها عن ” الإرهاب ” أي عن المقاومة ‏المسلّحة للمحتلّ مع التزام العدوّ الصهيوني ‏بإيجاد حلّ سلميّ للنزاع واعترافه بمنظمة ‏التحرير الفلسطينيّة كممثّل للشؤون الفلسطينيّة ‏، كاعترافه واعتراف الإمبرياليّة الأمريكيّة ‏بسكان الضفّة والقطاع والقدس على أنّهم جزء ‏من الشعب الفلسطيني وليسوا أردنيين . ‏
لقد كانت نتائج انتفاضة الحجارة مخيّبة لآمال ‏وطموحات الجماهير الشعبيّة ومتناقضة مع ‏مطالبها التي رفعتها خلالها رغم ما قدّمته من ‏تضحيات كبيرة منها بالأساس 1300 شهيد ‏من بينهم حوالي 241 طفلا وجرح وإصابة ‏حوالي 90 ألفا واعتقال حوالي 15 ألفا وتدمير ‏ونسف حولي 1228 من منازلها واقتلاع ‏حوالي 140 ألف شجرة من حقولها ومزارعها ‏بل لنقل أنّها لم تجن منها سوى المزيد من ‏التقتيل والتشريد والأسر ممّا دفع الكيان ‏الصهيوني إلى افتتاح سجن جديد بصحراء ‏النقب لاستيعاب الأعداد الغفيرة من الأسرى ‏الجدد . كما أنّ القدس لم تعد للفلسطينيّين ‏واللذين لم يتحقق لهم مطلب تقرير مصيرهم ‏الذي بقيت تتحكّم فيه الصهيونيّة والإمبرياليّة ‏العالميّة بقيادة أمريكا بدعم من الرجعية ‏العربية العميلة ، كما لم يتمّ تفكيك ‏المستوطنات بل تسارع نسق زرعها في عدّة ‏أماكن من الأرض العربية الفلسطينيّة مع ‏ازدياد وتيرة المحاكمات الصورية .‏

لقد نتج عن انتفاضة الحجارة تفويض العدو ‏الصهيوني لجزء من سلطته وتقسيمها بين ‏ربيبته حركة حماس داخل قطاع غزّة وحركة ‏فتح في الضفّة للقيام بدور الشرطي لتأمين ‏حــدوده ولإذكاء الصراع ” الفلسطيني ‏الفلسطيني ” ، فاستغلت حركة حماس هذا ‏التفويض والدعم المالي الكبير الذي تتلقاه من ‏عدّة جهات خاصّة الرجعيات العربية في ‏الإنتشار داخل غزّة عبر تقديم المساعدات ‏العينية لعائلات الأسرى والشهداء لضمهم ‏لصفوفها وحشد الأنصار من خلال ما تروّجه ‏عن تعارض مواقفها مع مواقف منظمة ‏التحرير الفلسطينية .

كما استغلّت الشعور ‏الديني لتحوّل الصراع في فلسطين المحتلّة من ‏قضية تحرر وطني ديمقراطي هدفه تحرير ‏الأرض العربية في فلسطين وطرد المحتل ‏وجميع أعوانه إلى صراع ديني بين ” اليهود ‏والمسلمين ” هدفه الإبقاء على المعالم الدينية ‏وبالأساس المسجد الأقصى بالقدس المحتلة ‏تحت تصرفها لا غير .

وبالرغم من النتائج ‏الكارثيّة لهذه الإنتفاضة فقد تنصل الكيان ‏الصهيوني حتّى من أبسط التزاماته فعمّ ‏الإحباط في صفوف الجماهير الشعبيّة التي ‏حاولت الرجعيّة الفلسطينيّة إيهامها ” ‏بالمكتسبات التي حققتها من خلال اتّفاقيّة ‏أوسلو ” واقتنعت وأنّ ما ورد بهذا لا يعدو أن ‏يكون سوى ذرّ الرماد على العيون أو لنقل هو ‏حبر على ورق لا غير لأنّ الكيان الصهيوني ‏لم يسع لتطبيق ” الحل النهائي ” لأنّه لم يكتف ‏‏” بالأرض مقابل السلام ” بل كان يطمح ‏لتحقيق تنازلات أخرى فجمّد المفاوضات مع ‏منظمة التحرير الفلسطينيّة مع استمراره في ‏ممارسة الإغتيالات والإعتقالات ‏واالإجتياحات للمناطق التي توجد تحت ” ‏سيطرة السلطة الفلسطينية ” ، كما رفض ‏الإفراج عن الأسرى واستمر في مصادرة ‏الأراضي وإقامة المستوطنات بها . هذا ‏الوضع العام المتأزّم استغلته حركة حماس كما ‏يجب في تطوير قواها الذاتيّة ولفّ المزيد من ‏الجماهير حولها تحت يافطة مناهضتها لاتفاقية ‏أوسلو وعدم اعترافها بنتائجها واختلافها مع ‏منظمة التحرير حولها .


وفي ظلّ هذا الوضع المنبئ بالإنفجار بين ‏الفينة والأخرى ، عمد الإرهابي أريل شارون ‏وفي خطوة استفزازيّة إلى اقتحام المسجد ‏الأقصى والتجوال في ساحاته معبّرا عن كونه ‏سيبقى ” منطقة إسرائيليّة ” ممّا أثار سخط ‏المصلّين الذين تصدّوا له فاندلعت مواجهات ‏بينهم وبين جنود الإحتلال في ساحات المسجد ‏فاستشهد 07 منهم وجرح حوالي 250 بينما ‏أصيب 13 جنديا صهيونيّا ، ومثّلت هذه ‏المواجهات بداية انتفاضة الأقصى التي اندلعت ‏في 28-09-2000 لتنتهي في 08-02-‏‏2005 باتفاق هدنة أبرمت في قمّة شرم ‏الشيخ بين محمود عبّاس وأريل شارون ، كما ‏مثّلت هذه الخطوة التي خطاها الإرهابي ‏شارون فرصة سانحة لحركة حماس لتقديم ‏نفسها للجماهير الفلسطينيّة بكونها المدافعة ‏الأولى عن المسجد الأقصى ولتعمل ما في ‏وسعها لقيادة المنتفضين وتوجيههم الوجهة ‏التي تختارها في مسعى لبسط سيطرتها على ‏غزّة .


لقد مرّت انتفاضة الأقصى بعدّة مراحل من ‏خلال تنوّع المواجهات مع العدوّ الصهيوني ‏وتطوّرها فمثّلت بدايتها هبّة شعبيّة في أغلب ‏القرى والتجمعات السكانية والمدن شارك فيها ‏أغلب الفلسطينيّين ثمّ انتقلت إلى الإحتكاك ‏المباشر مع جنود الإحتلال على مداخل المدن ‏والبلدات برمي الحجارة التي قابلها الصهاينة ‏بقوّة الحديد والنار ممّا أدّى إلى استشهاد العديد ‏من الفلسطينيين العزل لتمرّ إثر ذلك إلى ‏مرحلة المواجهة بالأسلحة بين بعض عناصر ‏المقاومة المسلحة والجنود الصهاينة خاصة مع ‏تدخّل بعض الفصائل الفلسطينيّة وعبر ‏أجهزتها العسكريّة في عمليّات كرّ وفرّ بينها ‏وبين أجهزة القمع الصهيونيّة لتتّسع رقعة ‏المواجه المسلّحة وتتطوّر أساليب المقاومة ‏لتطال الجنود الصهاينة والمستوطنين على ‏الحواجز والشوارع الرئيسيّة ، إلى جانب ‏اقتحام المستوطنات وتنفيذ عمليّات عسكريّة ‏داخلها ممّا أدخل الخوف والرعب في صفوف ‏شاغليها نتيجة للخسائر البشريّة التي تكبدوها ‏خاصّة مع استمرار الإنتفاضة وتمكّن الفصائل ‏الفلسطينيّة من تشكيل مجموعات مسلّحة في ‏معظم المدن الفلسطينيّة مع تطوّر أدائها وتغيّر ‏تكتيكاتها الميدانيّة من خلال العمليّات ‏الإستشهاديّة التي طالت الحافلات والمطاعم ‏والفنادق وإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون إذ ‏أطلق في 20-10-2002 أول صاروخ من ‏نـــــــــــوع ” قسّام ” من غزّة لتصل فيما بعد ‏هذه الصواريخ إلى جميع المستوطنات ‏المحيطة بغزّة خاصّة وأنّ أغلب الفصائل ‏الفلسطينيّة أصبحت لها صواريخها الخاصة ‏بها ( القسام لحماس ، القدس للجهاد الإسلامي ‏، صمود للجبهة الشعبية وناصر للمقاومة ‏الشعبيّة ) .


ورغم تطور نهج المقاومة المسلحة في ‏المرحلة الأخيرة من الإنتفاضة وبروز بعض ‏التنظيمات الفلسطينيّة المرتبطة به ( لجان ‏المقاومة الشعبية ) وتمكنها من تفجير دبابة ‏المركافا بوصفها أقوى دبابة لدى الصهاينة ‏وفي الشرق الأوسط والقضاء على حوالي 58 ‏جنديا صهيونيا وجرح 142 في معركة مخيم ‏جنين واغتيال وزير السياحة رحبعام زئيفي ‏والقضاء على قائد وحدة الهبوط المظلّي ‏الصهيوني ، فقد تمّ وأد هذه الإنتفاضة وإيقافها ‏بجرّة قلم في قمّة شرم الشيخ برعاية النظام ‏المصري العميل والتي تمّ إمضاؤها في 08-‏‏02-2005 بين محمود عبّاس وشارون رغم ‏كلّ تلك التضحيات التي قدّمها الفلسطينيّون ‏على مدى تلك السنوات الخمس والمتمثلة ‏بالأساس في سقوط حوالي 4412 شهيدا ‏و48322 جريحا إلى جانب تصفية معظم ‏الصف الأول من الكوادر الفلسطينيّة ( اغتيال ‏الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس وعبد ‏العزيز الرنتيسي القيادي بها وأبو علي ‏مصطفى أمين عام الجبهة الشعبيّة لتحرير ‏فلسطين ورائد الكرمي قائد الجناح المسلح ‏لحركة التحرير ) ومحاصرة مقر ياسر عرفات ‏وتسميمه واغتيال الشهيد محمد الدرّة الطفل ‏البالغ من العمر 11 سنة تحت أنظار والده ‏والذي انتشرت صورته في جميع أنحاء العالم ‏لتكشف لهم عن هول الفظاعات التي يرتكبها ‏الصهاينة في حقّ الفلسطينيين وكيفيّة تعاملهم ‏مع العزل منهم وقتلهم بدم بارد مع تدمير ‏البنية التحتيّة وجلّ المؤسسات الفلسطينيّة ‏مقابل “الإنسحاب ” الصهيوني من غزّة ‏ومصادرة أجزاء جديدة من الأرض العربية ‏في فلسطين المحتلة لإقامة جدار الفصل ‏العنصري لتأمين المستوطنات ومزيد حمايتها ‏‏.‏

إنّ تطوّر أشكال المقاومة المسلّحة وتوصلها ‏إلى تطوير أسلحتها بقدر ما أدخل الرعب في ‏صفوف المستوطنين والجنود الصهاينة ، بقدر ‏ما أرعب القيادات الفلسطينية العميلة وكذلك ‏الأنظمة العربية الرجعيّة لأنّ استمرارها ‏أصبح يهدّد مصالحها ومصالح حلفائها ممّا ‏حتّم عليها ضرورة إيقافها . لقد بيّنت هذه ‏الإنتفاضة كسابقتها مدى استعداد الجماهير ‏الشعبيّة لمقاومة محتلّها وتطوير أساليب ‏مقاومتها المسلّحة متى ارتبطت بقيادة تنتهج ‏هذا النهج ، غير أنّ الرجعيّة الليبيراليّة ‏والدينيّة التي تستغل الإنتفاضات كجسر للعبور ‏لجر العدوّ للتفاوض معها وعقد الصفقات ‏المشبوهة معه برعاية الأنظمة العربيّة العميلة ‏التي تتبارى فيما بينها في تطبيق إملاءات ‏أسيادها الإمبرياليين ضاربة عرض الحائط ‏بكل التضحيات التي قدمتها ومازالت تقدّمها ‏الجماهير‎ ‎الشعبيّة في فلسطين المحتلّة ، ‏فرضت هذه الحلول الإستسلاميّة على هذه ‏الجماهير التي زاد وضعها سوءا خاصة مع ‏كثرة القيود التي تفرضها عليها السلطات ‏الرجعيّـة سواء في غزّة أو في الضفّة وذلك ‏بتضييق الخناق عليها والحدّ من حريّة تصدّيها ‏للمحتلّ .


إنّ الجماهير الشعبيّة التي لم تفرز عبر نضالها ‏المستمر قيادة ثوريّة تؤطّر تحركاتها وتقودها ‏نحو أهدافها المرسومة ، تظلّ عرضة ‏للإحتواء من قبل الأطراف الرجعيّة التي ‏تحاول بكلّ الطرق الممكنة حرف نضالها عن ‏وجهته الحقيقيّة واستغلاله في تنفيذ مشاريعها ‏ومخطّطاتها المتعارضة مع تطلّعاتها .

لقد ‏أدركت حركة حماس أنّ منسوب الغضب ‏الجماهيري ضدّ سياساتها المتبعة في قطاع ‏غزّة وسياسة فتح في الضفّة في ارتفاع جرّاء ‏تردّي الأوضاع الإقتصاديّة والسياسيّة ‏والإجتماعيّة فتحيّنت الفرصة لتوجيهه نحو ‏العدوّ الصهيوني ولو آنيّا لا لغاية مقاومة ‏المحتلّ بل لدعوته للتفاوض معها حول شروط ‏رفع الحصار عن غزّة وهو ما أكّده هنيّة في ‏المؤتمر الدولي لدعم الإنتفاضة الذي نظّمته ” ‏الهيئة الوطنيّة العليا لمسيرات العودة ” ‏بمناسبة يوم القدس العالمي ” أنّ حركته أي ‏حركة حماس مستعدّة للتّعاطي إيجابيّا مع كلّ ‏مبادرة حقيقيّة تنهي الحصار الإسرائيلي ‏المفروض على قطاع غزّة منذ أكثر من 10 ‏سنوات ” كما أضاف بأنّ ” مسيرات العودة ‏هي الخيار الأمثل لهذه المرحلة ” .

استغلّت ‏إذن حركة حماس الذكرى السنويّة لإحياء يوم ‏الأرض الذي يوافق يوم الثلاثين من شهر ‏مارس من كل سنة وهو التاريخ الذي ارتكب ‏فيه العدو الصهيوني سنة 1976 مجزرة في ‏حق الفلسطينيين العزّل لإرغامهم على هجرة ‏أراضيهم والتخلي عنها بقوّة السلاح لفائدة ‏المستوطنين ، للزجّ بآلاف الفلسطينيين العزّل ‏في مواجهة آلة القمع الصهيونيّة الذين ‏تظاهروا قرب الجدار العازل مطالبين بحقّ ‏العودة إلى ديارهم ومزارعهم .

وكان ردّ ‏الكيان الصهيوني كالعادة قاسيا إذ أعلن ‏المناطق المتاخمة للحدود مع غزّة مناطق ‏عسكريّة مغلقة ونشر فيها تعزيزات كبيرة من ‏الجيش مع تركيز 100 قنّاص على السياج ‏وتصدّى لمسيرات ” العودة ” التي عبرت عن ‏حلم ظلّ يراود الفلسطينيين بالحديد والنار إذ ‏سقط 16 شهيدا ومئات الجرحى ممّا زاد في ‏تأجيج الأوضاع و اتساع رقعة الإحتجاجات ‏انطلاقا من يــــــوم 31-03-2018 الذي أقرّ ‏يوم حداد وذلك بانضمام آلاف المنتفضين لهذه ‏التحركات و التحاقهم بالإعتصامات قرب ‏الجدار العازل أين تمّ نصب الخيام وهو ما ‏عبّرت عنه إحدى صحف الكيان الصهيوني ‏في تعليق لها على ذلك بالقول : ” إنّه بدلا من ‏أن يكون عدد القتلى والجرحى الفلسطينيين ‏رادعا للمتظاهرين فقد شكّل عاملا دافعا لهم ‏للإنتقام وزيادة أعدادهم للتظاهر ” . لقد كان ‏لزاما على حركة حماس العمل على استمرار ‏المسيرات أطول مدّة ممكنة إذ أعلن خالد ‏البطش رئيس الهيئة العليا لمسيرة العودة في ‏مؤتمر صحفي : ” نعلن أنّ اليوم هو يوم ‏البداية وسنواصل الإعتصام والتظاهر وندعو ‏شعبنا إلى الإستمرار وصولا إلى يوم الزحف ‏العظيم في 15 ماي الذي يصادف الذكرى ‏السبعين للنكبة ” . كما مثّل أيضا قرار إدارة ‏الإمبريالية الأمريكية نقل سفارتها في مرحلة ‏أولى إلى القدس المحتلّة واحتفالها في مرحلة ‏ثانيّة بعمليّة النقل وتركيز السفارة في المقرّ ‏الجديد دافعا إضافيّا لاستمرار هذه المسيرات ‏والمواجهات مع قوى القمع الصهيونيّة .


لقد دفعت حركة حماس بآلاف الفلسطينيين ‏العزل للتصدي لآلة القمع الصهيونيّة ممّا أسفر ‏عن استشهاد حوالي 200 وجرح 22 ألف ، ‏هدفها في ذلك عقد صفقة جديدة مع المحتل ‏لتخفيف الحصار المفروض على غزّة لا ‏لتحريرها وباقي الأرض الفلسطينيّة وهو ما ‏عبّر عنه رئيس المكتب السياسي للحركة ‏إسماعيل هنيّة في خطبة عيد الإضحى الفارط ‏بقوله : ” إنّنا نسير إن شاء الله في طريقنا نحو ‏إنهاء الحصار الظالم عن غزّة دون التخلّي عن ‏الثوابت الوطنيّة .. أستشعر في هذا العيد أنّ ‏هناك خيرا قادما إن شاء الله لشعبنا ونحن بتنا ‏قاب قوسين أو أدنى من طيّ صفحة هذا ‏الحصار الظالم .. ” .

لقد ارتبطت هذه الأماني ‏التي عبّر عنها هنيّة بمباحثات تجري في تلك ‏الفترة في القاهرة بشأن تهدئة طويلة الأمد بين ‏حركة حماس والإحتلال الصهيوني برعاية ‏وتوسّط النظام المصري ومنسق الأمم المتّحدة ‏الخاص لعمليّة السلام في الشرق الأوسط ‏نيكولاي ملادينوف ، الأمر الذي يؤكّده نائب ‏رئيس الحركة بغزّة خليل الحيّة بقوله : ” ‏الجهود المصريّة والأمميّة والقطريّة الرّاميّة ‏إلى إتمام اتّفـاق تهدئة مع إسرائيل وصلت إلى ‏مراحلها النهائيّة ” كما أضاف ” الحديث في ‏اتّفــــــــــــاق التهــدئة قائم على تفاهمات العام ‏‏2014 “، غير أنّ هذه المفاوضات توقّفت مع ‏عطلة عيد الإضحى وتعطّلت بتدخّل من حركة ‏فتح وبعض الأطراف العربيّة التي أكّدت على ‏ضرورة تطبيق تفاهمات 22-04- 2014 التي ‏تنصّ على إنهاء مرحلة الإنقسام الفلسطيني ‏باتّفاق حركة حماس الإسلاميّة ومنظمة ‏التحرير الفلسطينية فتح من حيث المبدأ على ‏تشكيل حكومة موحّدة وإجراء انتخابات رئاسيّة ‏وبرلمانيّة قبل نهاية عام 2014 والتي لم تتمّ ‏في تلك الفترة والتي تمّ طرحها حاليّا كشرط ‏لتحقيق الهدنة . لقد أعلم النظام المصري الذي ‏كان يرعى جهود التهدئة بين حركة حماس ‏والكيان الصهيوني بشأن قطاع غزّة مسؤولي ‏حماس بأنّه لا بدّ من إتمام المصالحة ‏الفلسطينيّة ( إقرأ المصالحة بين حماس وفتح ) ‏قبل الحديث عن أيّ ملفّ آخر . ‏

لقد بيّنت لنا الوقائع المذكورة وأنّ الرجعيّة ‏الفلسطينيّة بكل تلويناتها بصدد التلاعب ‏بحقوق الفلسطينيين الذين تستنفرهم وتجندهم ‏وقت الحاجة لا لغاية تحرير الأرض المحتلة ‏بل لعقد الصفقات المشبوهة . هذه الرجعيات ‏التي أصبحت تتسابق لتقديم جزء هام من ‏الأرض العربية في فلسطين للعدوّ الصهيوني ‏مقابل تكليفها من قبل المحتل ببعض المهام ‏القذرة المتمثّلة بالأساس في وأد نهج المقاومة ‏المسلّحة ومحاصرة كلّ نفس ثوري طرح أو ‏يطرح مهامّ تحرير الأرض .

لقد سعت ‏الرجعيّات الليبيراليّة والدينيّة للترويج للحلول ‏الإستسلاميّة المرتكزة بالأساس على مبدإ ” ‏الأرض مقابل السلام ” وحاولت طمس معالم ‏الثقافة الثوريّة التي كانت تتغنّى بالمقاومة ‏المسلّحة وتشيد بمواجهاتها مع العدوّ ‏واستبسالها في الدفاع عن الأرض خاصّة ‏أواخر الستينات وخلال السبعينات من القرن ‏الماضي التي انتشرت فيها الأغاني الثوريّة في ‏أرجاء الوطن العربي مثل ” لوّحنا على ‏القواعد لوّحنا برصاصنا خذنا الموت وما هبنا ‏ونفذنا العمليّة وروحنا … فدائيّ وكل ‏الجماهير فدائيّ وتعوّدنا على الموت ‏والتضحيّة وهذه هيّ طريقنا وعنها ما نتوه ‏‏…، طالعلك يا عدوّي طالع من كلّ بيت ‏وحارة وشارع بسلاحي وإيماني طالعلك حربنا ‏حرب الشوارع … وبقيادتنا الثوريّة أعلنّا ‏الحرب الشعبيّة …، كلاشنكوف خلّي ‏رصاصك في العالي ما فيه خوف طول ما ‏رصاصك في العالي … إلى جانب العديد من ‏الأغاني الأخرى ، انتشار النار في الهشيم ‏ومثّلت طريقة مثلى للتعريف بقضيّة التحرّر ‏الوطني الفلسطينيّة خاصّة لدى الشبيبة ممّا دفع ‏بالعديد منهم إلى الإلتحاق بالمقاومة المسلّحة ‏والقتال ضمن صفوفها . ‏

لقد أثبتت لنا الوقائع أيضا وأنّ الإنتفاضات لم ‏ولن تحقّق للمنتفضين مطالبهم عندما ترتبط ‏بقيادات رجعيّة همّها الوحيد تحسين شروط ‏التفاوض مع الإكتفاء ببعض الفتات الذي يجود ‏به العدو أو ببعض التنازلات خاصة في ‏المسائل المرتبطة بقضايا التحرّر الوطني لأنّ ‏الرجعيّة ستعمل بالضرورة على عرقلة أيّ ‏مبادرة لتطويّر الإنتفاضة بالسعي لتخريبها من ‏الداخل حين تشعر بأنّ قادتها خرجوا عن ‏سيطرتها . ففي فلسطين المحتلة ورغم كل هذه ‏الإنتفاضات ورغم زخمها الجماهيري ‏واستمرارها لعدّة سنوات لم تتحقق مطالب ‏المنتفضين فلم تتوقف عمليّة مصادرة ‏الأراضي وتشريد أصحابها وتهجيرهم ، كما ‏لم تتوقف لا الإغتيالات ولا الإعتقالات اليوميّة ‏للفلسطينيين ولا انتهاكات حقوقهم ، كما لم ‏تتحرر أرضهم من الإستعمار الذي ما يزال ‏جاثما فوق صدورهم ممّا يحتّم البحث عن ‏بديل آخرّ تنتهي معه معاناتهم اليوميّة ويحقّق ‏لهم حلم العودة إلى ديارهم وبساتينهم ويحرّر ‏أرضهم بصفة نهائيّة .

إنّ هذا البديل يكمن في ‏تجسيد الشعار الداعي لتحويل الإنتفاضة إلى ‏حرب شعبيّة طويلة المدى ، غير أن تجسيد ‏هذا الشعار يقتضي وجود قيادة ثوريّة متسلّحة ‏بالنظريّة الثوريّة وقادرة على لفّ الجماهير ‏حولها وتطوير قدراتها الذاتيّة وتصليب عودها ‏وتكوين نواة لجيش الشعب الثوري وإنشاء ‏مناطق الإرتكاز المتغيّرة في الأرياف والقرى ‏الفلسطينيّة التي تتّسم بضعف تواجد العدوّ ‏الصهيوني والرجعيّة الفلسطينيّة لتكون منطلقا ‏للهجمات على العدو وملاذا للتخفّي ومصدرا ‏لمدّ الجيش الشعبي بعناصر جديدة .

إنّ ‏تحرير فلسطين لن يتمّ لا بالتفاوض ولا ‏بالإنتفاضات ولا بقيادات رجعية بل بحرب ‏الشعب طويلة الأمد بقيادة ثوريّة تسعى إلى ‏تحصين أيّ شبر من الأرض العربية في ‏فلسطين المحتلّة حالّ تحريره وتدعيمه إلى ‏حين تحقيق الهدف المنشود ألا وهو طرد ‏الغزاة وتحرير كامل الأرض وبناء سلطة ‏الديمقرطيّة الشعبيّة ذات الأفق الإشتراكي ، ‏فحرب الشعب أثبتت وتثبت حاليا جدواها في ‏المستعمرات وأشباه المستعمرات وعن طريقها ‏تحررت الصين الشعبيّة بقيادة ماوتسي تونغ ‏وتمارس الآن في الهند والبيرو والفليبين ‏وتحقق انتصارات مهمّة على أعداء العمّال ‏والفلاحين فلنرفع إذن شعار لنحوّل الإنتفاضة ‏الحاليّة في فلسطين المحتلّة إلى حرب شعبيّة ‏طويلة الأمد ولتتخلّص الجماهير الشعبيّة من ‏القيادات الرجعيّة التي تتاجر بحقوقها ‏المشروعة.‏

 

المصدر : قناة الكادحين 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.