طاعونا الرأسمالية

0 269

جائحة فيروس كورونا قد تكون لها تداعيات كارثية، لتعيد حصد ملايين الوفيات من انفلونزا العام 1918 الاسبانية. لكن التهديد لا يقف عند هذا الحد.

ركود عالمي جديد آخذ بالبدء، وقد يكون نفس أو حتى أسوأ من ركود الأعوام 2007_ 2009. وربما يتطور إلى كساد كذلك الذي حدث عام 1929. جائحة نادرا ما يشهدها التاريخ، وركود عالمي وحشي. طاعونان تسبب بهما رأس المال، والمتمثل بالرأسمالية “الحديثة”، التي تجلب الموت والبؤس بأبعاد ضخمة.

الجائحة ستكشف وجهها الحقيقي: إبادة الفقراء

من الصين، انتشر الوباء حول العالم، ليصيب بداية البلدان الإمبريالية الرئيسية. أوروبا، والولايات المتحدة، البلدان الإمبريالية الأكثر قوة، والتي هي الآن بؤر المرض، باتت شبه مشلولة.

في هذه البلدان، كشفت الجائحة مبدئيا سمة الحكومات الطبقية. حتى عندما يكون هنالك عزل اجتماعي، فإن عمال المصانع مرغمون على العمل، كالعبيد في هذا الزمن. في الولايات المتحدة، مع ثلاثين مليون شخص دون أية خطة صحية، توفي مراهق _بعمر السابعة عشر_ لأنه لم يتم علاجه أو قبوله في مستشفى، بسبب عدم امتلاكه لتأمين صحي.

والآن، يأتي فيروس كورونا بكامل قوته إلى البلدان شبه المستعمرة. في غضون أسابيع قليلة سيكون مدمرا للأحياء الفقيرة لكل أميركا اللاتينية، وآسيا، وافريقيا.

الجائحة ترتدي وجهها الحقيقي، لإبادة العمال والفقراء في كافة أرجاء العالم، من البلدان الإمبريالية إلى تلك شبه المستعمرة.

بالتوازي مع ذلك، سيتسبب ركود اقتصادي عالمي ببطالة ضخمة في مناطق البؤس تلك. علامات البربرية ضد العمال ستتزايد. لم يسبق لمعضلة: “إما الإشتراكية أو البربرية” أن كانت بهذا الوضوح.

العالم يتوقف..

في كانون الأول 2019، كانت الحالة الأولى لكوڤيد_19 قد اكتشفت في ووهان، الصين. الدرجة العالية للتدويل الاقتصادي قادت لأن يتحول ذلك إلى جائحة، تصيب كافة بلدان العالم خلال ثلاثة أشهر، والجائحة أوصلت جزءاً واسعا من الصين إلى طريق مسدود، وتداعيات ثقيلة على اقتصادها.

الحكومة الصينية كانت دوما متهمة بالتلاعب بالبيانات الاقتصادية. الآن عليها أن تبوح ببيانات وازنة للغاية، بانخفاض بنسبة 13.5% في الإنتاج الصناعي في كانون الثاني_ شباط، وانخفاض بنسبة 24.5% في الاستثمار الرأسمالي الثابت، و17% في الصادرات، و4% في الواردات.

بعد ذلك، كان هنالك كسر في سلسلة الإنتاج العالمي الذي تشكل الصين جزءاً هامّاً منه. المصانع في كافة أنحاء العالم شعرت بفقدان قطع الغيار. حتى أن جاغوار/ لاند روفر أبلغت أنها اضطرت إلى نقل الأجزاء في حقائب لمحاولة الحفاظ على الإنتاج.

والآن مع تطور الوباء، هنالك شلل جزئي للاقتصاد في كثير من البلدان الرئيسية حول العالم، ومن المحتمل في هذه اللحظات، أن ما بين 30 إلى40% من سكان العالم محتجزون، وهذا أمر غير مسبوق في التاريخ.

ملابس الإمبراطور الجديدة

الرأسمالية العالمية باتت ترتجف أمام فيروس. هنالك تفسير لهذا، ولعقود من الزمن، أدت الخطط النيوليبرالية والتقشفية إلى تدهور الظروف المعيشية للعمال حول العالم بشدة. ظروف العمل كانت غير مستقرة، ما دفع نسبة كبيرة من العمال إلى العمل يوميا من أجل تمكنهم من تناول الطعام في اليوم التالي.

مناطق المدن الكبرى أنشئت بأطراف ضخمة للأحياء الفقيرة، بمنازل بظروف صحية مرعبة، كثير منها دون مياه أو صرف صحي. الصحة العامة تدمرت عبر الخصخصة وتخفيض الميزانيات.

في ظل هذا الواقع الاجتماعي المستمر لعقود طويلة، تتم الآن مواجهة أحد أعظم الأوبئة على مر التاريخ، ووما زاد الأمر سوء أن ردة فعل الحكومات تجاه الجائحة كانت متأخرة وخاطئة.

الدكتاتورية الصينية في البداية تجاهلت فيروس كورونا. لي وينليانغ، الطبيب ذو الاثنين والثلاثون عاما، الذي كان أول من أبلغ عن الوباء، أجبر على توقيع رسالة “اعترف” فيها بتسجيل “تعليقات زائفة أخلّت بالنظام الإجتماعي بشدة”. بعد شهر من هذا، توفي بفيروس كورونا.

عندما أصبحت الوفيات بالمئات، أدركت الدكتاتورية الصينية أنها لن تستطيع إخفاء الوباء أكثر من ذلك. تعاملت بقسوة عبر عزل مقاطعة هوبي، حيث تقع ووهان، كي لا تكون النتيجة أكثر كارثية. استطاعت أن تحتوي الوباء، على الأقل مؤقتا. وهنالك شكوك كبيرة حول ما إذا كانت الدكتاتورية الصينية لا تخفي، مرة أخرى، أدلة على انتشار الوباء في مناطق أخرى، من أجل “العودة إلى الوضع الطبيعي”.

في بلدان أخرى، التباعد الاجتماعي تم تطبيقه فقط جزئيا، للسبب البسيط المتمثل في أن شلل الشركات يؤثر على أرباح البرجوازية. في الغالبية العظمى من البلدان، تم الإبقاء أيضا على الإنتاج الصناعي والخدمات الاجتماعية.

منطق رأس المال يفهم أن شلل الأنشطة، الضروري لاحتواء الجائحة، يؤثر على “الاقتصاد”، أي أرباح البرجوازية.
لا توجد أية حكومة، من الصين إلى إيطاليا، والولايات المتحدة.. الخ، قامت باتخاذ موقف الدفاع عن حياة العمال، وأكثر ما كان هو بعض الفتات الجزئي والمؤقت. كتحطم سفينة التايتانيك، أطواف النجاة للأغنياء فقط.

والرأسمالية تقتل من خلال فيروس كورونا. الجائحة، وأعداد الوفيات، بيّنت بقسوة الأصل الاجتماعي للمرض. كما في حكاية الأطفال “الإمبراطور عاري”.

الصحة كسلعة

في القرن الحادي والعشرين، لا تملك البشرية دفاعا ضد فيروس. هنالك تفسير لهذا. في الرأسمالية الصحة تعتبر سلعة. إنها تستثمر من أجل الربح.

لماذا لا يوجد لقاح لمرض شائع كالانفلونزا؟ لأن علاج السعال والبرد والحمى يحقق المليارات والمليارات من الدولارات كل سنة لكبرى شركات الأدوية. لا توجد مصلحة بالاستثمار في إنتاج لقاح لأنواع مختلفة من فيروسات الانفلونزا، والتي تتغير كل عام، ليس لأن هذا مستحيل، ولكن لأن علاج الأعراض مربح أكثر.

لم يكن هناك اهتمام بإنتاج لقاح ضد فيروس كورونا، حتى بعد وبائي سارس وميرس عامي 2002 و2012 (أنواع أخرى من الفيروسات التاجية)، لأن البلدان الإمبريالية لم تتأثر كثيرا.

والآن، مع ع الفوضى، تجرى الأبحاث حول اللقاح، الذي يفترض أن يكون جاهزا في غضون عام، وربما بعد انتهاء الوباء.

اقتصاد عالمي ينهار

ما هي تداعيات هذه الكارثة على الاقتصاد؟ سقوط مدوي. يتوقع معهد التمويل الدولي هبوطا بنسبة 10٪ في اقتصاد الولايات المتحدة للنصف الأول من العام و18٪ في أوروبا. ويتوقع بنك جولدمان ساكس انخفاضا بنسبة 24 ٪ في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في الربع القادم. كما يتوقع بنك مورجان ستانلي انخفاضا بنسبة 30.1 ٪ في نفس الفترة في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تشهد الصين انحدارا اقتصاديا حادا في الربع الأول، وذلك للمرة الأولى منذ العام 1976.

توقعات مايكل روبرتس لعام 2020 تفيد بانخفاض الإنتاج في الدول الإمبريالية والناشئة الرئيسية، بنسبة 15 ٪ أو أكثر. وهذا أعلى بكثير من هبوط العام 2008 بنسبة 6٪. وفقًا لبنك دويتشه، فإن الانخفاض في الاقتصاد العالمي في النصف الأول من العام سيكون الأسوأ منذ كساد العام 1929.

وما يزيد الأمر سوءاً، أنه بموازاة الجائحة، هنالك انخفاض حاد في أسعار النفط، بسبب النزاع بين أوبك وروسيا، ما يشعل أزمة في الدول المنتجة للنفط.

هبوط أسواق الأسهم كان حادا للغاية. في وول ستريت، انخفض مؤشر داو جونز بنسبة 23٪ منذ بداية العام. أما في البلدان الأوروبية الأخرى، فقد وصل الانخفاض إلى 30٪.

هناك انسحاب لرأس المال من العديد من الدول الناشئة، ما أدى إلى انخفاض حاد في عملاتها. وقد شهدت البرازيل أكبر هروب لرأس المال في تاريخها، منذ بداية العام.

صندوق النقد الدولي أصدر مؤخرا توقعاته بأن الجائحة “سوف تتسبب بركود عالمي هذا العام، والذي قد يكون بذات سوء الأزمة المالية العالمية أو أكثر”. وبعبارة أخرى: يتنبأ صندوق النقد الدولي بركود عالمي يساوي، أو قد أسوأ من الركود الذي حدث في 2007-2009.

لكن مؤسسات البرجوازية المختلفة تتوقع انتعاشا سريعا للاقتصاد. بعضها يتحدث عن انتعاش سيحصل بالفعل في النصف الثاني من هذا العام، وبعضها الآخر في العام 2021، فهل يمكن أن يكون هذا صحيحا؟

منحنى الهبوط للاقتصاد العالمي

إن الارتفاعات والانخفاضات في الاقتصاد، الناجمة عن الجائحة، لم تخلص إلى اقتصاد متصاعد، بل على العكس تماما.

يتطور الاقتصاد الرأسمالي من خلال دورات، مع صعود وهبوط وأزمات. هذه الدورات القصيرة، بين 5 و 7 سنوات، تحدد فتراتها من خلال تطور معدل الربح. يمكننا القول بطريقة مبسطة، أنه عندما يكون هناك انخفاض مهم في معدل الربح، فإن البرجوازية تتوقف عن الاستثمار، ما يؤدي إلى أزمة. عندما يكون الركود قد دمر بالفعل جزءاً مهمًا من القوى المنتجة، يتم استعادة شروط رفع معدل الربح. ثم تستثمر البرجوازية مرة أخرى وينتعش الاقتصاد.

هذا النظام، في بنيته، غير معني باحتياجات السكان. هو ينتج ما يمنح الربح للرأسماليين. الأزمات ضرورية و”طبيعية” في الرأسمالية.

بالإضافة إلى هذه الدورات القصيرة، هناك أيضاً فترات أطول للاقتصاد تتضمن العديد من الدورات القصيرة. أطلق تروتسكي عليها “منحنيات النمو الرأسمالية”. في تلك الفترات الطويلة للصعود تكون معدلات النمو أكبر من نظيرتها خلال الأزمة. وفي فترات الهبوط الطويلة، تكون الأزمات أعمق، والنمو هشّاً. هذه المنحنيات الطويلة ليس لها مدد محدّدة سلفاً، وتستمر عموماً من 30 إلى 50 عاماً. يتم تحديدها من خلال عوامل غير اقتصادية تتعلق بالصراع الطبقي (الثورات والحروب) والتوسع (الحصول على مناطق جديدة) أو التطور التكنولوجي.

المنحنى الكبير الذي نمر به شهد فترة تصاعدية عرفت باسم “العولمة الاقتصادية”، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. وقد تميزت تلك اللحظة باستعادة الرأسمالية في الصين وأوروبا الشرقية، وهزيمة المد الثوري للستينيات والسبعينيات.

يمثل الركود العالمي الكبير في 2007-2009 بداية مرحلة الهبوط لتلك الموجة الطويلة، والتي مثلت أخطر أزمة منذ الكساد الذي حدث عام 1929. منذ ذلك الوقت لم يكن هناك أي شيء مماثل في الاقتصاد الرأسمالي.

هذه هي أسس الواقع العالمي قبل الجائحة، والتي كانت تقود بالفعل المناطق الراسخة والناشئة من العالم إلى تدهور اقتصادي، وتنامي بؤس الجماهير. وقد تفاقمت أزمات البرجوازية بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.. إلخ.

وبالتالي، فإن جائحة فيروس كورونا تتجه نحو موجة هبوط للاقتصاد العالمي، حيث سيكون الوضع حرجا للغاية.
ولكن، خلال منحنى الهبوط االطويل ذلك، أين كنا من الدورة القصيرة للاقتصاد العالمي، قبل الوباء؟

لقد كنا بالفعل على حافة ركود عالمي جديد. الاقتصاد الأوروبي كان أصلا في تراجع واضح. مع ركود ألمانيا – وقطاع السيارات، كان معدل النمو 0 ٪ في الربع الأخير من عام 2019 – كانت أوروبا كلها تتجه للانخفاض. كما بدأت اليابان في عملية الركود. أما ما يسمى بالدول الناشئة، مثل روسيا والبرازيل وتركيا والمكسيك والأرجنتين وجنوب إفريقيا، فكانت تشهد نموا ضعيفا، أو حالة ركود بالفعل. الصين بلغت أدنى معدل نمو (6٪) في السنوات الأخيرة. وكانت الولايات المتحدة، التي كانت لا تزال تنمو، تشهد بالفعل انخفاضا في الإنتاج الصناعي في بداية هذا العام.

لقد بدأ ركود عالمي جديد، ربما أسوأ من كساد 2007-2009

كان هذا هو الواقع في بداية العام، ما يشير إلى قرب الركود العالمي الجديد. والجائحة كان لها تأثير وحشي. سواء بسبب شدتها أو نتيجة هشاشة الاقتصاد.

لقد بدأ ركود عالمي جديد. في هذه المرحلة، لا يمكن التنبؤ بوضوح بأبعاد الكارثة التي مازالت تتطور، سواء بالنسبة للجائحة، أو فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية. يمكننا فقط تقديم بضعة فرضيات حول تطوراتها.

سوف يتسبب الوباء بخسائر فادحة في الأرواح البشرية، والتي قد تتباين بين مئات الآلاف، إلى الملايين، بحيث تكون مماثلة لوباء إنفلونزا إسبانيا عام 1918.

قد يكون الركود العالمي مشابها لما كان عليه في الفترة 2007-2009 أو أسوأ، بل قد يتطور نحو الكساد كما حدث في العام 1929.

الحكومات تريد إنقاذ الشركات.. وتجنب العمليات الثورية الجديدة

في اجتماعها الأخير، رصدت مجموعة العشرين “حقنة” بقيمة خمسة مليارات دولار لمواجهة تداعيات الجائحة والأزمة الاقتصادية. كانت هذه خطة ضخمة، الأكبر في التاريخ.

فجأة، تخلت الحكومات الإمبريالية عن خططها النيوليبرالية، وتبنت خططا “كينزية” قوية لإنقاذ الأعمال الكبيرة، ومنع العمليات الثورية الجديدة.

وقد تبنت العديد من الحكومات مقاربة “نحن في هذا معا” عبر هذه الخطط. كثيرون اكتسبوا شعبية، بما فيهم ترامب وماكرون وفرنانديز (الأرجنتين)، والعديد من الآخرين. وقليلون هم من افترضوا زعم بولسونارو الاستفزازي: كلهم يكذبون.

الخطط خصصت مليارات الدولارات، بما لم يسبق له مثيل في التاريخ، لمنع إفلاس الشركات الكبرى، وتقديم سلسلة من التنازلات الصغيرة للعمال، لإخفاء جوهر خطط الرؤساء. إنهم يريدون تجنب الاضطرابات الاجتماعية التي قد تحدث نتيجة للأزمة.

الولايات المتحدة أعلنت عن خطة بقيمة 2 مليار دولار، خصص الجزء الأكبر منها للأعمال التجارية الكبرى. جزء صغير فقط، 500 مليون دولار، سيخصص لدفع 1200 دولار شهريا لكل أسرة منخفضة الدخل عاطلة عن العمل لمدة ثلاثة أشهر.

ألمانيا حددت خطة بقيمة 1.1 مليار يورو (ثلث الناتج المحلي الإجمالي) ، بحيث تخصص 600 مليون يورو لإنقاذ الشركات و 50 مليون فقط لمساعدة العاطلين عن العمل.

وقد وعد صندوق النقد الدولي بقروض جديدة للبلدان شبه الاستعمارية، ما سيزيد من ديونها الخارجية مرة أخرى.

إن “التنازلات” المقدمة للعمال لن تغير من واقع البؤس الوشيك. هي أقل بكثير من تلك اللازمة لدعم الأسر. علاوة على ذلك، فهي مؤقتة، من شهر إلى ثلاثة أشهر. لن يتم تغيير واقع البطالة الجماعية للعمال. ملايين الوفيات ستنعاها الأسر الفقيرة بشكل أساسي.

تعمد هذه الخطط إلى خداع الناس بمناخ “الوحدة الوطنية” الزائف تماما. في وقت قصير، ستكون هذه المهازل الجديدة في أزمة.

وبنفس الطريقة فإن “العزلة الاجتماعية” مهزلة لأنها تبقي العمال في العمل. إنها تحكم على العمال غير الرسميين بالبؤس. سيظل الفقراء الذين ليس لديهم منازل مناسبة محكوم عليهم بالعدوى، دون دفاعات.
ستتمكن العديد من هذه الحكومات من الخداع لبعض الوقت. لكن في الواقع، إنهم يرتكبون إبادة جماعية ضد العمال.

الاستجابة نفسها لأزمة أكبر بكثير

الحكومات تكرر، إلى حد ما، ما فعلته لإيقاف أزمة 2007-2009. الذي تغير هو حجم الخطط وليس طبيعتها. إنهم يقدمون المزيد من أموال الدولة للبنوك والصناعات الكبيرة.. إلخ.

هذه الحزم أثرت على حوالي 9-10 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للدول الإمبريالية، بينما في عام 2008 أثرت على 2 ٪. هذا مبلغ ضخم لم يسبق له مثيل في التاريخ. إذا تم تسخيره لصالح حماية العمال، فستكون له تداعيات مختلفة، مع إنقاذ حياة الملايين من الناس.

بذلك، نجحوا في تجنب إفلاس كبرى الشركات، وتجنبوا الطريق نحو الكساد في عام 2008. وقد يحققون الشيء ذاته الآن، لكننا لا نعتقد أنهم يستطيعون تجنب الركود الذي بدأ بالفعل.

الشركات الكبرى كيفت رأس المال هذا في العام 2008 ولم تعد استثماره في الإنتاج. هم في النهاية، يسترشدون بمعدل الربح، ولم يجدوا استثمارا إنتاجيا جاذبا، لذا قاموا بتحويل جزء كبير من رأس المال هذا لتشجيع مستويات أكبر من المضاربة المالية.

النتيجة أن رأس المال القديم قد تم توسيعه في الاقتصاد، ما أبقى الشركات في أزمة مفتعلة. توسعت الفقاعات المالية، التي كانت ضخمة بالفعل في 2007-2009، إلى أبعد من ذلك. الدين العالمي ارتفع من 177 مليار دولار عام 2008 إلى 247 مليار دولار، والآن سيصبح أعلى.

هذه الفقاعات المالية هي جزء من رأس المال الوهمي. فهي لا تنتج القيمة، التي لا يمكن توليدها إلا من الإنتاج الصناعي. إنهم يخدمون قطاعا واحدا من البرجوازية، لتقاسم مكاسب رأس المال التي تولدها قطاعات أخرى. في أوقات الانتعاش الاقتصادي، يقومون بترويج قطاع أو آخر بشكل مصطنع. وفي أوقات الانحدار، كما يحدث الآن، تبدأ الفقاعات بالانهيار، مع هروب هائل لرأس المال حول العالم، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.

يمكن لإعادة إصدار حزم التحفيز للشركات، مجددا، إنقاذ البنوك وقطاع أو آخر من القطاعات الاقتصادية، ويمكنها أيضا أن تجنب الطريق نحو الكساد. لكنها لن تمنع الركود الذي بدأ.

إن ما يحدد الانتعاش الاقتصادي هو زيادة الاستثمار الخاص من قبل البرجوازية، وهذا لا وجود له اليوم ولا يبدو أنه يلوح في الأفق. وفقاً لمايكل روبرتس: “في معظم الاقتصادات الرأسمالية، يقترب استثمار القطاع العام من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن استثمارات القطاع الرأسمالي تبلغ 15 في المائة”.

إذا قررت البرجوازية عدم الاستثمار، فلن يكون هناك انتعاش اقتصادي. ربما لن تكون هنالك استثمارات كبرى ذات وزن حتى يصبح معدل الربح جاذبا. والأسوأ أن هذا يحدث في عالم عطله الوباء وهزته الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. لا علاقة للاستقرار بما تحتاجه البرجوازية لاستثماراتها.

كل رأس المال هذا، الذي سيتم تحويله إلى الشركات الكبيرة، لن يولد أي معادلة جديدة الآن، ولا موجة من الاستثمار في الإنتاج، بل سيتم استخدامه، مرة أخرى، لإخماد الحريق.. لإنقاذ الشركات الكبيرة من الإفلاس.
علاوة على ذلك، على عكس ما كان خلال 2007-2009 عندما كانت الصين عاملاً في إعادة استقرار الاقتصاد، فقد أصبحت الآن جزء من الأزمة.

لقد بدأ الركود العالمي بالفعل. سنرى ما إذا كانت البرجوازية العالمية ستتمكن من الحيلولة دون أن يكون بنفس سوء أو حتى أسوأ من نظيره خلال 2007-2009. ربما نتجه إلى كساد مماثل للعام 1929.

على غرار حرب

الآثار الاجتماعية للوباء، المرتبطة بالبطالة وانخفاض الأجور، والتي تحددها الأزمة الاقتصادية، ستكون وحشية، وقد تكون التداعيات مشابهة للحرب.

في الحروب العالمية، يكون الدمار المادي في البلدان المشاركة مباشرة مروعا. الخسائر البشرية تكون هائلة خاصة كما حدث في الحرب العالمية الثانية. ولكن هذه المرة، رغم أن التدمير المادي لوسائل الإنتاج أمر غير مرجح، فقد تكون الخسائر في الأرواح والموارد البشرية ذات أبعاد مماثلة.

يمكن أن يحدث دمار هائل لقوى الإنتاج، بدءاً بالقوة الرئيسية: القوى العاملة البشرية، عبر موت ملايين العمال، والحكم على مئات الملايين ببؤس أعتى مما هم عليه في الوقت الراهن.

هل نتجه إلى صيرورات ثورية جديدة؟

ما هي الآثار السياسية التي ستترتب على الوباء والركود الاقتصادي العالمي؟ وبداية، الانقسامات البرجوازية تتعمق على الصعيد العالمي وداخل كل بلد على حدة.

قبل الوباء واندلاع الأزمة الاقتصادية، كان هناك بالفعل حالة من الاستقطاب المتزايد وعدم الاستقرار السياسي في العالم. وقد تسبب هذا بعمليات ثورية مختلفة في تشيلي والإكوادور والعراق وهونغ كونغ وبلدان أخرى.
والآن، أوضاع العمال ستصبح أسوأ نوعيا. وفي غضون أسابيع وشهور قليلة، سيصل الوباء والبطالة إلى أطراف المدن الكبرى حول العالم.

لا توجد علاقة ميكانيكية بين الأزمات والصراعات المتزايدة. في بعض الأحيان الخوف من البطالة يعيق التعبئة. ولكن لا يبدو أن الأمر سيكون كذلك هذه المرة.

الراديكالية السياسية للعمال والشباب ستتزايد بشكل كبير. ستتفاقم أزمة الحكومات والأنظمة، فهل سيتحول هذا إلى انتفاضات كبيرة جديدة للجماهير العاملة؟

في هذا السياق، لابد أن تكون السيناريوهات كذلك مفتوحة بسبب المتغيرات المتعددة أثناء اللعبة. ولكن، بسبب التطور الأولي، مع إضرابات العمال في إيطاليا، والنمط الإحتجاجي الجديد من خلال القرع على الأواني المنزلية أثناء الحجر الصحي في البرازيل وكولومبيا والدولة الإسبانية، يبدو لنا أن فرضية بدء الصيرورات الثورية الجديدة أكثر احتمالا.

في حالة العملية الثورية في تشيلي، كان وصول جائحة فيروس كورونا يعني أنه يجب وقف التعبئة الشعبية بمواجهات الشارع ضد الشرطة، بسبب خطر التلوث. ومازالت هذه العملية مستمرة، وتركز الآن على التنظيم الذاتي في الأحياء، مع تعميق الحركة الراديكالية بسبب السياسة الإجرامية لحكومة بينييرا، فيما يتعلق بالوباء. على الأرجح، عندما تمر آثار الوباء الأشد وطأة، ستستأنف الثورة انطلاقتها بقوة، والاستقطاب بين الثورة والثورة المضادة سيزداد بشكل كبير حول العالم.

الاشتراكية أو البربرية

الرأسمالية هي نظام يمنح الامتيازات لأقلية مطلقة من البشر: البرجوازية والطبقة الوسطى الأعلى بين أقرانها. ويحكم بالبؤس على الغالبية العظمى من السكان: العمال.

من أجل البقاء في السلطة، تقدم الحكومات البرجوازية نفسها على أنها “تمثل الجميع”. إن إيديولوجيا “الوحدة الوطنية” للتعامل مع الوباء ليست سوى نسخة جديدة من هذه المهزلة.

ولكن، في بعض مراحل التاريخ، في عدد قليل من البلدان، يظهر الوجه الحقيقي لهذا النظام الوحشي. إننا نشهد اليوم إحدى تلك اللحظات النادرة للإنسانية، مع كارثة عالمية وإبادة جماعية.

في غضون أسابيع أو أشهر قليلة، في معظم أنحاء العالم، مع انتشار الوباء ليبلغ ذروته، وبداية الركود العالمي، سيكون لدينا عناصر من الهمجية في الأحياء الفقيرة في جميع أنحاء الكوكب.

ستكون هناك لحظات من التغيير المتسارع والتشنّجي في وعي العمال حول العالم أيضاً. من المهم مواجهة هذا الوضع الخطير جداً ببرنامج مناهض للرأسمالية، يكون بمنظور اشتراكي.

لا يوجد بديل حقيقي للتغيير داخل الرأسمالية. إن الحكومات الحالية، بنفس خططها القديمة، لن تتجنب الأزمة. على عكس ذلك، من المحتمل أن تصبح الإبادة الجماعية التي يرتكبونها جلية في العديد من البلدان.

تقترح المعارضات البرجوازية، حتى الأكثر “يسارية” مثل ساندرز، تدابير جزئية، مع توسيع مظلة الصحة العامة للجميع. لكنهم يدافعون عن استمرار العمال في العمل. إنهم لا يشيرون إلى أي تغيير حقيقي في الاقتصاد.

القطاعات الإصلاحية للاشتراكية الديمقراطية، حزب العمال، وحزب الاشتراكية والحرية، و”نستطيع” (حزب اسباني إصلاحي) الخ، ونظرائهم في كافة أنحاء العالم، نوهت بتدابير جزئية داخل الرأسمالية. لم يبتعدا عن الخطط “الكينزية” للاستثمارات العامة من أجل حماية الاقتصاد. وآخرون يتوهمون أن هذه الأزمة يمكن أن تسقط الرأسمالية، دون تدخل ثوري من قبل الجماهير لإسقاطها.

قد تخرج الرأسمالية بالفعل من هذه الأزمة، مع مرور بعض الوقت، لكنها ستظهر بشكل أكثر وحشية. وستتضمن أشكالاً أكثر صرامة من الديكتاتورية للحفاظ على المزيد من الاستغلال الوحشي. وستستغل البطالة الجماعية لفرض أجور أقل. وستستغل أوجه التقدم في القمع والسيطرة خلال الوباء لفرض المزيد من الحكومات والأنظمة الاستبدادية.

لا توجد بدائل أخرى: الاشتراكية أو الهمجية. يجب توجيه الضربة للرأسمالية، وليس محاولة إنقاذها مجددا، وإننا ندافع عن أن يكون لجميع العمال الحق في الحجر الصحي طوال فترة الوباء. وأن يكون لدى العمال غير الرسميين متوسط ​​أجر مضمون طوال فترة الوباء والأزمة الاقتصادية.

يجب أن يكون لكل شخص الحق في الحجر الصحي ضمن ظروف كريمة. ولكي يحدث ذلك، يجب شغل الفنادق والوحدات السكنية اللازمة.

إننا ندافع عن رعاية صحية عامة، مجانية ونوعية، لكافة العمال. وهذا يعني مصادرة المستشفيات والعيادات الخاصة لوضعها في خدمة جميع العمال.

إننا ندافع عن تأميم الشركات الكبرى الأساسية، بدءاً بتلك التي تنتج المواد الغذائية والأدوية، لتكون تحت سيطرة العمال.

من أجل الخروج من الركود العالمي، ندافع عن الاقتصاد المخطط، مع تأميم قطاعاته الرئيسية. لا يمكن أن تستمر البشرية في الخضوع لمصالح أقلية صغيرة.

مع التقدم التكنولوجي اليوم، يمكن تحقيق عالم خال من الجوع والبؤس. من الممكن أن يتم التخطيط للإنتاج الذي لا يدمر الطبيعة. من الممكن تجنب الأوبئة الجديدة، إذا كانت صناعة الأدوية تشارك في الأبحاث للحصول على لقاحات وعلاجات للوقاية منها. من الممكن منع الأزمات الاقتصادية.

لكن لا شيء من هذا ممكن ضمن الرأسمالية. لقد حان الوقت مجددا لرفع أعلام الاشتراكية الحمراء. والانضمام إلى بناء أحزاب ثورية تدافع عن هذه الرايات.

بقلم إدواردو دي ألميدا نيتو – وجوزيه فيلموفيكي

ترجمة
تامر خورما
مراجعة
فيكتوريوس بيان شمس

المصدر :  الحوار المتمدن

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.