لمحة عابرة عن الاستعمار الجديد

0 498

لمحة عابر عن الاستعمار الجديد

أن الاستعمار يعني إقدام دولة أقوى نسبيّاً على حكم واستغلال منطقة أو دولة، أضعف نسبيّاً منها، سواء عبر الاحتلال العسكري المباشر أو الاحتلال السياسي (الاستعمار غير المباشر)، وهذه الظاهرة قديمة – قدم البشر والدول، وإن اختلفت أشكالها وأساليبها من زمن إلى آخر، لكن ظاهرة الاستعمار ارتبطت في العصر الحديث والمعاصر بحركة التوسع الأوروبي والغربي في مناطق العالم النامي (الجنوب).

منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي، بدأ الأوروبيون يستعمرون بالقوة المسلحة مناطق عديدة وشاسعة في العالم النامي، ويخضعونها مباشرة لحكمهم بهدف استغلال إمكانات هذه المناطق المختلفة لصالح المستعمر الغربي. وقد أدت ظروف الحرب العالمية الثانية، وقيام هيئة الأمم المتحدة بميثاقها الذي يدعو ضمن ما يدعو إليه إلى تصفية الاستعمار وضمان حق تقرير المصير لشعوب العالم – أو كما يقولون -أدت إلى توقف هذه الحركة الاستعمارية، إذ نتج عن ذلك، وعن رفض الاستعمار واستنكاره، حركة تصفية كبرى لهذا الاستعمار الذي كان يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر لبعض الدول والبلدان، وحكمها مباشرة لصالح المستعمِر (بكسر الميم الثانية) والذي يشار إليه – الآن – في أدبيات العلاقات الدولية بـ (الاستعمار القديم).

وهكذا، ولى عهد الاستعمار القديم، وبدأ عصر (الاعتماد المتبادل)، وترابط مصالح دول العالم، ومؤخراً (العولمة)، لكن بدأ منذ الستينات من القرن العشرين استعمار من نوع آخر، عرف بـ (الاستعمار الجديد) الذي بات امتداداً لسلفه سيئ الذكر (الاستعمار القديم)، بل ثبت أن الاستعمار الجديد أشرس وأسوأ كثيراً من سابقه بالنسبة لمن ينزل بهم. وسنلقي فيما يلي بعض الضوء على هذا الاستعمار الجديد محاولين كشف أهم ملامحه.

يعرف الاستعمار الجديد(Neocolonialism) أو الإمبريالية (Imperialism)، كما يشير البعض إليه، بأنه سيطرة دولة أقوى نسبيّاً على بلد وسكانه، وإخضاع مقدرات ذلك البلد لإرادة القوى الأجنبية واستغلال إمكاناتها المختلفة لصالح الدولة المهيمنة. ويرى بعض الكتّاب أن (الإمبريالية) تعتبر استعماراً غير مباشر أو استعماراً مخففاً أو شبه خفي، لأن الإمبريالية تعني فرض الهيمنة السياسية، بما يتبعها من سيطرة اقتصادية واجتماعية.

إن مدى قوة ونفوذ دول العالم، يتفاوت بالطبع من دولة إلى أخرى، فهناك دائماً دول أقوى وأكثر نفوذاً من غيرها، وبالتالي، فإن الدول الأقوى تكون بالطبع أقدر على ممارسة الهيمنة على الأضعف منها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية بما فيها الثقافية والأمنية (العسكرية) متى أرادت.

إن وجود دول أقوى ودول أضعف لا يؤدي بالضرورة إلى نشوء (الإمبريالية) الاستعمار، ما لم يعمد الأقوى إلى السيطرة على بلدان أخرى، وإقامة علاقات (سيد – مسود) معها إن لم يجد مقاومة تذكر. إذ إن تحقيق هذه الرغبة الاستعمارية يصعب عندما توجد مقاومة (وطنية) فعالة، وتسهل إن لم توجد مثل هذه المقاومة، أو وجد تواطؤ بين الاستعمار وبعض القوى المحلية المؤثرة.

يظل الاستعمار السياسي (الجديد) هو أخطر وأسوأ أنواع الغزو وهناك من حيث مدى قوة أية دولة على الساحة الدولية معايير تستخدم لتصنيف دول العالم، وأهمها:

طبيعة النظام السياسي القائم بالدولة، الموقع الجغرافي والطبوغرافي، نوع وكم السكان الموارد الطبيعية، الإمكانات التقنية والصناعية، القوة المسلحة، وبناء على ذلك، تقسم دول العالم إلى سبعة أنواع، هي بالترتيب التنازلي:

 الدولة العظمى، الكبرى، الكبيرة، المتوسطة، الصغيرة، الصغرى، الدويلة. ولا شك في أن تأثير الدولة العظمى في العلاقات الدولية (وقدرتها على تحقيق أهداف سياساتها الخارجية، بالتالي) أكبر من تأثير وقدرة الدولة الكبرى، وتأثير الكبرى أكبر من تأثير وقدرة الكبيرة، وهكذا.

ومن حيث مدى تحكم الأقوى نسبياً في غيره من الدول الأضعف نسبياً فإن مدى التحكم هذا يتفاوت من حالة إلى أخرى، إذ يعتمد على عوامل عدة، أهمها مدى مقاومة النظام السياسي المعني لهيمنة الأجانب، وأيضاً مدى وعي الشعوب المعنية وحرصها على حقوقها. وهناك من يتحدث عن أربعة أوضاع في هذا الشأن للأضعف نسبياً، هي:

* الخضوع التام: حيث يصادر الأقوى إرادة الأضعف تماماً، ويملي على الأخير أغلب سياساته الخارجية، بل الداخلية المهمة.

* التبعية: حيث تصبح المستعمرة تابعة في سياساتها كلها للمستعمر رغم استقلالها القانوني الظاهر.

* الحماية: ضد أخطار معينة أو محتملة مقابل تنازلات معينة ومحدودة، من دون التدخل في الشؤون الداخلية للدولة الأضعف.

* تحالف الأنداد: لخدمة مصالح مشتركة مع تساو في الحقوق والواجبات فيما بين أطراف التحالف.

ولعل أهم ما يدفع أية دولة لممارسة الإمبريالية هو قدرتها النسبية على الهيمنة على آخرين لتحقيق واحد أو أكثر من الأهداف التالية:

1 -الهدف الاقتصادي: المتمثل في فتح أسواق جديدة لمنتجاتها، والحصول على ثروات وموارد طبيعية ومواد خام بأقل تكلفة ممكنة.

2 -الهدف الأمني: وغالباً ما يتمثل في تأمين إقليمها عبر السيطرة على بلاد ذات موقع استراتيجي مؤثر بالنسبة لها، والانطلاق من ذلك الموقع ضد مناوئيها.

3 -تحقيق بعض (الوجاهة) الدولية، وسمعة الدولة القادرة دوليّاً.

4 -الهدف الإنساني والتثقيفي: ويتجسد في محاولة تقديم عون لشعب منطقة ما معينة أو نشر ثقافة وعقيدة القوى فيها، بما يحقق للأخير تبعية الأضعف نسبيّاً في المدى الطويل، وهذا أقل الأهداف أهمية وإلحاحاً بالنسبة للدول الإمبريالية.

لقد ساهم الاستعمار القديم في بناء بعض عناصر البنى التحتية في مستعمراته السابقة. كما نشر – عن غير قصد -الكثير من المبادئ والأفكار الإيجابية، مثل: الوعي بضرورة النمو والتنمية، وحتمية الاهتمام بالصحة والتعليم، وضرورة التنظيم والحكم الجيدين في إطار قانوني بناء وغير ذلك، وهذه الأفكار والمبادئ تمثل طموحات كل شعوب دول العالم، وخاصة العالم النامي.

لكن هذه الإيجابية تكاد لا تذكر أمام السلبيات الضخمة التي تمخضت عن الاستعمار بنوعيه (الجديد والقديم) بالنسبة للدول النامية خاصة، فالاستعمار يأخذ من هذه البلدان أضعاف ما قد يعطيها. كما أن الاستعمار الجديد يحاول في الغالب عدم نشر المبادئ الإيجابية التي من شأن تبني المستعمرين لها أن ترفع من شأنهم أو تقوي موقفهم تجاه الغزاة والمهيمنين، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

ويتحدث بعض علماء السياسة الأمريكيين وغيرهم عن ثلاثة أنواع رئيسية من الاستعمار، هي: الاستعمار الاقتصادي والاستعمار الثقافي (الحضاري) والاستعمار السياسي، وقد عرفنا (الاستعمار السياسي) آنفاً، أما الاستعمار الاقتصادي، فيعرفونه بأنه تدخل دولة أجنبية في اقتصاديات دولة أخرى، بما يؤدي إلى سيطرة الأولى على ذلك الاقتصاد، وفقدان الدولة الأضعف لسيادتها الفعلية.

 وغالباً ما تستخدم رؤوس الأموال (الاستثمار) الأجنبية لتحقيق هذه السيطرة، ويقول بعض هؤلاء العلماء إن تنافس الدول الكبرى على الأسواق والمواد الخام والثروات الطبيعية الأخرى (في الجنوب) لحاجة هذه الدول الاقتصادية، يؤدي بالضرورة إلى تنشيط الحركة الإمبريالية (الاستعمارية).

أما (الاستعمار الثقافي) (Cultural Imperialism) فيعني فرض قيم وتقاليد ومعتقدات حضارية أجنبية معينة على مجتمع ما، وتتم الهيمنة الثقافية (أو الغزو الثقافي) عبر نشر ثقافة ولغة وقيم الأقوى بطرق شتى، أهمها الاتصالات (الإعلام والإنترنت) والسياحة والتجارة والتبادل الثقافي. وغالباً ما يتم نشر الثقافة الأجنبية على حساب الثقافة المحلية، الأمر الذي قد يؤدي إلى طمس الأخيرة أو تراجعها، وإزاحتها من الصدارة الواجبة.

وأحياناً لا تعمل الدولة الأقوى على فرض قيمها وتقاليدها ومعتقداتها وحضارتها، لكن بعض الآخرين ربما يرغبون هم في تبني بعض القيم والمعتقدات. وطالما هم أرادوا ذلك، وبرغبتهم (ربما وهم في كامل قواهم العقلية) يصبح من غير المنطقي أن يسمى ذلك التشبه استعماراً ثقافيّاً، فهذا الغزو لا يصبح استعماراً إلا إذا فرض وضد رغبة من فرض عليهم.

وغالباً ما يقود الاستعماران الاقتصادي والثقافي إلى الاستعمار السياسي. كما أنه ينتج عن الاستعمار السياسي بالضرورة الاستعماران الاقتصادي والثقافي. وفي التحليل النهائي، يظل الاستعمار السياسي (الجديد) هو أخطر وأسوأ أنواع الغزو والاستعمار، لأن من اسُتعمِر (بضم الألف والتاء وكسر الميم) سياسيّاً، سيستعمر بالضرورة في بقية المجالات.

(الإمبريالية) تعني فرض الهيمنة السياسية بما يتبعها من سيطرة اقتصادية واجتماعية

قال أحد علماء السياسة الأمريكيين: (لقد خلّف الغول الكبير غولاً كاسراً وشرهاً)، ويصف ميلاد (الاستعمار الجديد) ونشوئه كـ (خلف) للاستعمار القديم. إن الغول الجديد لا يرحم من قدر لهم أن يكونوا من ضحاياه، وهو يضعفهم بشتى الوسائل كي يقعوا صيداً سهلا له. لقد تغير شكل وأسلوب الاستعمار فقط، أما جوهره فما زال كما كان في عهد الاستعمار القديم.

كان الاستعمار القديم صريحاً وواضحاً، يأتي بعساكره ومدافعه وبوارجه، ويحتل رقعة الأرض التي قدر لها أن تكون الفريسة، ولا يخرج إلا بإطلاق النار وحرب الميليشيات، وربما الصراخ من على منبر (الجمعية العامة) لمنظمة الأمم المتحدة، أما الاستعمار الجديد، فهو يخفى ويستشري، أي أنه غزو لا يُرى بعين العامة المجردة أو الجاهلة.

إن الاستعمار الجديد (ويتمثل في قلة قليلة معروفة من دول الغرب الحالي لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة) يعمل على إضعاف فرائسه المفضلة، بمختلف الوسائل والأساليب، والتي يأتي في مقدمتها الهيمنة غير المباشرة على إدارة البلدان الضحية، فيحقق أهدافه عبر وكلاء وعملاء وأهمها كما نوهنا:

1 -الحصول على خيرات المستعمرات المطلوبة بأقل تكلفة ممكنة.

2 -جعل هذه المستعمرات ومناطق النفوذ سوقاً مفتوحاً لتصريف بعض الفائض من منتجاتهK وتلك هي بصفة عامة أهم أهداف الاستعمار الجديد، نحو فرائسه، في العالم النامي خاصة.

وبما أن معظم دول العالم العربي وشرق آسيا تصنف ضمن مجموعة العالم النامي، فإن غالبية هذه البلدان قد تعرضت كغيرها للاستعمار القديم، وعانت منه – ولا تزال – تعاني الأمرّين، كما أن بعضاً منها يعاني الآن مُر الأمرين من الاستعمار الجديد (الخفي / المكشوف) … الذي يتبع سياساته الاستعمارية الرهيبة نحوها، حيث إن معظم العالم العربي يمثل بإمكاناته الطبيعية الهائلة منطقة مهمة وجذابة للأقوياء أو لنقل فريسة ثمينة، لا يستغرب أن يتسابق الصيادون (المستعمرون) على اقتناصها. وهذا ما يبدو أنه حصل ويحصل.

بقلم : صدقه بن يحيى فاضــــــــل

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.