جورج حبش الأكثر استنارة بين المناضلين الفلسطينيين

0 138

لقد عاش حبش المذابح، وعمليات الطرد الجماعي، والتطهير الإثني التي قامت بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في عام 1948 ، وهي حقائق يعرفها أي مؤرخ يستحق هذا الاسم، وإن كانت تخفي بعناية عن الرأي العام العربي، وقد تعلم من ذلك ، الدرس القاتل بان المشروع الصهيوني مشروع استعماري إجرامي عنصري، يقوم على غرار ما حدث في أميركا الشمالية واستراليا، حيث أبيد الهنود الحمر، وسكان استراليا الأصليين ليحل مكانهم الإنجليز الهاربون من بلادهم. ولهذا السبب رفض حبش التوقيع على اتفاقات أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية، وأثبت التاريخ أنه كان على حق فهذه الاتفاقات شجعت إسرائيل على التمادي في مشروعها التوسعي ، بدلاً من البدء في “عملية سلام” كما ظنت وسائل الإعلام حسنة النية.

فمن الذي سيحرر الشعب الفلسطيني؟ هل هم العرب المتحدون حول الفلسطينيين؟ لا شك أن حبش قد ساورته في أول الأمر بعض الأوهام الرومانسية بهذا الشأن ، بل إنه لفترة ما، كان يتوقع أن تقوم الدولة الوطنية الناصرية بهذه المهمة، ولكنه لم يستسلم تماماً لهذه الأوهام، والدليل أنه اختار للحركة التي أسسها اسم “الحركة القومية” معبراً عن توجهه للجماهير الشعبية، واليسار خاصة الشيوعيين، لا للحكومات أو الأحزاب العربية. وقد اختار الاستراتيجية نفسها عندما أسس ” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين “.

وقد نادى حبش بقيام دولة ديمقراطية علمانية واحدة تضم جميع سكان فلسطين على قدم المساواة دون تفرقة بينهم على أساس الجنس أو الدين . وفي لبنان رفض أن تنضم حركته إلى بعض التحالفات مع القوى الخارجية أو الإقليمية كما فعلت بعض المنظمات الفلسطينية الأخرى. لقد حافظ على الدوام على استقلالية حركته، كما احترم استقلالية الشعوب العربية الأخرى.

وهذه الاختيارات المستنيرة دفعته للوقوف إلى جانب تلك القوى التي تعمل على اكتشاف الطريق نحو اشتراكية القرن الواحد والعشرين، فقد كان حبش ماركسياً غير جامد (وقد قرأ ماركس بإمعان وتدقيق في أثناء سجنه”.

ولذلك لا نندهش عندما نجد أن حركة جورج حبش ، “الجبهة الشعبية” صارت العدو رقم 1، الذي يجب القضاء عليه في نظر إرهابيي دولة إسرائيل، والمدافعين عنهم من الأمريكيين والأوروبيين، كذلك نظرت لها بعض المنظمات الفلسطينية كمنافس قوي في الحصول على تأييد الجماهير الفلسطينية ، ولهذا كان من أولويات الحكومة الإسرائيلية أن تدمر حركة المقاومة الديمقراطية العلمانية هذه التي تنزع أية مظاهر للشرعية عن ممارسات الآبار تهايد الصهيونية .

وموت جورج حبش يضع على عاتق المناضلين في الحركة الشعبية، متابعة نضال هذا القائد العظيم حتى تحقيق النصر.

                                                                                    بقلم : د.سمير أمين – المفكر اليساري الراحل

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.