كورونا لسان الكون – قراءة للواقع في تونس

0 225

لا يزال وباء كورونا يفعل فعله في بلدان كثيرة ومن بينها تونس ، فقد حل بينها على حين غرة فقلب عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، وبينما كانت القلة قبل مدة وجيزة تدرك خطره ، مُتوجسة خيفة منه ، فإن الأغلبية استهانت به وسخرت من الحكايات المتداولة عنه باعتقادها أنه سجين بر الصين ، تلك البلاد البعيدة حيث تشرق الشمس وينام التنين ، وتعانق قمم الجبال سقف السماء وتنبع المياه من عيون الهواء .

وشيئا فشيئا حدث ما لم يكن في الحسبان ، فإذا به يتفشى في أوربا وبقية القارات فأصبح الجميع تقريبا يهابه مرتعشا أمام جبروته، مكتفيا بمتابعته دون حول ولا قوة وهو يخترق البحار والصحاري والسهول وأحياء القصدير وناطحات السحاب ، ويمتطي نياق الخليج ومترو الانفاق ويتغدى ويتعشى في ثكنات الناتو ومرابض طالبان وداعش والحوثيين ، قبل أن يحط به الرحال في المقابر ، بعد مشاهد إيطالية مجللة بالمآسي لجثث محروقة واعترافات أطباء بحجب العناية الصحية عن شيوخ وتوفيرها لصغار السن ،جراء الاكتظاظ .

لم تنفع مع المرض الموسيقى المنبعثة من شرفات المنازل في روما ولا ابتهالات البابا في شوارعها المقفرة ، ولا حتى صلوات شيوخ الحرم المكي وأحبار حائط المبكى في القدس ومجالس شرب بول البقر في نيودلهي ، إنه الوباء الذي وصفت عبقرية ابن خلدون تأثيره الصاعق في المقدمة بالقول : وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة.

وفي شتى البلدان ضبطت استراتيجيات وحددت تكتيكات لمواجهته وتكلم رؤساء وملوك ونُشرت جيوش وأعلنت حروب واستنفرت وسائل اعلام وانهارت بورصات وانخفضت قيمة عملات وارتفعت أو تدحرجت أسعار بضائع .

وفي تونس تواترت أخبار حزينة عن وزير صحة يقول إن الأموال المرصودة لمقاومته قد أوشكت على النفاد ، والحال أن الحملة عليه لم تكن قد بدأت ، الى مدير معهد سبر آراء يؤكد أن ضحاياه سيبلغون مئات الآلاف، وُصولا الى تلك اللوحة العبثية حيث رئيس حكومة يأمر بغلق المقاهي على الساعة الرابعة مساء في خطاب أول ، ثم غلق الحمامات في خطاب ثان، حتى رئيس دولة ذاب كما حبة ملح في البداية قبل ظهوره في النهاية، ليزُج بجيشه في حرب ليلية عليه من الصعب أن يعرف أحد لا اليوم ولا غدا سر توقيتها.

وفي خضم ذلك أحس التونسيون بحالة ضياع حقيقية، فقد جاءت الأزمة الوبائية لتزيد أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وطأة، وخاب انتظارهم حلول قرطاج وباردو والقصبة ، فإذا كانت السلطة لا توفر لهم الغذاء والماء والدواء فكيف تطالبهم بالحجر والعزلة ؟ فعندما نأمر شعبا بأن يلزم البيوت ولا يغادرها ثم لا نقدم له ما يستحقه من حاجيات فذاك معناه دفنه حيا ، ومن هنا خطأ نسخ ولصق ما جرى في مدينة ووهان ، فالصينيون سيروا في تلك المدينة التي يزيد عددها على عدد سكان تونس الربوات في الشوارع، وأرسلوها الى المنازل ، وهى مزودة بما يلزم من المؤونة لتوزيعها . فضلا عن الطائرات المسيرة بأبواقها الصادحة في الفضاء.

ومن هنا فإن أوامر من قبيل : شد دارك ، يمكن أن تتحول الى كابوس فاشي ثقيل اذا ما تطور الوباء واستوطن البلد ، وقد يفاجئك بها سياسي أو رجل دين أو شرطي أو حتى طبيب ، بما يؤدي الى ظهور الفرد الخاضع ، الذي يتخلى عن حريته صاغرا تحت وطأة الخوف من المجهول الوبائي ..

وستحتاج وقتها الى التفكير فيما يجري حولك بمعناه الوجودي فإن خرجت فأنت ميت ، وإن لم تخرج فأنت ميت فأخرج ومت … ربما هي المرة الأولى في تاريخ البشر التي يفرض عليهم فيها حظر الجولان من قبل الحكام لا بسبب تمردهم وانما بسبب المحافظة على حياتهم خارج أوقات عمل ملاك الموت ، فهل سيصل الناس الى تلك اللحظة التي يسلمون فيها رقابهم الى السكين طواعية ؟ ربما نعم …ربما لا ، فذاك يتوقف على موازين قوى غير واضحة حتى الآن في ” حرب ” أضحت خفية أكثر من أي وقت مضى.

 

بقلم : الرفيق : Farid Alibi – جريدة الأنوار التونسية 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.