دراسة للأسير وائل الجاغوب: “واقع اليسار الفلسطيني وسُبل النهوض”

0 330

مناسبة الذكرى الثانية والخمسين لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، تنشر بوابة الهدف دراسة للأسير القائد وائل الجاغوب، بعنوان: اليسار الفلسطيني وأزمته الذاتية وسُبل النهوض، كمساهمة في النقاش حول هذه المسألة الحيوية التي تتعلق بواقع قوى اليسار الفلسطيني ودوره في مجرى النضال الوطني والاجتماعي.

والأسير وائل نعيم الجاغوب يدخل عامه العشرين بالسجون الصهيونية. اعتُقل في الأول من أيار عام 2001، إثر تنفيذ عملية عسكرية ضد الاحتلال، مع رفاق دربه، قرب نابلس. وصدر بحقه حكمٌ بالسجن مدى الحياة، ليضاف هذا الحكم إلى سنواتٍ ست قضاها من عمره في السجون الصهيونية، من عام 1992 وحتى العام 1998.    

ويعتبر الأسير وائل الجاغوب أحد قادة الحركة الأسيرة، إذ يتبوأ موقع المسؤول الأول لفرع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سجون الاحتلال.  

وصدر للجاغوب روايتان من داخل المعتقل، الأولى بعنوان “أحلام”، والثانية بعنوان “أحلام مؤجلة”. كما صدر له كتابٌ بعنوان “رسائل في التجربة الاعتقالية”. كذلك صدر له عددٌ من الدراسات منها دراسة بعنوان “أطروحاتٌ في الوعي بالمشروع الصهيوني في فلسطين”، وأخرى بعنوان “الخارطة السياسية الإسرائيلية”، واليوم نضع بين أيديكم دراسته الجديدة بعنوان “اليسار الفلسطيني وأزمته الذاتية وسبل النهوض”.


مقدمة:

مثّلت القوى اليسارية خيارًا على مدار سنوات الاشتباك مع المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وخطّت نهجًا ثوريًا تَمثّل في الموقف، وحسم الخيار بالانتماء والتعبير عن جماهير شعبنا الكادحة، كما نصّت برامجها، وحَمَلت البرنامج الوطني التحرري، وتصدّت لمهام ومتطلبات المرحلة، حتّى ظهرت بوادر الأزمة التي عصفت بحركة التحرر العربي والفلسطيني، وفي القلب منها القُوى اليسارية التي كشفت بنفسها عن الأزمة ومسبباتها ومفاعيلها التي تمتد سنوات سابقة ما قبل ظهورها بقوة، حيث ساهم العامل الموضوعي بتكشفها من انهيار للمنظومة الاشتراكية، وبداية إعادة ترتيب العالم وفق أجندة قوة السوق الليبرالية الجديدة، وتجلّى ذلك عربيًا وفلسطينيًا في مسارات التسوية السياسية.

إنَّ الأزمة التي عصفت بقُوى اليسار بشكل عام، وبجزء منها اليسار الفلسطيني، ما زالت تفعل فعلها، بل يمكن القول إنَّ الأزمة تطورت إلى مأزق جاد ووجودي، حيث تحوّل حديثُ تشخيص الأزمة وعواملها ومسبباتها إلى فعل ونشاط فكري روتيني يردده الجميع بمَن فيهم مَنْ يمتلك القدرة على التأثير والتغيير أو الدفع بهذا الاتجاه على الأقل، فالأزمة تُنتِج مَن يمثلها وتخلق مصالحها وتجاوزها أو محاولة ذلك، وتصبح مهمة تستدعي النضال والصدام ليس مع الآليات والأدوات والأساليب، بل مع عقل وثقافة ومصالح أصبحت راسخة.

إنَّ تشخيص أزمة قوى اليسار بات واضحًا، لكن ما سقط هو الحيز الذي يشغله العامل الموضوعي المؤثر في إنتاج هذه الأزمة، ومكانة العامل الذاتي ومسؤوليته عنها، فاستمرار الأزمة يعيش تجلياتها كل منتمٍ إلى قوى اليسار، وكل مَنْ يريد برنامجًا ورؤية وفكرًا مُعَبِرًا عنه، وكل مَنْ يرى بها خيارًا يشقُ طريقًا مختلفًا، ويقدم رؤية أخرى تناضل تحت إطارها قوى يسارية منقسمة ما بين برنامجين على الساحة الفلسطينية، ولا تتمكن من تقديم خيارٍ آخر بالممارسة، ولا يسارٍ نخبويٍ بعيدٍ عن جماهيره وهمومه، ولا يسارًا غيرَ مشتبكٍ.

إنَّ السؤالَ بات ليس الأزمة وعواملها فقط، بل ما هو اليسار الذي نريد ونطمح له ونحتاجه؛ اليسار الذي يُمثل وجه الناس، ما زال اليسار الذي وصفه الشاعر العراقي الفذ مظفر النواب، بقوله في إحدى قصائده (حينما لم يبقَ وجه الحزب وجه الناس.. قد تمَّ الطلاق)؛ أي ذلك اليسار الذي لم يبقَ منه شيء، وفَقَدَ بممارسته كل ما يصل به نفسه، وما يحتاج له اليسار الجذري المنتمي المرتبط فِكره بممارسته، الحريص على مصالح الجماهير والصادق والأمين صاحب النهج الكفاحي، يسار حامل للمشروع ويعيش بين الناس، يسار لا نخبوي منعزل، وهو ما يجعل السؤال الهادئ التقديم: صاحب الإجابة، كيف يبقى مطروحًا، كيف نستطيع أنْ نؤثر وننتج هذا اليسار، ونعود لتقديمه من جديد إلى حيث موطن أفكاره بين الجماهير، إلى حيث خياره ونهجه، وما يمثله ويشكله؟ إنَّ تناول عنوان اليسار الفلسطيني بالأخص مهم لناحية أنَّ هذه القوى المُشكلِّة لليسار الجذري يمكن أنْ تُمثَل خيارًا جادًا ورافعة لمشروع نهوض يساري عربي، بحكم أنَّها تقود حالة اشتباك مباشر مع الاحتلال، ويمكن أنْ تُقدم أنموذجًا، وأنْ تُمثل رافعة لرؤية، وهذا ما يجعل هذا العنوان مهم التناول والدراسة.

إنَّ تناول عنوان اليسار راهنًا ليس كافيًا بالخوض بمسببات وعوامل الأزمة (المأزق)، بل بتحديد فرضية أنَّ هناك ومنذ زمن أزمة ذاتية بامتياز، بعد أنْ استطاعت إنتاج ذهنية وعقل وثقافة تسيطر وتسود داخل البُنى التنظيمية الملموسة المباشرة والفكرية الأيديولوجية، تكرّس واقعَ العجز والترهل وتدور في إطاره، وتنتج حالة انفصال عن الجماهير. والابتعاد عن همومها، وتعزز وجود الشعار في مواجهة متطلبات وتحديات الواقع، وتُحبط مَنْ يحاول إحداث تغيير واختراق لهذه الحلقة.

إنَّ تقديم العامل الذاتي بالأزمة “المأزق” لا يعني تغييب الموضوعي، فله حضوره وتأثيره، لكنه ليس الحاسم كعامل على قاعدة أنَّ العامل الموضوعي محدد، لكن الذاتي محدد وحاسم، ويمتلك صفة الحسم مسلحًا بإرادة ووعي وقدرة على التوظيف.

إنَّ هذه الفرضية الرئيسية يُمكن أنْ يُؤَسَس عليها أفكار تتعلق بإحداث اختراق، من أجل مغادرة دائرة الأزمة من خلال وعي العامل الذاتي، ويتجلى ذلك بتحديد الدور والمهام والمطلوب، وربط الفكر بموطن الممارسة.

إنَّ محاولة دراسة واقع اليسار الفلسطيني وأزمته تحديدًا، تتطلب استخدام مناهج البحث الوصفي التحليلي، والاستناد إلى أدوات استخدام المنهاج التاريخي وأدوات تحليله، أُنتِجت في سياق تطور الفكر اليساري عربيًا، كما قدّمها بالأخص المفكر مهدي عامل، وتحديدًا مع عالم رؤية ومهام على قاعدة الخلاصات.

إنَّ النطاق المعني به الدراسة هو النطاق الفلسطيني الراهن، وتحديدًا قوى اليسار دورًا وفعلًا.

  • إطار مفاهيمي نظري:

اعتبر المفكر اللبناني مهدي عامل بأنَّ الحزب هو “الحزب هو الأداة السياسية والأيديولوجية الأساسية للممارسة السياسية للطبقة الثورية، أو لتحالف الطبقات الكادحة”[1]. وبهذا حدد البُعد الطبقي للحزب وهويته، والجماعة الاجتماعية التي يُعبر عن مصالحها بوصفه أداتها السياسية، وراهنًا يتم تغييب هذا البُعد عند التحليل، أو قراءة مواقف وسلوك الأحزاب السياسية باستخدام هذه المقولة ” الطبقة”.

 وأكّد عاملٌ على أنَّ “الحزب هو الفعل الموجه للقوى الثورية”[2]، وهذا التحديد يأتي في إطاره رؤية المدرسة الماركسية للحزب، ورؤيتها للبُعد الجمعي والتمثيلي، وتعريفه للبُعد الطبقي، والذي ربطه عامل بالإطار الوطني الذي أخذ هذا البعد، في إشارته “إلى أنَّ الصراع الطبقي هو الصراع الوطني في بنيتنا الاجتماعية الكولنيالية، وأنَّ آلية التحرر من الإمبريالية هي آلية التحرر من الرأسمالية والتبعية، ولا سبيل للفصل بين الاثنين”[3].

وهذا التحليل الاستنتاجي قد أسّس لإعطاء الموقف من الأنظمة الرجعية العربية، ورَبَط ما بين الاشتباك معها وطنيًا ومواجهة النظام الإمبريالي، ورسّخ البُعد الطبقي بالنضال الوطني، ووَضَع أساسًا عربيًا لرؤية نضالية، قاعدتها أنَّ النضال الوطني يحمي المحتوى الطبقي، وأنَّ كل اصطفاف شعبي واسع وعريض، يجب أنْ يتشكل من القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة بإنجاز المهام المطروحة، هذا ما يشمل المواجهة التي يخوضها الشعب الفلسطيني ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وهذا ما أنتج مفهوم “الكتلة الشعبية” كمفهوم يمثل خصوصية عربية، يرتكز على مفهوم “الكتلة التاريخية للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، والذي يُمثل حالة الاصطفاف للقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة لإنجاز مهام المشروع التحرري، وحَمَلَ الحزب تعريف ودور كما قدّمه سلامة كيلة عبر ربطه بين الحزب والفعل الواعي، بوصف أنَّ “الحزب هو الفعل الواعي في إطار الحركة المجتمعية”[4]، وبناءً على ذلك؛ فإنَّ مهمة الحزب تتلخص في فكرة التغيير سياسيًا، والانتماء لها يتم على هذه القاعدة، آخذين بعين الاعتبار منطلقات الحزب الأيديولوجية.

 وهذا ما أشار إليه فيصل دراج بقوله: “إنْ كانت علاقة الأفراد الأحرار بالأحزاب السياسية تجسيدًا للسياسة، من حيث هي فعل تحويل وتغيير، فإنَّ الأحزاب لا تكون سياسية إلا إذا كان التحويل والتغيير جزءًا حقيقيًا في علاقاتها الداخلية. فلا يمكن لحزب يمارس السياسة فعلًا أنْ يكون جامدًا ومستقرًا ومتكلسًا”[5].

إنَّ فكرة التغيير ترتبط بالمهام أيضًا، وقدرة الحزب على التقاطها والتصدي لاستحقاقها، مدركًا لطبيعة العلاقة ما بين المهام وتَشّكُل الحزب، كما أشار المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بتحديده (أنَّ الحزب لا ينتهي أبدًا من التَشّكُل)، بمعنى أنَّ كل تطور يخلق مهمات وواجبات جديدة، الأحزاب تنتهي من التَشّكُل عندما لا تعود موجودة، أي عندما يكون وجودها تاريخيًا قد أصبح عديمَ الفائدة” [6].

 والتَشّكُل يعني التصدي، ووعي الواقع لحركات ومتطلبات التعامل مع مهامه، والتراجع عن ذلك يعني انتهاء الدور الذي بررَ وجود الحزب، وبقاءه مرتبط بممارسته وقدرته، بمعنى أنَّ العامل الذاتي يبرز هنا بجلاء أهميته وفعله وتقريره، وقدرة الحزب على التعامل والتطور تجعله بمنطق غرامشي مختلف، حيث (إنَّ الحزب في لحظة الفعل ليس هو الحزب الذي كان موجودًا قبلها)[7]. وهذا ما يعطي للممارسة مكانها، ولدورها النضالي، وللإرادة فيها، فذات الرؤية التي يقدمها غرامشي تحدد بأنَّ “مَنْ يريد بقوة يستطيع التعرف إلى العناصر الضرورية لتحقيق إرادته”[8].

ويؤكد مهدي عامل على الطابع الثوري للإرادة والوعي والممارسة، وكيف يكتسب الحزب طابعه الثوري (الحزب يكتسب في النضال طابعه الثوري)[9].

إنَّ التغيير والممارسة الثورية والصّراع الطبقي والإرادة عناصر مهمة على الحزب امتلاكها، والأيديولوجيا حلقة مهمة، وكعنصر مهم، ومفاهيمَ بتناولها ليس في الإطار النظري في الحزب بل بمدى تجليها بالممارسة، والحزب الماركسي بالأخص، يجب أنْ ينتج الخيار الثوري، ويعمل من أجل إنضاج عناصر الثورة بوصف الأخيرة (حركة تغيير بشرعية سياسية قائمة لا تعترف بها، وتستبدلها بشرعية جديدة)[10]، وما يتطلبه ذلك من إعداد يقوم به الحزب بعيدًا عن العفوية، والتي اعتبرها مهدي عامل (ولعلّ أخطر داء يصيب الحركة الثورية هو داء العفوية أو التلقائية في ممارساتها. إنَّه داء المغامرة بالثورة، في زمن التخطيط الإمبريالي على الصعيد العالمي)[11].

هذا الداء المتفشي راهنًا الذي حذر منه غرامشي أيضًا، حين اعتبر (أنَّ ما هو عفوي هو الدليل الساحق على عدم كفاءة الحزب)، لأنَّه كان يبرر التباعد الشاسع بين البرامج الضخمة والوقائع البائسة”[12].

فالتلقائية والعفوية لا تظهر فقط بغياب الخطة بل في الممارسة أيضًا، وهذا الداء تسعى القوى المضادة للثورة إلى نشره بقوة، وفي ظل سيطرة نظام إمبريالي احتكاري دولي، أنتج مَنْ يُعبِّر عنه سياسيًا كما حدده جون ببلامي فوستر، وروبرت وماكشيسني، وتشخيصها بأنَّ “النظام النيوليبرالي الحالي من الناحية السياسية النظير السياسي لرأس المال الاحتكاري”[13]، والذي يسعى لإفقاد كل حركة ثورية تماسكها ووحدتها الداخلية ونشاطها الجمعي، ويعمل بتعبير المفكر سمير أمين على السيطرة من خلال ضرب اللغة، فهذه القوى تحقق “سيطرة القوى السائدة؛

لأنَّها نجحت في فرض لغتها على ضحاياها”[14]، فاستبدلت مفردة الثورة بالتغيير، واليسار بالقوى الديمقراطية، والحزب بالمُعبِر عن البرنامج، والنشاط الجمعي بالفعل الفردي كمعيار، وربطها بما يخدم ذاتيًا، والفعل الثوري على الأرض بالاحتجاج عبر العالم الافتراضي.

إنَّ انتشار التكنولوجيا وحضور العالم الافتراضي، والدور الذي لعبه خلال الانتفاضات العربية، قد أثّر بدرجة ما على دور الحزب ومكانته ومفهومه، كما أشار المولدي الأحمر حول الثورات والأحزاب بقوله: “إنَّ الساحة كانت خالية من أي زعامة سياسية، والحركات سريعة لم يؤطرها أي حزب”، معنى ذلك أنَّ الأمر يتعلق بنوع جديد من الثورات الإنسانية، ولَدتّها آليات التشبيك الثقافية والتكنولوجية الحديثة، حيث لا تحتاج الحركات الاجتماعية الثورية كي تحقق أهدافها إلى زعماء أو أحزاب أو نظريات؛ لأنَّها تتحرك في إطار جماعات وهويات، وربما أوطان افتراضية[15]، والتأثير في مفهوم الحزب السياسي يشير إليه نبيل عبد الفتاح بالقول:

“الواقع أنَّ التَحّول العاصف الذي يجتاح العالم كله في ظل التزاوج شبه الكاثوليكي بين ثورة المعلومات وثورة الاتصالات؛ أثّرت كثيرًا عميقًا في مفهوم الحزب السياسي ومستقبله”[16].

إنَّ العوامل المؤثرة في مفهوم الحزب السياسي متعددة، لكن الدور ما زال قائمًا، لكن يحتاج إلى تجديد جاد، وبالأخص الحزب اليساري الذي عليه أنْ يستعيد دوره، كما أكّد على ذلك الباحث جميل هلال، بقوله: “استعادة اليسار لدوره باتت قضية وجودية يؤشر إليها ما تَحمِلُه العولمة الرأسمالية بأبعادها المختلفة من تداعيات (مقصودة وغير مقصودة)، ومن تناقضات (توحيد العالم عبر وسائل الاتصال الحديثة زمنيًا ومكانيًا وتذريره (تفتيته)؛ عبر استنفار الهويات الموروثة المذهبية والإثنية والقومية والدينية والمناطقية”، ومن توسيع للفوارق بين الفقر المدقع والغنى الفاحش.

وعلى اليسار أنْ يستنبط الأساليب  الناجعة لإفشال السيطرة الخارجية (والأمريكية خاصة) على المنطقة، كمصدر مهم جدًا للنفط والغاز، وكمستقبل لعائداتهما في مصارفها وأسواقها المالية، وفي التوعية؛ لِمَا لتداعيات تبعية العالم العربي الاقتصادية والتجارية للمراكز الرأسمالية، ولمواصلة التزام الإمبريالية (الولايات المتحدة بشكل خاص) بحماية إسرائيل، وضمان تفوقها العسكري على الدول العربية لإبقائها أداة ضاربة بيدها في المنطقة)[17]، حيث يمثل اليسار خيارًا للمواجهة وتقديم البديل، لكن الأمر لا يتوقف على الأساليب وتجديدها، بل بالإضافة إليها يحتاج إلى تطوير النظرة والعقل الذي ينتج الأساليب، وإلى أنْ يعتمد على خبرته المتراكمة بذلك، كما أشار الراحل حكيم الثورة جورج حبش بقوله: “الانطلاقة دائمًا بالاستناد إلى الخبرة المتراكمة، وعدم البدء في كل مرة، وكأننا نبدأ من الصفر”[18].

إنَّ استعادة دور حزب أو كيان سياسي يستعيد جزءًا منه أيضًا خطابًا سياسيًا نقديًا يُمَثِل خيارًا، وهذا الخطاب الذي ينطبق عليه البُعد النقدي يجب أنْ يكون كما أشار إليه هومي ك. بابا، مؤكدًا على الخطاب النقدي، وما عليه أنْ ينتج “أنَّ خطابًا نقديًا لا يسفر عن موضوع سياسي جديد أو هدف سياسي جديد أو معرفة سياسية جديدة، ليس انعكاسًا محاكيًا لمبدأ سياسي أو التزام نظري قبلي”[19].

فالبُعد النقدي يُنتج لا يُشخص فقط، وهذا ما يجب أنْ ينطبق على تناول واقع قوى اليسار راهنًا، فالنقد عليه أنْ يُؤَسِس لصياغة رؤية أخرى لتفعيل هذه الأدوات.

إنَّ نضال أحزاب اليسار بعنوانه داخليًا، عليه أنْ يرتكز إلى مفهوم قُدِّم على يد المفكر مهدي عامل حول نضال الحزب بألّا يتحول إلى جهاز بقوله: “الحزب ليس جهازًا؛ لأنَّ التنظيم الثوري استبق العامل الثوري هو في حد ذاته النقيض المباشر لجهاز الدولة”[20].

ويؤكد أنَّ “قوة الحزب تكمن في قدرته على منع تَكّوُنَه كجهاز بشكل مستمر، وعدم َتكّوُنَه كجهاز هو بالذات تكون له كنقيض ثوري لجهاز الدولة”[21]، ومنع دمقرطته وفعله الثوري، والحفاظ على قدرته والتعامل والمهام المطروحة، وهذا ما يفعله كريم مروة بقراءته لتطور الأحزاب “لتحليل الأحزاب لا بُدَّ من التمييز بين جماعته الاجتماعية وبين جماهير أعضائها، وبين بيرقراطيتها وهيئة أركانها، وتسبق البيروقراطية أكثر القوى المحافظة، وغباء إذا ما تحوّلت إلى كيان يعتمد على نفسه، ويشعر باستقلاله عن الأغلبية الساحقة التي تنتمي إليه، إذ إنَّ الحزب يصبح عندئذ شيئًا باليًا”[22]، حينها يكون الحزب قد تحوّل إلى جهاز، وفَقَدَ بُعده الثوري، وأنتج البيروقراطية التي تدافع عن مصالحها.

إنَّ قراءة أحزاب اليسار وسلوكها يستدعي استخدام هذه المفاهيم لتحديد آفاق للتغيير بالاستناد إلى العامل الذاتي.

الفصل الأول

الليبرالية الجديدة – اليسار وأزمته الذاتية:

لقد سيطرت وسادت مفاهيم الليبرالية الجديدة على صعيد الاجتماع السياسي، وتسللت إلى بُنى أحزاب اليسار الفكرية بمفرداتها، وما تواجهه من ممارسة بالأخص، وهذا على قاعدة هدم التأثير، حيث إنَّ بعض الأحزاب بوصفها ظاهرة اجتماعية سياسية ينقلها من دائرة التفاعل وتطورات الواقع إلى دائرة الفعل الثائر المتلقي، وهذا ما يجعل مهمة التأثير بالممارسة مغيبة؛ مما يرسخ الأزمة الذاتية.

  • الليبرالية الجديدة (مقدسات):

تقوم الليبرالية الجديدة على ثلاث مقدسات رئيسية، كما تشير نعومي كلاي:

الأولى: إلغاء الفضاء الجماهيري.

الثانية: حرية الحركة.

الثالثة: التقليص الوحشي للخدمات الاجتماعية[23].

وإلغاء الفضاء الجماهيري يعني اصطفاف وسائله وأدواته وأشكاله، من أطر نقابية، وأحزاب وحركات سياسية، وهذا لا يأتي دون ضرب الأسس التي ارتكزت عليها هذه التشكيلات من تغييرات اقتصادية وسياسية، واستهداف للهوية والانتماءات. وهذا ما يتم في عصر العولمة بنسختها الليبرالية الجديدة، والتي كما أشار محمد عابد الجابري إليها أنَّ العولمة “نظام يقفز على الدولة والأمة والوطن: نظام يريد رفع الحواجز، والحدود أمام الشبكات والمؤسسات والشركات المتعددة الجنسية، وبالتالي؛ إذابة الدول الوطنية، وجعل دورها يقتصر على القيام بدور الدركي لشبكات الهيمنة العالمية”[24]، “وهذا ما يؤدي حتمًا إلى استيقاظ وإيقاظ أُطر للانتماء سابقة على الأمة والدولة، أعني القبيلة والطائفة والجهة والتعصب المذهبي ..إلخ، والدفع بها جميعًا إلى التقابل والتناحر والإفناء المتبادل والانشطار”[25]، وهنا يُستهدف الحزب كمفهوم حديث، ويهدد وجوده من ناحية الاندثار والتأقلم والانتماءات القبلية الأولية ثقافتها، وما ينتمي إليها من مصالح وتصالح، كذلك مع هذه المفاهيم والثقافة والتنازل في الحقل الأيديولوجي، وما يعنيه ذلك من تراجع على الصعيد الاجتماعي تجسيدًا للقوى الاجتماعية التي يُمثلها الحزب، وتقويض لهويته الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية من جهة، والتنازل عن أداء دوره عبر  أطره لصالح مؤسسات ممولة بجزء منها على يد مانحين أصحاب أجندة واضحة ليبرالية من جهة أخرى.

إنَّ استهداف الحزب اليساري بما يُمَثلّه من خيار سياسي، وانحياز طبقي، وحسم أيديولوجي، وتجاوز للانتماءات الأولية الضيقة، وما يَحمِلّه من ثقافة تنويرية يُمَثل حلقة مركزية، وهذا ما يتم عبر إفقاده لدوره مجتمعيًا، وإفقاده تقديم بدائل للانتماءات العائلية المناطقية.. إلخ، والتشكيك بأهميته عبر استهداف فكرة العمل الجمعي المنظم، وتقديم البديل الفردي، وافتقاده للتكامل، ومحاولة إفراغه من محتواه، وحسم نضاله الداخلي ضد فكرة تَحّوُلِه إلى جهاز. كما أشار بهذا المفهوم مهدي عامل بقوله حول الحزب الثوري: “قوة الحزب الثوري تكمن في قدرته على منع تَكّوُنه كجهاز بشكل مستمر”[26]، ممثلًا لجهاز الدولة، وفاقدًا للبعد الثوري، ومُشَكلًّا لفئة بيروقراطية تقوده، حيث إنَّ هذا التماثل بمنطق مهدي عامل يكون “فإذا انعدم الاختلاف، في التناقض الطبقي نفسه، بين النقيضين، بتماثل الأداتين، أداة الطبقة المسيطرة وأداة الطبقة الثورية، أي إذا صار الحزب الثوري جهازًا مماثلًا، في طبيعته كجهاز، لأجهزة البناء الفوقي في البنية الاجتماعية الطبقية، فَقَد قوته الثورية في مواجهة جهاز الدولة، أي في الصراع السياسي ضد الطبقة المسيطرة”[27].

إنَّ تَحُّول الحزب الثوري إلى جهاز وإحلال مفهوم التماثل مكان التناقض والسيطرة على ممارسة الحزب وإضعافه حالة قائمة راهنًا، فالتَحّوُل إلى جهاز والنضال ضد ذلك يمكن أنْ ينطبق على الحالة الفلسطينية حيث تغييب البعد الطبقي، والابتعاد عن تمثيل الجماهير المسحوقة حقًا، والفجوة ما بين البرامج والشعارات والممارسة، ومحاباة القوى الطبقية المسيطرة ومشاريعها قائمة بشكل أو بآخر فلسطينيًا، كما يشُخص واقع اليسار وأزمته غازي الصوراني بالقول: “الأزمة تَتَمّثل في التراجع الفكري والضعف النظري لدى أحزاب وفصائل اليسار إلى ما بين حالة الاغتراب عن الواقع، ومن ثم فشل هذه الأحزاب في وعي الواقع، وفي هشاشة نظام الوعي في معظم الهيئات القيادية التي عاشت نوعًا من غياب الوعي الماركسي واللامبالاة، إلى جانب الاغتراب والعزلة عن قواعدها التنظيمية وجماهيرها، فضلًا عن حالة الجمود الفكري والتنظيمي البيروقراطي وتراكم المصالح الطبقية والانتهازية، وتأثير العلاقة مع السلطة أو هذا النظام أو ذاك”[28]، والتراجع الفكري والغياب لا يعني الفراغ بل استدخال أفكار ومفاهيم ليبرالية أو ظلامية، حيث تعتبر حسب جميل هلال أنَّ “من عوامل تعزيز النزعة الفردية تراجع هيمنة التنظيمات السياسية ومصداقية قيادتها”[29]، والتي اخترقت المفاهيم الفردية بُناها، إضافة إلى غياب الهوية الشاملة على الحزب، وسيطرة فئة بيروقراطية عليها.

إنَّ دخول الأفكار الليبرالية وغيرها يهدف إلى ضرب أساس وجود الحزب، وإعادة تعريف دوره من جديد حتّى لا تقوم قوى تتناقض ومشروع الإمبريالية والدول التي تقود الليبرالية الجديدة راهنًا ومقدساتها، ولا تتمكن أحزاب من تقديم مشروع بديل نقيض، فاليسار كخيار هو المؤهل لتقديم بديل، وهذا ما ينطبق على الحالة العربية وحالة التبعية، حيث إن رؤية وفكر اليسار يُمثل الحالة الأخطر على المشروع الإمبريالي، والتي يمكن أنْ تتعايش معه قوى من منطلقا0ت أيديولوجية أخرى.

  • العامل الذاتي للأزمة:

تشير الوثيقة النظرية المُقدمة للمؤتمر السابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى “أنه في حال انتشار تراكمات ومفاعيل الأزمة في صفوف قوى وأحزاب اليسار في بلادنا، ستؤدي بالضرورة إلى مزيد من إضعافها وانهيارها أو إسدال الستار عليها إنْ لم تبادر هذه القوى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم اليسار ومضمونه الأساسي الفكري الاشتراكي العلمي الصريح، ومنهجها المادي الجدلي تمهيدًا لإعادة إحياء وتجدد دور اليسار العربي”[30]، وتشير ذات الوثيقة إلى أنَّ أساس تراجع اليسار، نحددها في ثلاثة أسباب:

  1. استمرار حالة الضعف والهزال السائدة في البنية التنظيمية لأحزاب وقوى اليسار.
  2. ضعف الوعي بالهوية الفكرية لهذه الأحزاب.
  3. ضعف قدرة أحزاب اليسار على وعي مكونات الواقع[31].

إنَّ هذا التشخيص يعطي بعدًا للعامل الذاتي على صعيد الوعي بمكونات الواقع، والذي يتطلب قراءة وتحديد مهام ضعف الوعي بالهوية الفكرية، وتراجعها بشكلٍ حادٍ، تماشيًا وحالة التراجع العامة للفكر اليساري، وحالة الهزال والترهل في البنى التنظيمية.

إنَّ هذا الوعي لمكونات الأزمة، والتي كلها تشير إلى البعد الذاتي المرتبط بأحزاب اليسار، تجعل السؤال حول مَنْ هو المعوق الذي يقف أمام تجاوز حضور العامل الذاتي فكرًا وممارسة؟، ويجعل سؤالًا آخر مشروعًا بعد هذه السنوات الطويلة من التحليل والتدقيق والتشخيص، ورصد البرامج والأهداف، وتحديد الآليات لتجاوز  الأزمة، لماذا لم يستطع اليسار مغادرتها؟

هنا يمكن الإشارة في البداية إلى تحديد أنطونيو غرامشي حول دور الحزب، واستعداده عند تصاعد الصراعات بقوله: “هذا يستدعي توفر في الحزب الحد الأقصى من الطاقة عند قادتنا، والحد الأقصى من التنظيم، والمركزة عند جماهير الحزب وروح عالية من المبادرة ويداها مطلقة باتخاذ القرارات”[32].

حدد هنا غرامشي ماذا يعني الاستعداد بالملموس لدور قيادي وطاقة حيوية وعمل، وحدد التنظيمي كحلقة مركزية، والعمل بين الجماهير، وفتح المجال أمام المبادرة، وتجاوز البيروقراطية واتخاذ القرار، وإشارته في الاستعداد كانت ذاتية لمواجهة تحديات في ظل ظرف موضوعي مجافٍ. وبإشارة أخرى قدّمها أحمد قطامش حول الجبهة الشعبية بالأخص، والمطلوب منها لاستنهاض دورها بالقول: “إنَّ المطلوب من الجبهة بماضيها وإرث الأمس أمام امتحان الوجود، إما أنْ يَتَّحِدَ ذلك في مبادرة قيادية كفؤة تنهض بها من جديد، كبنية وأزمة لها دور حقيقي تنأى عن التطرفين السرية المنغلقة والعلنية المنفلتة، فالصوابية بين التطرفين، بحيث تكون قادرة على الاقتلاع بوظيفتها التاريخية التحررية والطبقية والتنويرية، أو أنْ يطويها النسيان لزمن غير قصير، فالبشر في نهاية الأمر يصيغون مستقبلهم”[33].

وهنا يشير قطامش إلى أنَّ القيادة ودورها وأهميتها، فالشرط القيادي يحتل حلقة مركزية لتجاوز الأزمة التي يعاني منها اليسار، وهذا ما يعيد الأمر إلى العامل الذاتي أيضًا لمواجهة الأزمة، وهذا ما نجد خلفه بالضرورة واقعًا ملموسًا تكرّس، ويمكن أنْ يمنع أي تغيير لا أفكار فقط، فكل عضو وكادر في حزب يساري يدرك بأنَّ الحضور والتوسع والانتشار والتأثير مرتبط بشكل رئيسي بالحزب، ووحدة إرادة وعمل، وعقل جمعي يمتلك العناصر اللازمة للعقل، لكن إذا ما عصفت الأزمة بهذه الأداة تعطّلت، فالحزب على حد تعبير غرامشي (وجود يستند إلى قوته)[34] التي تتوفر بوعيه وممارسته.

إنَّ فرضية أنَّ الأزمة ذاتية قائمة على قاعدة أنَّ عناصر ومفاعيل الأزمة كانت قائمة، فهي لم تتكون دفعة واحدة، بل تكشف عنها دفعة واحدة بمساندة الظرف الموضوعي من انهيار للمنظومة الاشتراكية، وهيمنة النظام الإمبريالي العالمي، وتجليات ذلك دوليًا وتأثيراته في قوى اليسار، حيث أظهر الموضوعي الأزمة وعززها، وتجلّى ذلك فلسطينيًا بتراجع حادٍ لدور وحضور اليسار، فالشرط الموضوعي ووعيه يُحدد شكل التعامل معه لناحية رفضه أو توظيفه والتعايش معه، لكن الاستحقاق والنتائج تقول أنَّ اليسار تعايش نسبيًا، حيث إنَّ الشرط الموضوعي لم يحسم استنهاض الذاتي والتوظيف، من خلال وعي مركباته وعلاقات الشرط الموضوعي الداخلية، فأنتجت حالة تنظيمية ونخبة قيادية تتلاءم والظرف الموضوعي السائد خلال سنوات أوسلو، وما أنتجته هذه السنوات من تَحّوُلات، حيث سياسيًا ساهم “اتفاق أوسلو في إحداث تَحّوُلات مهمة في الحياة السياسية الفلسطينية، أبرزها؛ انتقال عملية صناعة القرار السياسي من أطر م.ت.ف إلى مؤسسات السلطة وأجهزتها”[35]. وحسب إبراهيم أبراش “فإنَّه بعد انتقال صنع القرار من أُطر م.ت.ف إلى السلطة بشكل ممنهج ومخطط، تمَّ إغلاق جسور العودة إلى ما قبل تأسيس السلطة”[36].

هذا الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي أنتج حالة قيادية نخبوية يسارية، جزءًا منها محكومة بسقف تلك المرحلة من مهام، ولم تستطع أنْ تستعد لمهام المرحلة، خاصة خلال الانتفاضة الثانية ولما بعدها.

إنَّ تمحور الأزمة وجذورها في العامل الذاتي، فيما تعني ضعف المبادرة القيادية، وانحسار مشروع الاشتباك لمشروع الاحتلال، وتوسع الحيز الخاص على العام، والذي لم يعد أولوية، والانشداد للمؤسسات والمشاريع الدولية التي اجتاحت المنطقة وفلسطين بالأخص، ومحاولة التصدي خلالها لمهامٍ تخلّى عنها اليسار، وانضمام جزء من كادره إلى هذه المؤسسات وامتيازاتها، وتراجع حضور ودور الأُطر الجماهيرية النضالية التابعة لهذه القوى، وترهل البُنى التنظيمية، والتردد، ومحدودية المبادرة، وضعف الشرط القيادي؛ عناصر تكرس الأزمة، وتجعل مغادرتها مهمة شاقة، حيث إنَّ المتوافر النقيض لِمَا حدده غرامشي من شروط ومحددات لوجود حزب قادر على التعامل والتطورات الكبيرة وانسجام، وما حدده مهدي عامل من تناقض ما بين الحزب الثوري والجهاز وخطورة التماثل، وتَحّوُل الحزب إلى جهاز، وهو ما يجب الالتفات له، والوقوف أمام جذور تأثر الأحزاب اليسارية بالنزعة الليبرالية، وبروز النزعة الفردية، والتي حسب جميل هلال تعود جذورها إلى “إضافة إلى هيمنة الأيديولوجيا النيوليبرالية إلى التهميش المتسارع للمؤسسات الوطنية الفلسطينية”[37].

إنَّ غياب المبادرة القيادية في الحزب ولدى قيادته أولًا، كما وصف ذلك الراحل جورج حبش، وتعايشها بشكل أو بآخر مع الأزمة التي باتت جزءًا من المشهد اليساري الفلسطيني، وترسيخ آليات وأشكال عمل وتحديد مهام تكرِّس الأمر الواقع، وتدور في فلك الأزمة، وغياب المشروع الواحد، وما يحتاج من فعل، وإحباط كل محاولة للتغيير كمظاهر واضحة لذاتية الأزمة التي أنتجت مصالحها داخل البنى التنظيمية.

الفصل الثاني

  • ذاتية الأزمة والدور الجماعي والفردي المغيّب:

إنَّ الحزب مجموعة أفراد في سياق الدور الجماعي والفردي، بحسمهم لخيار سياسي وأيديولوجي نضالي والانتماء إليه، وطموحاتهم للدور الذي سيقومون به كجزء من دورهم الجماعي والفردي.

إنَّ خصوصية الدور الفردي في إطار الجماعة، ومركب هذه العلاقة هو التأثير والتغيير والإنجاز، والذي يعكس ذاته فرديًا وجماعيًا، كما أنَّ التراجع والانحسار، والأزمة تتجلّى في حيزها العام والخاص أيضًا، وفي كلا الحالتين للفرد دورًا متفاعلًا ومنفصلًا والتطورات كذلك.

التنظيم .. الوظيفة.. تجليات الأزمة:

إنَّ التنظيم ينشأ عادةً “للقيام بوظيفة معينة، وحين لا تعود هناك حاجة لتلك الوظيفة يواجه التنظيم أزمة، فإما أنْ يجد وظيفة جديدة، وإما أنْ يُرَوّض نفسه على تَقّبُل الموت البطيء”[38]، وعندما لا يستطيع التنظيم أيضًا التعامل والتصدي للمهام ومتطلبات الوظيفة التي نشأ وتَشّكَل للتعامل معها، يخرج من دائرة الفعل، وبالأخص إذا كانت الوظيفة، وما تكون عليه من دور ومهمة ما زالت قائمة، وما نشأ للتصدي لها. بمعنى أنَّ أحزاب وقوى اليسار تَشكّلت على أساس النضال لإنجاح مشروع التحرير، وعندما لا تُنجز المهمة تضاعف استحقاق التصدي لها نضاليًا، وتتطلب التعامل بمتغير لم تستطع قوى اليسار أنْ تتجدد بل بقيت تراوح في ذات المكان، فلم تستطع إنجاز تجديد نظري وتوسيع ديمقراطي، والذي حسب ما أشار إليه فيصل دراج بمتطلباتها “التجديد النظري يَكمن في مدى الاقتراب أو الابتعاد عن ممارسة السيطرة، والإخضاع في المراتبية الحزبية، وغياب الديمقراطية؛ لَيتَحّوَل الحزب إلى مرجعٍ مكثف في ذاته، فيرجع النظرية إلى سلسلة مقولات معيارية بعيدة عن الحقيقية الموضوعية التي ترضي جهازًا مغلقًا”[39]، وبرز القصور لدى اليسار بتعبير عبد الرحمن منيف بتحديده بأنَّ “المشكلة الجوهرية تكمن في قصور، لكي لا نقول عجز الأحزاب الطليعية على مستوى المفاهيم والبنية التنظيمية وأساليب العمل، إضافةً إلى تحديد الدور المرشحة له، والذي يجب أنْ تضطلع به”[40].

وأشار أحمد قطامش إلى التناقض بين مستوى أداء الحزب والمستوى القيادي بتشخيصه بأنَّه “على الدوام ينشأ التناقض بين مستوى الحزب والدور القيادي المطلوب منه، بين القواعد التنظيمية المحددة تنظيميًا وبين الواقع الملموس للحزب”[41].

ويشير غرامشي إلى معيار لتحديد طبيعة الحزب فيما بين تقدميته من عدمها، ارتباطًا بالمبدأ الذي ترتبط به ممارساته بما يدعوه بقوله: “عندما يكون الحزب تقدميًا يعمل بطريقة ديمقراطية، بمعنى المركزية الديمقراطية، وعندما يكون الحزب رجعيًا، فهو يعمل بطريقة بيروقراطية بمعنى المركزية البيروقراطية، ويكون الحزبُ في الحالة الثانية منُفذًا وليس مُقررًا” [42].

إنَّ الأزمة التي تعصف بقوى اليسار قد تمَّ توطينها بداخل هذه البُنى، وأزمة الوسائل والأدوات والأشكال باتت نابعة من سيطرة وهيمنة فئة نخبوية على قيادة هذه الأحزاب مصلحيًا، جزءًا منها لم يعد معني بإحداث تغييرات جدية؛ لأنَّها قد تمس حالة السيطرة والهيمنة، وتمس بعض المصالح الذاتية التي تَكَونّت وتَشَكّلت، والتي بشكل ملموس بهتت من الهوية الشاملة للأحزاب الفكرية والسياسية والاجتماعية المشتبكة، وأدت إلى أنْ يبهت دور الحزب كنقطة جذب، ويُحوّل إلى نقطة نبذ، وهنا ظهر التناقض الذي يشير إليه قطامش بين مستوى الحزب والدور المطلوب بين القواعد التنظيمية في الواقع الملموس والجوهر، ما بين الأطراف المعنية بتحديد وتطوير قوى اليسار، وأخرى باتت لأسباب متعددة الذكر؛ فالخلاف يتعدى الاجتهاد أو بجزء منه على الأقل، فالأزمة أنتجت مصالحها، وأصبح لها موروث ثقافي مهيمن، وذهنية مسيطرة، مواجهتها ممكنة، لكنها ليست بالأمر اليسير.

إنَّ تناول الأزمة بالإطار النظري فقط بعيدًا عن تجلياتها، وما أنتجه من مصالح، وما أفرزته من مفاهيم، يجعل التعامل معها يتم في إطار تعايش فقط لا بإطار المعالجة، وهذا ما جعل قوى اليسار تُراوح بذات المكان، وتحاول التعامل والأزمة بذات الأشكال والوسائل لتصل للنتائج نفسها، بعد أنْ تمَّ تغييب كل بُعد للتعامل معها، وتغييب ما يظهر بالتشخيص من ذاتيتها راهنًا، ومن تجاوز لدور الفرد في إطار الجماعة، ومن التعامل معها وتحويل مفهوم العمل الجماعي إلى قيد على دور الفرد وفعاليته؛ مما دفع بتعزيز خيار العمل الفردي خارج الأُطر الحزبية، بما ينسجم والتوجه الليبرالي، في ظل غياب أطروحة نظرية تتناول دور الفرد في إطار الجماعة والفعل الجماعي.

وقد أشارت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مثلًا إلى ذاتية الأزمة بإصداراتها، حيث أكّدت “أنَّ الأزمة رغم طابعها البنيوي الذي كان وما زال سببه الأول المباشر؛ ذلك التقاعس والركود الذي أصاب العامل الذاتي”[43]، لكن الفعل بقي بعيدًا عن هذه الخلاصات.

  • جماعية وفردية:

يُرجع جميل هلال عوامل تعزيز النزعة الفردية فلسطينيًا إلى عوامل عدة، أبرزها؛ تراجع هيمنة التنظيمات السياسية وصدقية قيادتها، وإلى هيمنة الأيديولوجية الليبرالية، وكذلك إلى التهميش المتسارع للمؤسسات الوطنية الفلسطينية[44]، ويُضاف إليها عدم قدرة هذه القوى السياسية اليسارية بالأخص، على تطوير بنيتها وأطروحاتها، بما يُوفر دورًا واضحًا للفرد، والذي مارس دورًا مشوشًا داخل الإطار.

إنَّ العلاقة بين الفرد والجماعة ودور الأول يشهد لبسًا واضحًا، بعيدًا عن عبارات التكامل وجدلية العلاقة ما بين الفرد والجماعة، حيث بات هناك تهميشٌ للدور الذي يمكن أنْ يقوم به الفرد، وبات الشعور أنَّ هذا الدور غير فاعل وغير مؤثر. وقد نجد تكاملًا بين ما تقدمه الأيديولوجيا النيوليبرالية بخطابها، وبين ما تُمارسه بعض أو جزء من قوى اليسار تجاه أعضائها بوعي أو دون وعي، حيث يغادر صفوفها أعضاء وكوادر ويحلون بديلًا في إطار ومؤسسات نيوليبرالية، وآخرون يستسلمون لهذه الحالة، دون تقديم رؤية وخطاب وممارسة لمواجهة الخطاب النيوليبرالي، إذا ما حددنا بأنَّ الأزمة باتت ذاتية مستوطنة، وتَحوّلت إلى بنيوية، كما تشير الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في إحدى إصداراتها حول الأزمة “رغم طابعها البنيوي الذي كان وما زال سببه الأول والمباشر ذات التقاعس أو الركود الذي أصاب العامل الذاتي”[45]، وما أصاب العامل الذاتي بات يعني أنَّ التجاوز المرتبط به أيضًا، والحفاظ والمراوحة في ذات الدائرة، مرتبط بهذا العامل، بما يعنيه ذلك مصلحيًا لدى كل مَنْ هو مستفيد من بقاء الأزمة.

إنَّ الدفاع عن العامل الذاتي (الحزب) لتجاوز أزمته، يتطلب تجاوز حالة الإحباط السائدة، وخلق حالة معنوية الأساس فيها، أنَّ كل فرد من مكانه أو موقعه، يمكن أنْ يُمثل بارقة أمل بدوره، والتركيم الجماعي باتجاه التجاوز.

وعليه؛ فإنَّ المفهوم اليساري لدور الفرد يعطي المساحة لهذه العلاقة القائمة موضوعيًا؛ أي بنيوية الجماعة، بمعنى أنَّ الفعل والنشاط الفردي يصب في بوتقة الفعل الجماعي في النهاية، لكن عدم إدراك الدور الذي يمكن أنْ يضطلع به الفرد في إطار الجماعة، وقدرته على التأثير، وخوضه للنضال الداخلي، تعميقٌ للأزمة، ولا يخدم فعل تجاوزها، حيث إنَّ الفرد في أحيان يُسلم بعدم قدرته على إحداث فرق وتركيم باتجاه التغيير، ويتعايش أو يبحث عن خيارات أخرى، ويتخلى عن دوره، فيتَحمّل المسؤولية جزئيًا عن ذلك، والإطار العام للأحزاب، وإنْ أوجد نصوصًا تعطي مجالًا ومساحةً ديمقراطية لمبادرته، فإنَّها فعليًا محددة وأمامها معيقات.

  • من واقع الحال:

أثناء لقاء ثقافي في بداية عام 2000، أشار الشهيد ربحي حداد بملاحظة حول أزمة اليسار، حيث اكتفى بالقول: “إنَّ الأزمة – وأشار إلى صدره – وقال هنا لدى كل واحد فينا”، كثّف حينها المشكلة، وأشار إلى الحل “ذلك الدور الذي يجب أنْ يقوم به كل فرد”، وكثّف بأنَّ “الأزمة ليست إطارًا نظريًا، بل تجليًا ملموسًا طالما أنَّها في العامل الذاتي، فإنَّ تجاوزها مرتبط به وبإدراكه لدوره، ومعتقد هذا الدور أنَّ كل فرد يحتاج إلى أنْ يؤثر عبر فعله، ويرى نتائج ذلك التأثير، وهذا يتطلب وعي وإرادة وحسم خيار واستعداد وإدراك الدور وتعريفه”.

الفصل الثالث

الآفاق والاشتباك:

إنَّ الحزب فعل ثوري على الأرض، يَتَشّكل وينمو وتتطور إمكاناته بفعل نضاله وقدرته على التقاط اللحظة واشتباكه، وتعبيره عن مصالح القوى الاجتماعية التي يُمَثلِها وقدرتها على النضال، وألّا يَتّحول لجهاز، وأنْ يبقى حزبًا ثوريًا، فحل الأزمة دومًا بالنضال والقدرة على الفعل والتأثير وأخذ الدور؛ فالجملة الأساس لنمو الحزب هي الاشتباك نضاليًا.

  • اليسار والجماهير (الاشتباك الأول):

إنَّ المفهوم الجماهيري يحتل مساحة واسعة من أدبيات اليسار المختلفة من ناحية التعاون والتأثير والاتصال والمكانة، لكن سنوات الأزمة والمتغيرات الحاصلة على الصعيد الدولي من تطور في وسائل الاتصال والتواصل وغيرها، قد أثرت في هذه العلاقة، فعلى سبيل المثال، يشير المولدي قسومي إلى أوضاع اليسار التونسي لناحية العلاقة بالجماهير بقوله: “إنَّ اليسار يعاني من غياب الاستراتيجية الاتصالية الفاعلة، وعدم اعتماده على مناهج علمية ومقاربات نابعة للاتصال مع الجماهير الشعبية”[46]، وهذا ما أدى بدوره إلى “نتيجة مفارقة يمكن أنْ نصفها بالخاصية الخصامية لليسار التونسي، باعتبار أنَّ هذا اليسار لم يعد يُمثل فعليًا الفئات والطبقات والشرائح التي تمثل العنصر الأساسي في برنامجه النضالي”[47].

وبالإشارة إلى اليسار الفلسطيني، يحدد حسن زواودة أنَّ اليسارَ فلسطينيٌ “لم يخض حتّى الآن معركة فعلية دفاعًا عن مصالح الفئات الشعبية، وفي مواجهة لسياسات السلطة في الضفة والقطاع الاقتصادية والاجتماعية، ولم يقم بدور فاعل على صعيد معالجة الانقسام السياسي والتجزئة السياسية والاجتماعية”[48].

إنَّ غياب اليسار عن تمثيل مصالح القوى الاجتماعية التي حدد أنَّه يُمثلها، وحالة الضعف بالتواصل معها، وتَبّني قضاياها، والنضال لأجلها، قد أفقدت اليسار قاعدتها الرئيسية وموطئ حضوره وفعله، بعد أنْ رسخت أزمة التمثيل فعليًا خلال السنوات الماضية لليسار، أي عدم تمثيل قوى اجتماعية محددة، حيث اقتصر على  تمثيل نخبة تدور حول تلك النخبة وترتبط معها وبها. بمعنى تراجع حالة التمثيل لمصالح الجماهير الشعبية الكادحة، حلّت مكانها تمثيل مصالح نخبة، والتعبير عن رؤيتها بالممارسة، فالابتعاد عن حالة الاشتباك فيما يتعلق بهموم الجماهير لا يُعبر عن ضعف إمكانية أي تطور ووعي فقط، بل يُعبر عن ارتباط مصلحي منظم، فالتعبير عن مصالح طبقة محددة للأحزاب يبقى قائمًا وفاعلًا ولا يغيب إراديًا، فيمكن لحزب أنْ يدعّي تمثيل مَنْ يشاء خطابيًا، لكن الحكم ممارسته ومواقفه التي تحكم تلك الممارسة، وتشكيله القيادي المؤثر بالطبع.

إنَّ الجملة الجماهيرية تستدعي حسم خيار من ناحية ممارسة قوى اليسار، وهذا يتطلب إحداث تغيير في بنية القوى اليسارية قياديًا، بالأخص التي تبتعد عن الجماهير، وتبني مصالحها يُحّمل مسؤولية النخب القيادية أولًا، والعودة إلى الارتباط جماهيريًا يتطلب أيضًا النضال على الأرض، بحيث تَتّحول قوى اليسار إلى خيار جماهيري حقيقي؛ كما يؤكد سلامة كيلة بأنَّ “الحزب هو الفعل الواعي في إطار الحركة المجتمعية، حيث إنَّ مهمته تتمثل في تفعيلها وتنظيم نشاطها، من أجل تحقيق أهداف هي قادرة على تحقيقها”[49].

  • اليسار والجملة السياسية (الاشتباك الثاني):

أشار المفكر اللبناني مهدي عامل إلى خطورة الاستسلام السياسي للبرجوازية، وتأكيده أنَّ “الاستسلام السياسي للبرجوازية أو الانزلاق إلى موقعها بحقل الصراع السياسي غالبًا ما يقود الفكر إلى مواقع الفكر المُسيطر، حتّى لو كانت مختلفة عنه أو أراد لنفسه أنْ يكون كذلك، أو أنْ يؤكد هذا الاختلاف”[50]، بمعنى أنَّ التسليم في واقعنا الراهن ببرنامجين مطروحين بقوة سياسية، وعدم تقديم اليسار خيارًا برنامجيًا وممارسة سياسية مختلفة، يعني البقاء في إطار خطاب سياسي يطلق مبادرات ويتأقلم والوضع السياسي الراهن، ويبتعد عن حالة الاشتباك سياسيًا والنضال ضد الاحتلال، وعدم طرح مقاربة سياسية تنطلق من مشروع التحرير، فكما قال أيضًا مهدي عامل فإنَّ “الموت في التماثل والاختلاف حياة الزمان”[51]، والتماثل سياسيًا يعادل الموت والاختلاف، يبرز بالممارسة ويعطي إشارات حياة.

إنَّ اليسار يحتاج إلى البرنامج والاشتباك سياسيًا عبر طرح مهمة النضال ضد الانقسام، وفي الوقت ذاته النضال ضد الاحتلال، وإعادة تقييم مدى فعالية خيار الدولتين الذي مهّد تاريخيًا لظهور التسوية السياسية، وإعادة تقييم خيار الدولة الديمقراطية، وتحديد هدف الانتصار على المشروع الصهيوني، وهزيمته كمتطلب لها، فهذا المشروع الاستيطاني الاستعماري يسعى لتطوير عملية التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني، ومواجهة تستدعي توسيع حالة الاشتباك يقوده البعد السياسي.

  • اليسار والجملة الكفاحية (الاشتباك الثالث):

إنَّ الممارسة الكفاحية على الأرض بأشكالها تمثل حاجة، حيث إنَّنا نواجه مشروعًا خطيرًا، هزيمته لا تتأتى دون مواجهة على الأرض بجميع الوسائل والسُّبل، ورفض خيار مقايضة أسلوب نضالي بآخر؛ فالأساليب تحددها اللحظة وما يخدم الهدف.

بناءً على ذلك؛ فإنَّ ضعف اليسار كفاحيًا على صعيد الفعل المسلح المباشر، والنضال عبر الأشكال الانتفاضية المتعددة أو الجماهيرية، قد أضعف حضوره وتأثيره، وهذا الإضعاف قد حدّ قدرته على التأثير سياسيًا وجماهيريًا، وهذا الضعف ليس بريئًا، بل مرتبط بما ذكر سابقًا، من سيطرة نخبوية، والانفصال عن الحركة الجماهيرية، وغياب الحضور النظري والسياسي؛ فبدون هذه الرافعة الكفاحية، لا يمكن للمشروع اليساري أنْ يُمثل حالة جذب واستقطاب وتأثير، وأنْ يُمثل خيارًا.

إنَّ هذه الجملة تُمثل بُعدَ الممارسة الثورية العملية، والعمل من أجل تحقيق الأهداف، وتؤثر معنويًا وسياسيًا وجماهيريًا، فالفعل الثوري سبيل للتطور وخيار لتجاوز الأزمة، متكامل مع الفعل بالاتجاهات المختلفة.

  • اليسار والجملة التنظيمية (الاشتباك الرابع):

إنَّ الأداة التنظيمية تلعب دورًا حاسمًا بالنضال واستهداف هذه الأداة بما تعنيه من فعل جماعي وعقل جمعي، هو استهداف للفعل النضالي التحرري، وهذا ما يتم بناءً على إدراك العدو أولًا لمدى خطورة الأداة التنظيمية الصلبة والفاعلة، وهذا ما يجب على قوى اليسار وعيه، والعمل على تطوير بنيتها التنظيمية، بما يعنيه ذلك من توسيع الحالة الديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام قيادة شبابية مستعدة وواعية وفاعلة للعمل القيادي، ووعي حجم المتغير الحاصل، والتقاط مهمة تجديد وسائل التواصل الجماهيري، وتأثير وإعداد الكادر.

إنَّ هذه المهام تستدعي بناء إطار يساري ثوري فاعل، يضم قوى اليسار الثوري، ويتأسس على رؤية وبرنامج، وتوفر حالة قيادية مرتبطة بمصالح الجماهير، ومُعبّرة عنها وحاسمة للخيار سياسيًا وكفاحيًا، وتمتلك القدرة على تقديم رؤية وخيار على الأرض، وهذا لا ينتج كخيار في إطار المساومات لتشكيل ائتلافات الهدف فيها الحد من السقف السياسي بالأساس، وكذلك لا يُبنى بناءً على ميراث من التخوف والتشكك ما بين أطراف هذا اليسار، ولا يُبنى فقط من خلال الخيارات الحزبية، بل يجب أنْ يمثل نقطة جذب واستنفار لآلاف تبحث عن خيار.

إنَّ وحدة القوى اليسارية، إنْ لم تقم بناءً على قناعة ورؤية وبرنامج وقيادة واستعداد، لا يُمكن أنْ تمتلك عناصر النجاح؛ فالجمل السياسية والجماهيرية والكفاحية والتنظيمية، ملفات عمل تحتاج إلى جهد من أجل تحقيقها، ويحتاج كل حزب وكل إنسان يساري للعمل عليها.

توصيات:

إنَّ أوضاع قوى اليسار الراهن تتطلب العمل على قاعدة محاور من أجل مواجهتها، وتحتاج إلى عقد جماعي لذلك، وإطلاق حرية التفكير، على طريق توحيد الممارسة، وهذا يستدعي خطوات عملية أرى أنَّها:

أولًا: عقد مؤتمر يساري فلسطيني يضم قوى اليسار الثوري في فلسطين، بمشاركة شخصيات يسارية مستقلة، يتناول عنوان اليسار الفلسطيني الثوري الموحد، رؤية وبرنامجًا.

ثانيًا: تشكيل إطار شبابي يساري تحت مُسمى “الشبيبة اليسارية”، يضم قطاع الشباب وتأسيسه وقيادته، وتوفير ممكنات لإنجاح هذا الإطار بشكل ديمقراطي، بعيدًا عن المحاصصة التي على اليسار أنْ يلفظها، عبر إنتاج حالة قيادية لهذا الإطار بشكل ديمقراطي.

ثالثًا: العمل على إصدار ثقافي جاد ومعمق، يتعلق بتقديم تجربة قوى اليسار وعوامل نجاحها وإخفاقها، وتناول التجارب الوحدوية اليسارية وفشلها بالنقد، وهذا يهدف إلى البدء بالعمل على الصعيد الثقافي؛ لإنتاج ذهنية يسارية ثورية، لا تتمسك بقوالب جاهزة للحكم على بعضها البعض، وما أنتجته التجربة السابقة.

رابعًا: فتح المجال أمام المرأة في إطار قوى اليسار، والعمل على تشكيل إطار نسوي يساري فاعل.

خامسًا: الانشداد للحلقة الكفاحية على الأرض، وإنتاج أدوات وابتكار وسائل وتشكيل ما يلزم لممارسة هذا الدور بشكل مميز، بما يعكس نفسه على سياق التجربة.

سادسًا: إعادة التصدي للمهام الوطنية والاجتماعية، والابتعاد عن تصديرها لمؤسسات غير حكومية، والعمل على إنتاج الأُطر الجماهيرية الفاعلة بين صفوف الجماهير والمدعومة منها، بما يتعلق بالأسرى والشهداء والمرأة وغيرها، بحيث تصبح هذه المهام نضالية تتصدى لها أُطر نضالية فاعلة على الأرض.

سابعًا: فتح المجال أمام حالة التجديد الشبابي بالهيئات القيادية لقوى اليسار.

إنَّ هذه مهام عامة، فما يتطلبه الواقع الآن ليس مبادرات، بل الأهم مَنْ يطبقها، ومَنْ يعمل من أجلها، كما ذُكر في سياق هذا المادة، أنَّ أزمة اليسار ذاتية وتجاوزها كذلك، كما أنَّ المسؤولية تقع على عاتق قوى اليسار وقيادتها، وكل فرد أيضًا يمكن أنْ يؤثر في هذا الإطار.

بقي الإشارة إلى أنَّ إحدى الروافع الرئيسية لتجاوز اليسار العربي العام لأزمته، ترتبط بقدرة اليسار الفلسطيني على تقديم أنموذج وتمثيل رأس حربة لمواجهة الاحتلال بجميع الأشكال، وفي مقدمتها العنف الثوري.

انتهى


المصادر : 

1 مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، مهدي عامل، دار الفارابي، 1978، ط1، ص 76.

2 مصدر سابق، ص 76.

3 نقد الفكر اليومي، مهدي عامل، دار الفارابي، 2011، ط4، ص 78.

[4] اليسار السوري في واقعه الراهن، سلامة كيلة، منشورات المتوسط، ص 202.

  1. 5.اليسار العربي وقضايا المستقبل، فيصل دراج ومؤلفين، مركز البحوث العربية، القاهرة، 1996، ص 53.
  2. 6.فكر غرامشي: مختارات، جمعها كارلو سالنياري، ماريو سبينيلا، تعريب تحسين الشيخ علي، دار الفارابي، بيروت، 1976، ص20.
  3. 7.نفس المصدر، ص 157.
  4. 8.نفس المصدر، ص 130.
  5. 9.أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، مصدر سبق ذكره، ص 14.
  6. 1في الثورة والقابلية للثورة، عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 29.
  7. 1أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، مصدر سبق ذكره، ص 14.
  8. 1 فكر غرامشي، مصدر سبق ذكره، ص 27.
  9. 1أزمة لا نهاية لها: كيف ينتج رأس المال المالي الاحتكاري ركوداً وانتفاضات، جون ببلامي فوستر، روبرت وماكشيسني، ترجمة مازن الحسيني، ص 59.
  10. 1الفيروس الليبرالي: الحرب الدائمة وأمركة العالم، سمير أمين، دار الفارابي، ص 17.
  11. 1الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهور العلوم الإنسانية، تقديم المولدي الأحمر ومساهمة مجموعة من الباحثين، المركزي العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 25.

16.اليسار العربي ، مصدر سبق ذكره، ص 61.

  1. 1إطلالة أولية على اليسار في المشرق العربي، تحرير جميل هلال،  مؤسسة روزا لوكسمبورغ، رام الله، آذار 2014.
  2. 1التجربة النضالية الفلسطينية – حوار شامل مع جورج حبش، أجرى الحوار محمود زويد، مركز الدارسات الفلسطينية، ص16.
  3. 1موقع الثقافة، هومي ك. بابا، ترجمة ثائر ديب، ص 76.
  4. أثر الفكر الاشتراكي، مصدر سبق ذكره، ص 77.
  5. 2نفس المصدر، ص 85.
  6. نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي، كريم مروة، دار الساقي، ص 207.
  7. عقيدة الصدمة، صعود رأسمالية الكوارث، نعومي كلاين، بالعبرية، 2011، ص 26.

[24]2.الهوية الثقافية والعولمة: عشر أطروحات، الأطروحة السابقة، محمد عابد الجابري، ورقة مقدمة في إطار العرب والعولمة، نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت بين 15-20 كانون الأول 1997.

  1. 2ذات المصدر السابق، الجابري.

26..أثر الفكر الاشتراكي، مصدر سبق ذكره، مهدي عامل، ص 85.

  1. 2 نفس المصدر السابق، ص 85.
  2. 2 إطلالة أولية على اليسار في المشرق العربي،  مصدر سبق ذكره، ص 20.

[29] – مراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، تحرر جميل هلال، منير فخر الدين، خالد فراج، مداخلة جميل هلال، بعنوان: “المسألة الفلسطينية في خضم محدداته الراهنة”، ص 51.

[30] – الوثيقة النظرية المقدمة من المؤتمر السابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ص 138.

[31] –  ذات المصدر السابق، ص 139.

32 فكر غرامشي، مصدر سبق ذكره، ص 10.

  1. في التنظيم الثوري السري، أحمد قطامش، ص 542.
  2. 3 كراسات السجن، غرامشي، ترجمة عادل غنيم، ص 170.
  3. 3المجتمع المدني بين الوصفي والمعياري: تفكيك إشكالية المفهوم وفوضى المعاني، نادية أبو زاهر، ص 227.
  4. 3المشروع الوطني الفلسطيني من استراتيجية التحرير إلى متاهات الانقسام، إبراهيم أبراش، ص 109.

[37]. مراجعة السياسات، تحرير جميل هلال وآخرون، مصدر سبق ذكره، ص 51.

  1. 3الهوية الوطنية الفلسطينية في ظل العولمة، بحث في تغير الأحوال والعلاقات، ابتسام اسكافي، ط1، 2013، ص 320.
  2. النظرية والحزب في فكر مهدي عامل، مداخلة نقدية في النظرية والممارسة في فكر مهدي عامل، ندوة فكرية، مركز البحوث العربية، دار الفارابي، 1989، ص 53- 89.
  3. 4الكاتب والروائي المنفي عبد الرحمن منيف، ص 260.
  4. 4في التنظيم السري، مصدر سبق ذكره، ص 257.
  5. 4فكر غرامشي، مصدر سبق ذكره، ص 270.
  6. 4 جبهتنا من الأزمة إلى النهوض، الحزب والقضية التنظيمية كحلقة مركزية أولى في المرحلة الراهنة، الدائرة الثقافية المركزية للجبهة الشعبية، ص 72.
  7. 4 مراجعة لسياسات، تحرير جميل هلال وآخرون، مصدر سبق ذكره، ص 51.
  8. 4جبهتنا من الأزمة إلى النهوض، مصدر سبق ذكره، ص 72.
  9. خارطة اليسار العربي : تونس  –مصر – اليمن – السودان – المغرب – الجزائر، تحرير خليل كلفت، إعداد المولدي قسومي، ص 40.
  10. 4 نفس المصدر السابق.
  11. 4إطلالة أولية على اليسار في المشرق العربي، اليسار الفلسطيني، الواقع والتحديات، حسن رداودة، مصدر سبق ذكره، ص 48.
  12. 4اليسار السوري في واقعه الراهن، سلامة كيلة، الطبقة الثالثة، منشورات المتوسط، ص 202.
  13. نقد الفكر اليومي، مهدي عامل، دار الفارابي، ص 32.
  14. 5 مقدمات نظرية في التناقض، مصدر سبق ذكره، ص 245.

المصدر : موقع بوابة الهدف 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.