الأسيرة سماح جرادات.. جسد مكبل وروح حرة ترقص على موسيقى باخ

0 253

يعمل الاحتلال بمكانيكا دبابة، يمكنك تخيّل ايقاعه الغوغائي، لا ايقاع أصلا؛ شريط مجنزر مصمم لسحق ودعس كل شيء، ركام مدبب أو حطام مقعّر، لا يهم، لا شيء يسلم في الطريق. التحطيم غاية ووسيلة. في مشهد بعيد تماما عن السوريالية، استباح الاحتلال هذه المرة جمال الفن والموسيقى، محاولا تلطيخ لوحة فلسطينية يانعة بوحشيته: سماح جرادات.موجهين بنادقهم نحوها، وهي نائمة كعادتها بجانب قطتها لوزة.

استغرب الجنود هول المنظر، فخطاب الحقد والكراهية الذي تجرّعه الجنود في تنشئتهم لا يحتمل مشهد فلسطينية تألف تربية قطة! تفاصيل الغرفة صادمة، مقتنياتها مختلفة: كمنجة، مفتاح الصول، نوتات موسيقية، وصورة لموسيقاها المفضل، يوهان باخ، وفوق كل هذا مكتبة صغيرة، تستدفء فيها قصص كنفانية، وروايات عالمية.

بتر الأحلام

اعتقلت سماح بعد ثلاثة أيام من تخرجها من جامعة بيرزيت، تخصص علم اجتماع. كانت قد حضّرت سيرتها الذاتية، للذهاب يوم السبت لمطاردة أحلامها وتصيد وظيفة، ولكن للاحتلال تخصص آخر:

بتر الأحلام لدى الشباب الفلسطيني باعتقالات جبانة، تباغتهم وهم في أوج عطائهم. في محاولة لكبح جماحها، وتسييج سمائها الحرة، كبّل الاحتلال أحلام سماح في السابع من أيلول 2019، واقتادها الى مركز التحقيق في المسكوبية في القدس المحتلة معصوبة العينين ومكبلة اليدين. خضعت سماح للتحقيق القاسي مدة 22 يوما، منعت خلالها من رؤية محاميها.

قبيل أيام من الاعتقال، كانت سماح تقرأ “الضوء الأزرق” لحسين البرغوثي، كتاب يغذي قارئه بروحانية عالية. فتاة في مقتبل العمر، وبدافعية عالية للحياة، تراهن على غد يحمل في طياته الأفضل، وتطمح لأن تكون محاضرة في جامعة بيرزيت، يطاردها الاحتلال غدها بالاحتجاز قسراً، ويخضعها لكل صنوف التعذيب الممنهج، ابتداء من التفتيش العاري الى العزل، ناهيك عن الحرمان من النوم والتعذيب النفسي. هكذا وصف والدها الأسير المحرر “خليل” ظروف اعتقال ابنته.

أن تتمم 22 عاما في أقبية التحقيق

بعد عشرة أيام فقط، أكملت سماح 22 عاما وهي في أقبية التحقيق. تحدثت والدتها عن مشاعرها وهي طاعنة في الحزن، “من المؤلم الاحتفال بيوم ميلاد ابنتك وهي رهن الاعتقال في مسلخ المسكوبية. كانت جميع الاحتمالات مفتوحة أمام مخيلتي، لأرى سماح وهي تعذب، هزيلة الجسم، وتشعر بالبرد”.

سماح ترقص في حجرتها

لكن أبت أختها سمر أن تسمح للألم بأن يسلل اليها، وأردفت: “سماح قوية وروحها عالية.. ما بهمها اعتقال”. أتخيل سماح الآن وهي ترقص على مقطوعتها المفضلة “الحجرة” لباخ في حجرتها الجديدة مع رفيقاتها الجدد، تماما كما كانت تفعل عندما كانت تنظف غرفتها”. قد ينجح الاحتلال بحبس الجسد، لكنهم لن يستطيعوا حبس روح سماح الحرة”.

العدالة الاجتماعية ليست شعارًا.. وانما عملًا وممارسة

ما روي عن سماح، يجعلك تقف أمام هذه الشخصية العجيبة، والتي رغم صغر سنها الا انها تناضل لما تؤمن به، سماح فتاة معطاءة، تكرّس جزءا كبيرا من وقتها لمساعدة الآخرين. قضت سماح معظم وقتها في الجامعة، لتعلم قرينة لها بالعمر وأقل حظاً بالظروف والبيئة القراءة والكتابة، فاشترت لها الكتب، وبدأت تعلمها الحروف، حتى تمكّنت الأخرى من القراءة والكتابة.

طاقة سماح الإيجابية مفرطة ومعدية في الوقت ذاته، فهي تؤمن بالعدالة الاجتماعية، وتسعى لذلك بأظافرها وأسنانها، وما إن تبدأ حتى تتسع الدائرة لآخرين يشاطرونها الهدف ذاته.

“سعة سماح عالية لاحتضان الآخر بكامل وجدانها”، تقول صديقتها ياسمين. “راقبتها فترة، وهي تقوم خلسة وبصمت وهدوء طبيعيَين، وضع ساندويشتها -التي تكون قد جلبتها من المنزل- على الطاولة في كافتيريا الجامعة، لكي يأخذها طلاب آخرون ممن يعيشون بسكنات الجامعة وليس لديهم المال الكافي لشراء الطعام”.

صادقت سماح الكبار والصغار، أقربهم اليها العم أبو شادي من مخيم قدورة، كان لدى العم أبو شادي كشكاً لبيع خشب الزيتون، يرسم عليها بالحفر خارطة فلسطين التاريخية. عملت البلدية على مصادرة كشكه، فأمسى العم أبو شادي بدون مصدر رزق.

“لا أنسى كيف آزرتني سماح ولفّت معي شوارع رام الله قاطبة للبحث عن مساحة ملائمة، أستطيع من خلالها، بيع ما أحفره من خشب الزيتون. قدمت لي سماح ما لم يقدمه لي أي شخص أو جهة رسمية”.

سماح.. إحدى القصص فقط

تعد سماح إحدى القصص فقط، فهناك 42 أسيرة سياسية في سجون الاحتلال بقصص وروايات مختلفة، كان من بينهن طفلات قاصرات، وأخريات جرحى. تقبع الأسيرات في سجن الدامون الجاثم على جبل الكرمل في حيفا المحتلة، داخل الأراضي المحتلة عام 1948، أي بما يخالف اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان من الأراضي المحتلة.

وما يذكره التاريخ عن الدامون، أنه كان اسطبلا للحيوانات قبل أن يحول الى سجن. فهو يفتقر لأدنى المقومات الحياتية، من أشعة الشمس والخدمات الصحية الأساسية، وهو مليء بالحشرات والجرذان. نقلا عن مؤسسة الضمير، تحرم المعتقلات من حقوقهن الأساسية إبان ظروف اعتقال وتحقيق قاسية وغير إنسانية، وإن جميع الممارسات التي تمارس على الأسيرات غير قانونية بحسب القانون الدولي، تبدأ لدى وصولهنّ لمراكز التحقيق أو مراكز الاعتقال، وغالباً ما يحرمن من حقهن في لقاء محام، ويحتجزن في العزل في ظروف غير صحية وبأماكن ضيقة بدون مراعات لاحتياجاتهن الخاصة، وبالأخص فترة الحيض، كما يتعرضن للتفتيش العاري كإجراء عقابي، ويبقين معصوبات العيون ومكبلات اليدين، إضافة إلى تعرضهنّ للاعتداء الجسدي والنفسي أثناء التحقيق، لا يمكن تلخيص ولا حصر الممارسات التي تطالهن بأسطر، الا أن من الأمثلة عليها: الشبح، الحرمان من استخدام الحمام أو النوم، أو تغيير ملابسهن، واستخدام أسلوب الصراخ والتهديد والشتم والتحرش الجنسي، ناهيك عن مراقبتهن والتجسس عليهن حتى عندما يذهبن لقضاء حاجاتهن الخاصة أو في الفورة، إضافة الى حرمانهن من زيارة عائلتهن بذريعة المنع الأمني.

سماح برفقة اخوتها واخواتها

المصدر : بوابة الهدف – أعداد : هند شريدة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.