انزو ترافرسو و«ميلانخوليا اليسار» والخمول الذي حولنا

0 483

«ميلانخوليا اليسار» (2016) كتاب للفيلسوف الإيطالي انزو ترافرسو يصعب التجاوب مع عنوانه، المستعاد من مقالة لفالتر بنيامين مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي.

فهل يعاني اليسارُ، أقلّه في الأعوام الثلاثين الأخيرة، عندنا وعند سوانا، من نقص في السوداوية والتكدّر والغمّ والنكد والبكاء على الذي مضى ومناجاة ما لم يأت بعد؟ سواءٌ في ذلك يسار «مقارعة الإمبريالية» أو «محاربة الاستبداد» أو الإقبال بشراهة على «سياسات الهوية» أو الاشتياق لـ«صراع الطبقات». فإذا أضيف إلى ذلك أثر كتاب الأخلاق لسبينوزا، وإعادة اكتشاف رهط غير قليل من الفلاسفة اليساريين لأهمية المناقضة التي يعملها بين الأهواء الفرحة وبين الأهواء الحزينة، وضرورة انبثاق الفعل التحرّري من الأهواء الفرحة، عندها سيصعب أكثر فأكثر الانغماس في كتاب ترافرسو.

يستعيد ترافرسو مقولة رينهارت كوزيليك عن التفوق المعرفي للمهزومين على المدى الطويل. التاريخ يكتبه في ساعته أنصار المنتصرين. هذه حال يوهان غوستاف درويسن عندما وضع تاريخ بروسيا في لحظة صعودها وقيادتها لعملية التوحد القومي لألمانيا. هي أيضاً حال فرنسوا غيزو الذي نشر تاريخه عن الحضارة الفرنسية في لحظة انتصار خط الملكية الدستورية مع لوي فيليب (1830)، خط «الليبرالية المحافظة».

بازائهما، كتب ماركس وهو منفيّ ومعزول، عن ثورات القرن نفسه ليقدم وجهة نظر الطبقات البروليتارية المهزومة، وساهم ذلك على الأمد الأطول بإعادة كتابة التاريخ بالفعل لصالح هؤلاء المهزومين في قرنهم.

بيد أن كوزيليك لم يعرّج على بنيامين ونقده لتخلي «المادية التاريخية» في زمانه، لنهج الانحياز للمهزومين، وإيثارها بدلاً من ذلك التماهي مع «الصاعدين». استعان كوزيليك بامتداح المهزوم من طرف اليمين، من طرف كارل شميت، الفقيه الدستوري والفيلسوف السياسي المحافظ، المعتقل بنهاية الحرب العالمية الثانية لفترة من طرف الجيش الأمريكي، لتعاونه مع النازيين.

يومها كتب شميت نصّاً يقارن فيه بين حالته وبين الفرنسي الكسي دو توكفيل في القرن السابق. كان شميت قارئاً جيّداً لتوكفيل، لا لبس عنده أنّ هذا المفكر الذي يحتفل به التراث الليبرالي على أنّه داعية الديمقراطية الحديثة، انتمى في الواقع إلى نمط في التفكير مختلف كلياً، يؤرّخ لصعود الديمقراطية الحديثة من وجهة نظر عدوّها، من وجهة نظر الارستوقراطية الآفلة. توكفيل محافظ مهزوم لكنه عدل عن المعاندة. بدوره، قدّم شميت نفسه بعد الهزيمة على أنّه مهزوم توقّف عن المعاندة المستندة إلى رجاء، من دون أن يسحب نفسه من دائرة المهزومين، يتخفّف منهم بشكل أو بآخر أو يتوب، أو ينتقل تماماً إلى الضفة الأخرى.

المهزوم الذي لا تستبد به مظلوميته، من دون أن يقلب هزيمته في نفس الوقت إلى انتصار من نوع آخر، هو المهزوم الذي ينقل تجربة عصره إلى الجيل التالي (أو في أقل تقدير إلى اللحظة التالية)، علّ هذا الجيل التالي يقوم.. بالواجب!.

لا يقبل الفيلسوف الإيطالي بهذه المماثلة بين توكفيل، وماركس، وكارل شميت، التي يقوم بها كوزيليك بشكل أو بآخر، من خلال احتفائه بالقوامية المعرفية لكل المهزومين، ولأجل هذا يغرف ترافرسو مجدّداً من أفكار فالتر بنيامين، لكن أيضاً من أفكار وسير اوغست بلانكي، ولويز ميشيل، وروزا لوكسمبورغ وسواهم، ليستجمع ما يعتبره «تراثاً خفيّاً» هو تراث «ميلانخوليا اليسار»، وهي سوداوية لا تشبه أبداً حالة توكفيل أو كارل شميت. يرى ترافرسو أن هذه السوداوية لم تنفصل يوماً عن النضالات والانتظارات، عن اليوتوبيّات والثورات، وأنّها تشكل جزءاً أساسياً من «البنية الشعورية لليسار». يعود إلى التحليل الذي قدّمه جورج ديدي-اوبرمان عن فيلم «المدرعة بوتمكين» لسيرجي ايزنشتاين. ففي هذا الفيلم يتحوّل «شعب الدموع» إلى «شعب متمرّد» حين تجف دموعه.

المناخ البكائي المأتمي على الجسد المزهق الروح للبحار «فاكولينتشوك» يلعب دوراً في تزكية الفعل التمرّدي. مع هذا، لا ينال ترافرسو مراده كاملاً من فيلم ايزنشتاين. السوداوية في هذا الفيلم هي مرحلة تؤسس لنفيها، مثلما أن مجزرة درج اوديسا فيه تؤسس للتآخي بين الجنود والمتمردين. لا يقول الفيلم شيئاً عن أعمال التنكيل ضد يهود المدينة، والانتقام من عمالها، لأنّ النموذج الثوري الذي يعتمده للاستذكار يجعل الميلانخوليا تتسامى في اليوتوبيا. المأتم يفسح المجال للحظة تليه وتتجاوزه. تمرّد اوديسا يجد تحققه لاحقاً، بعد سنوات، بانتصار ثورة اكتوبر.

يطالب ترافرسو بميلانخوليا يسارية أوسع من تلك التي جرى تجاوزها في فيلم ايزنشتاين، ويميل الى اعتبار عصر ما بعد سقوط الشيوعية هو عصر التناقض بين اتجاهين، احدهما يميل الى الانحباس في الزمن الحاضر، في العالم الحاضر، بحيث يجري التعامل مع الماضي على أنّه نوستالجيا فقط أو «عدّاد ضحايا» فقط، واتجاه آخر، «ميلانخولي تحرّري»، يتعامل مع الذاكرة على أنّها السبيل لنقل تجارب الماضي إلى المستقبل.

أهمية المقاربة التي يجريها انزو ترافرسو أنّها تعيد الإعتبار لـ«الشرط الشعوريّ» للأفعال التحرّرية، وهو يدرج «ميلانخوليا اليسار» هذه في هذا الإطار. يبقى أنّ هذه الميلانخوليا المرتبطة أساساً بتاريخ الطبقة العاملة الأوروبية، وتاريخ هزائمها في القرنين الماضيين، تنتمي إلى تربة مختلفة إلى حد كبير عن «ميلانخوليا اليسار الخامل»، بخاصة في البلدان التي لا تستند الى هذه الذاكرة العمّالية.

ميلانخوليا اليسار التي يتحدّث عنها انزو ترافرسو هي أيضاً شكل من أشكال تأريخ عملية ظهور طبقة ثورية في التاريخ الأوروبي الحديث ثم تصدّعها: البروليتاريا. ولو كان ترافرسو سيجنح الى اختيار توصيف آخر، مختلف كليّاً، عن «التصدّع».

أما «ميلانخوليا اليسار الخامل» في البلدان والتجارب غير المستندة بشكل قوي إلى قصة صعود ثم تصدّع هذه الطبقة الثورية فهو مختلف كلياً، وهو أقرب إلى «النكد» من «السوداوية». هو «سوداوي» فقط من ناحية ابتعاده الكبير عن «المنازع الفرحة» التي يتكلم عنها سبينوزا. لكنه يعتمد الأسطرة لنفسه مرة، وللجماهير مرة، طول الوقت.

أي حدث يحصل يهرع محاولاً أسطرته (يحدث حالياً هذا بالنسبة إلى السودان والجزائر). الأسطرة هي علاقته مع الكلمات والأشياء جميعها. هكذا أسطرة لا يمكن أن تخلق ما يسمّيه ترافرسو «ميلانخوليا». لماذا؟ لأن الفكرة الأساسية التي يلتقطها ترافرسو بشكل أو بآخر هو أنّه فقط المهزوم الذي لا تستبد به مظلوميته، من دون أن يقلب هزيمته في نفس الوقت إلى انتصار من نوع آخر، هو المهزوم الذي ينقل تجربة عصره إلى الجيل التالي (أو في أقل تقدير إلى اللحظة التالية)، علّ هذا الجيل التالي يقوم.. بالواجب!.

المصدر : القدس العربي – وسام سعادة – كاتب لبناني

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.