التحويل الثوري وحركة التاريخ – مهدي عامل

0 329

بعد الخامس من حزيران تهاوت اوهام من اعتادوا العيش في اوهامهم ، فدوت صرخة الياس تكسح الوعي وتشله ، وغاب العقل منهم في ما يشبه البحث عن الاسباب ، فتوقف عند عجزه ، وارتاح لما وجد ما يبرر استقالته فيما ظن انه السبب ، فكان الضحية الانسان العربي اذ صار جوهرا .

قالوا انها ازمة الانسان تمتد في جذورها الى ما قبل بدايته، والهزيمة ليست حدثا ، انها فيه قبل حدوثها ، ضرورة الصيرورة من جوهره .والجوهر واحد -وان تغير -، انه لعنة التاريخ تحيل التاريخ زمانا يتكرر . رفعوا راية العدم على انقاضهم وقالوا :انه النصر ياتي حين ياتي الجوهر الاخر . فاخذ الافق شكل اعينهم :ضبابا يحجب الرؤيا، فظنوا انه الاتي – وما ياتي لعين الوهم الاالوهم-وما علموا ان في هذا القول منهم تبريرا (ثوريا) لمن هم اصل الهزيمة :قيادات طبقية همها الحفاظ على بناء اجتماعي طبقي وجدت فيه البرجوازية الكولونيالية اساسا لسيطرتها الطبقية .

كان سهلا على عقل اسير وهمه الطبقي ان يجد في جوهر الانسان العربي ما ليس فيه من اسباب هزيمة يستلزم الكشف عن اسبابها الفعلية مقاربتها من زاوية نظر طبقية اخرى ، هي زاوية نظر الطبقات الاجتماعية التي تخوض فعلا معركة التحرر الوطني في صراعها الطبقي نفسه ضد التحالف الطبقي المسيطر.

وكان شجاعة ان يتصدى من تصدى لذلك التيار الجارف من العدمية الذي هيمن على القسم الاعظم من نتاج الفكر بعد الهزيمة، سواء في حقل الشعر ام القصة ام الرواية ام المسرح .

والشجاعة الفكرية في الصمود نفسه ، حين قل من صمد حرب تشرين ما قبل وما بعد اجتاحه موج اظاهر رذاذا قد تناثر . وبقي من الفكر عميقه ، فالفكر الى العمق ينفذ ، فان لم يفعل كان باطلا .والعمق من واقع التاريخ ليس جوهرا متماثلا يلتقطه الفكر العدمي حدثا مسطحا-وان طغى-، يسقطه على ما سبق وما سيلحق ، فيجعل منه مطلقا ، والمطلق هذا وجه الجمود من الفكر، اي صورة عجزه وقصوره عن تملك زمانية الواقع .العمق ذاك بنية الاساس من الواقع تتحكم بظاهراته الحدثية ولا تتكشف الا لعقل علمي قادر على تملكها بمنطق التناقض المادي من زاوية الطبقة العاملة الثورية التي تضعها صيرورتها الطبقية بالضرورة في موقع القيادة من معركة التحرر الوطني .

لقد صمد العقل العلمي في وجه نقيضه،واكد، في حقل ممارسته ، وفي حقول بقية الممارسات من الصراع الطبقي،ان السلاح الايديولوجي للبرجوازية الكولونيالية ، سواء التقليدية منها ام المتجددة ، هو ان تظهر هزيمتها الطبقية التي هي شكلها الحدثي لمازقها التاريخي،بمظهر هزيمة الانسان العربي، فكان الصمود بنقض هذا الوهم الطبقي في تيار العدمية ممارسة ايديولوجية ثورية للصراع الطبقي ضد البرجوازية الكولونيالية.

واتت حرب تشرين تدعم -سلبا وايجابا -صمود العقل العلمي في سيطرة الايديولوجي البرجوازية المسيطرة،فثبت ان العلة ليست حيث راها الفكر الغيبي في انسان-جوهر لا وجود له الا بغياب الشروط التاريخية المادية لوجوده ،بل هي في هذه الشروط نفسها التي يجد ذلك الفكر الطبقي المسيطر مصلحة وضرورة في اخفائها.كل شعب قادر على القتال ، فما التاريخ سوى حركة الصراعات الطبقية، ولا استثناء على الاطلاق من هذه القاعدة.

وليس بالقدرة او بالعجز يتميز شعب من اخر،بل بتميز حركة الصراعات الطبقية فيه.حين وسموا(الانسان-العربي)بالعجز، غاب ذلك التناقض الطبقي المحرك لتاريخنا المعاصر بين طبقات مسيطرة تدعي الوطنية وبين طبقات كادحة تخوض معركة التحرر. وتبددت اسطورة العجزحين رات جماهير شعبنا قدرة الجيوش على القتال والانتصار-حين يسمح لها بالقتال -،وتبددت الاسطورة ايضا حين تبدى العجز الطبقي للبرجوازية الكولونيالية المسيطرة فيما يسمى بالانظمة التقدمية، عن متابعة السير في معركة التحرر الوطني الى منتهى منطقها:

وكيف يكون لهذه البرجوازية المتجددة قدرة طبقية على تحقيق منطق التحرر الوطني بقطع علاقة التبعية البنيوية للامبريالية -اي بتحويل بنية علاقات الانتاج الكولونيالية-حين هي ترى تابد هذه البنية الاساس المادي لبقاء سيطرتها الطبقية ؟ لكنها بسبب هذا العجز نفسه، تجد في منطق ايدلولجيتها القدرة على احالة العدو صديقا حليفا والحليف الصديق عدوا ،فكان حرب تشرين كانت لها عبورا من موقع العداء للامبريالية الى موقع اتحالف معها .

والحرب هذه لم تكن لها ماكنته لجماهر شعبنا ، كالواقع نفسه ، يختلف في وجوده المادي، باختلاف زاوية النظر الطبقية اليه:

بحرب تشرين رفعت البرجوازية الكولونيالية المتجددة عبء الوطنية عن كاهلها ، بعد ان تحملته مرغمة،فتحررت منه فرحة بشرعية العودة الى طبيعتها الطبقية كطبقة مسيطرة هي في علاقة عداء وطني مع الجماهير الكادحة ، وفي علاقة تحالف تبعي مع الامبرياليىة. اما النسبة جماهيرنا ،فلقد كشفت لها تلك الحرب عن ان العجز ليس فيها قدرا ، بل اسطورة من نتاج الايديولوجية البرجوزية المسيطرة .وبانتهاء الحرب، تدخل معركة التحرر الوطني لشعوبنا العربية مرحلة من الصراع الطبقي لم يعد ممكنا فيها فصل هذا الصراع عن الصراع الوطني الذي هو منه شكل التحرك التاريخي ،فالصراعان واحد هو الذي تحدده بنية علاقات الانتاج القائمة .

وما التحرر الوطني سوى التحويل الثوري لبنية هذه العلاقات التي بتجددها ، تتجدد دوما علاقة التبعية البنيوية للامبريالية، فقطع هذه علاقة هو هو ذلك التحويل الثوري. لذا يمكن القول ان القيادة الطبقية لمعركة التحرر الوطني تعود بالضرورة الى الطبقة العاملة، وبفكر هذه الطبقة وحده، اي بالماركسية اللينينية ، يمكن التملك المعرفي لحركة التاريخ المعاصر في عالمنا العربي .

مقال التحويل الثوري وحركة التاريخ – مجلة مواقف العدد رقم 27– 1 يناير1974  

بقلم : مهدي عامل

النسخ الالكتروني عليه اخرس – المصدر : الحوار المتمدن 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.