مائة عام من الحروب الامبريالية على الشعوب والأمم المضطهدة

0 427

انعقد في باريـــــس، عاصمة الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية، مؤتمر بمناسبة مرور 100 سنة على نهاية الحرب العالميّة الأولى، وهي حرب امبرياليّة دارت بين القوى الاستعماريّة آنذاك من أجـل إيجاد حلّ دمـويّ للتناقض الذي احتدّ بين تلك القـوى المتكالبة على ضرورة اقتسام ما تبقّى من أراضٍ غير مُحتلّــة بعد أن فشلت جميع المحاولات الدبلوماسيّة في حلّ  ذلك السّباق الاستعماريّ المحموم. وقد انقسمت هذه القوى قبيل اندلاع تلك الحرب إلى حلفيْن سياسيين وعسكريين متناحريْن. 

كـان ضمّ ما تبقّى من العالم إلى سيطرة تلك القوى هو العامل الرّئيسيّ الذي أحرق أرجاء واسعة من العـالم على مدى يزيد عن أربعة أعـوام وقتل وشرّد وجرح وأفقد الملايين من البشر الذين لا ينتظرون أيّ فـائدة من تلك الحرب وقد أقحمت هذه القوى في حربها تلك طبقات وشعوبا وجنّدتها لتكون وقودا لمعاركها الطّاحنة رغم أنّها لا مصلحة لها فيها.

وقد أتاحت تلك الحرب للمنتصرين فيها تحقيق أطماعهم باستعمار شعوب وأمم جديدة وتوسيع مساحات إمبراطورياتهم وتحويل أراض واسعة إلى أسواق لسلعهم الرّاكدة وبالتالي حلّ الأزمـة الاقتصاديّة للامبرياليّة ونهب ثـروات الأمم والشعوب المستعمَــرة.

وقد استندت القوى الامبريالية في بسط هيمنتها هذه إلى مجموعة من المؤتمرات والمعاهدات سمّيت بمؤتمرات الصّلح وقد تفرّعت كلّها عن مؤتمر السلم بباريس الذي عُقـد في باريس بين 18 و21 جـانفي 1919 أي بعد مدّة قصيرة من نهاية الحرب. وقد شرّع ذلك المؤتمر لتلك القوى القضاء على دول وبعث دول أخرى للـوجود وتمزيق أمم واحتلال أمم أخرى، وكلّ ذلك تمّ تحت اسم “مؤتمر السلم ببــاريس” الذي قاده قادة الدّول الأربعة المنتصرة، فرنسا وانجلترا وايطاليا والولايات المتحدة الأمريكيّة، وفتح بذلك عهدا جديدا من الاضطهاد والاستغلال ومن النّهب والحروب التي لم تتوقّف القوى الاستعمـاريّة عن شنّها ضدّ شعوب المستعمـرات وأشباه المستعمـرات والتي مازالت مستمرّة إلى اليـوم حتّى وإن تغيّر شكـل الاستعمـار وتنوّعت وسائله وميادينه، ولازالت المعارك والحروب الـوطنية قائمة هنا وهناك في أرجاء مختلفة من العالم بما أنّ الحقبة الامبرياليّة لم تتوقّف وإن أرادت البرجوازيّة تلطيف اسمها من خـلال ابتكار مصطلح “العولمــة” الكاذب.

لقد انتهت الحرب الأولى التي خاضتها القوى الامبريالية في ما بينها بينما تواصلت حرب الامبرياليات على شعوب المستعمرات وأشباه المستعمـرات على مدى أكثر من قرن ولازالت مشتعلة إلى اليـوم.

إنّ منتدى باريس “للسلم”، كما أراده منظّموه والمشاركون فيه، هو احتفـال بمرور قرن عن نهاية الحرب الامبريالية الأولى وهم في حقيقة الأمر يحتفلون ببلوغهم قــرنا كاملا من الحروب الاستعماريّة ضدّ الشعوب والأمم المضطهَدة وباستمرار هيمنتهم على العـالم وهيمنة النظام الرأسمالي في مرحلته العليا، وهم بتسميته منتدى السلم لا يحاولون غير إيهام الشعوب والطّبقات الثّوريّة وتضليلها والحال أنّ الامبرياليّة والحرب ظاهرتان متلازمتان وأنّ السلم المزعوم الذي يقصدونه يعني سيادة نظام الاستغلال الطبقي والاضطهاد القـومي مقابل الحفاظ على الصّراع الدّائر بين تلك القـوى خافتا. ولا غرابة أن ينعقد هذا المؤتمر في ظلّ اتّجاه العالم نحو الانقسام إلى معسكرين أو حلفين سياسيين تقود الولايات المتحدة أحدهما فيما تقود روسيا الحلف الآخر، وقد يبدو الصّراع خافتا أحيانا ولكنّه يشهد في أحيـان أخرى احتدادا نسبيّا مع تصاعد التنافس والأزمات في الميدان الاقتصادي ومع ازدياد بؤر التوتّر والصّراعات في نقاط مختلفة حيث يبدو التنافس على أشدّه أحيانا ويبلغ حدّ التهديدات المتبادلة، وقد لا يطول الزّمن كثيرا حتّى يشتدّ هذا التناقض ويبلغ حدّ الانفجــار.

وإذا كانت تلك الحرب قد حملت كثيرا من الآلام ومزيدا من الاستعمـار، فإنّها قد فتحت أيضا أمـام البشريّة بابا واسعا لاقتحـام عهد جديد ورسمت علامة مضيئة لتأسيس مرحلة جديدة، مرحلة الاشتراكية والسير نحو الشيوعيّة. لقد اقتنص البلاشفة والطّبقة العـاملة في روسيا مناسبة الحرب الامبرياليّة الأولى ليهدموا النّظام القديم ويستولوا على السلطة ويؤسسوا دكتاتوريّة العمّال والفلاحين الفقـراء بقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي بعد أن نبّهوا إلى رجعيّة المواقف المساندة لروسيا القيصريّة خـلال الحرب ونبذوا الأوهام البرجوازية والبرجوازية الصّغيرة داخل الحركة الاشتراكية آنذاك ووقفوا إلى جانب الشعب ودافعوا عن مطامحه فأمكنهم إنجاز ثورة اشتراكية ظافرة تمكّنت من دحر القوى الامبرياليّة التي حاصرتها مع انتهاء معارك الحرب فيما بينها.

ولم يختلف الأمر كثيرا خلال الحرب الامبريالية الثانية التي ساعدت الثورة الوطنية الدّيمقراطية في الصين على تحقيق انتصارات هامّة ضدّ الامبريالية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

إنّ الحركة الثّوريّـة اليوم، وخصوصا الحركة الشيوعيّة العالمية، مطالبة بمزيد استخلاص الدّروس من تاريخ الصّراع القائم بين الشعوب والأمم والطّبقات المضطهَدة من جهة والامبرياليّة من الجهة المقابلة وأيضا الصّراع بين القوى الامبرياليّة فيما بينها من أجل الاستفادة من دروس الماضي وتجاربه واستنتاج اتجاه الصّراع في الحاضر حتّى تتهيّآ هذه الحـركة لاقتحام مرحلة جديدة من الثّـورة البروليتاريّة بشكليها الاشتراكي في العالم الرأسمالي والوطني الدّيمقراطي في المستعمرات وأشباهها، فعصر الامبريالية والثورات الاشتراكية لم ينته بعد وإنّه لن ينتهي ما لم يتمّ القضاء على القوى الامبريالية وكلّ الرّجعيّات في هذا العالم.

 

المصدر : طريق الثورة 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.