قصة عميل : عامر الياس فاخوي – جزار معتقل الخيام

0 53

يتوافق مؤرخون كمثل جورج قرم و هنري لورنس على اعتبار لبنان مختبرا في حقل السياسة و الاجتماع تظهر فيه علامات و انعكاسات التحولات الجارية و المتوقعة ليس في لبنان وحسب و إنما في محيطه أيضا ، خصوصا في الفضاء السوري و العراقي و في مصر إلى حد ما.

و في هذا الصدد فإن الضجيج الذي يعلو هذه الأيام في لبنان حول رجل متعاون مع الإسرائيليين أثناء احتلال لبنان رجع إلى البلاد منذ ستة أشهر تقريبا بجواز سفر أميركي و بحماية أميركية . الأمر الذي لم يمنع الدولة من مقاضاته فقط و لكنه سمح للولايات المتحدة الأميركية أيضا بتقديم استعراض معبر في تحقير الناس في البلاد الضعيفة و في عدم احترام سيادة و استقلال الدول أو شبه الدول ، من خلال عملية تضمنت استقدام طائرة مروحية من احدى قواعدها في المنطقة إلى مهبط خاص بسفارتها لنقل العميل ذي الجنسية المزدوجة اللبنانية و الأميركية بالرغم من وجود حكم قضائي يقضي بمنعه من مغادرة البلاد .

تستوقف المراقب في هذه المسألة معلومات أو اعترافات أفرقاء السلطة أنفسهم عن تعرضهم منذ أن عاد العميل إلى البلاد ، لضغوط أميركية متواصلة بصفتهم أعضاء في تكتلات سياسية وأحزاب وحركات أو كموظفين في مؤسسات رسمية قضائية و أمنية .

و عن أن هذه الضغوطات تكثفت في الأشهر الأخيرة ( ربما توازيا مع تفاقم الأزمة المالية و المصرفية و مع انطلاقة الانتفاضة الشعبية في تشرين أول الماضي ) حيث اتخذت طابع التهديد و الوعيد بحق الذين يرفضون الامتثال للأوامر الأميركية و ذلك بإدراج أسمائهم على ” لائحة العقوبات الأميركية ” . أما المطالب الأميركية فلقد كانت واضحة : اطلاق سراح العميل دون قيد أو شرط !

من المعلوم في هذا السياق أن الولايات المتحدة الأميركية وضعت منذ عدة سنوات ( و أعتقد أن الاتحاد الأوروبي ، وبعض الدول العربية و غير العربية الإمعة ، حذوا حذوها في هذا الموضوع) طرفا مشاركا في السلطة في لبنان و قادته في خانة الذين نعتبرهم ” إرهابيين ” ، دون أي رد فعل أو احتجاج من جانب هذه السلطة .

من البديهي أن هذا البحث لا يتسع لجميع التفاصيل التي تناهت إلى علم الإنسان العادي في لبنان ،عن الدرجة التي بلغتها سيرورة تجويف شبه الدولة اللبنانية من محتواها الوطني الذي كان في الأصل ناقصا . فما بالك بما خفي عنه .

استنادا إليه ، لا نجازف بالكلام أن في لبنان دولة يحكمها عدد من السلطات الطائفية بالإضافة إلى سلطة ربما هي الٌأقوى و الأكبر نفوذا ، هي الولايات المتحدة الأميركية التي تمتلك سفارة ومهبطا خاصا للطائرات و على أرجح مواقع عسكرية أخرى ، ناهيك من القنوات التي تصل بينها من جهة و المؤسسات الرسمية من جهة ثانية . كما لو أن لبنان صار على شاكلة العراق بمقياس أدنى.

مجمل القول أن الولايات المتحدة الأميركية متوغلة في أعماق شبه الدولة اللبنانية الأمر الذي يمكنها من مراقبة كل صغيرة و كبيرة فيه و يجعلها قادرة على فرض إملاءاتها ، و ما قصة العميل التافهة إلا غيض من فيض .

و لكن ما يثير الحيرة في الحقيقة ، هو الخطاب السياسي الرسمي المتبقي على الساحة اللبنانية ، المصر على ضرورة المحافظة على السلطة وعلى الوضع كما هما، و هذا منطقيا أمر مستحيل ، فليس من حاجة إلى فهلوية في معاينة الواقع لملاحظة تدهور الأحوال المعيشية المتسارع نتيجة الارتهان للولايات المتحدة الأميركية بالإضافة إلى الوباء طبعا الذي زاد الطين بلة.

وباقتضاب شديد لا شك في أن الناس يحتاجون إلى الذين يتصدون للخطة الأميركية لأنها تبطن خطرا عليهم ولكن السؤال الكبير بعد الانتفاضة الشعبية و على ضوء قصة العميل ، هو عما إذا كان المقاومون مقتنعين بأنهم بحاجة إلى ثقة وتأييد الناس طوعا لا كرها ، عقلانيا لا عاطفيا أو تعصبا .

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : خليل قانصوه

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.