فلسفة البراكسيس ” فلسفة الممارسة الثورية

0 556

 لقد شكلت كل الفلسفات( الأنساق الفلسفية ) التي وجدت إلى حدّ الآن مظهرا للتناقضات الداخلية التي تمزق المجتمعK لكن لا يمثل كل نسق في حد ذاته تعبيرا واعيا عن هذه التناقضات، ما دام مثل هذا التعبير لا يمكن أن يعطى إلا في علاقته بمجموع الأنساق المتعارضة فيما بينها، إذ يقتنع كل فيلسوف بضرورة التعبير عن وحدة الفكر الإنساني، أي وحدة التاريخ والطبيعة.

وفي الواقع إن لم توجد هذه القناعة، فلن يندفع البشر نحو إبداع تاريخ جديد، حيث تتحول الفلسفات إلى أيديولوجيا وتُضفى عليها عند التطبيق صلابة حجر الصوّان وتعصب ” الإعتقادات الشعبية ” التي تماثل طاقتها القوى المادية.

إنّ فلسفة البراكسيس هي، بمعنى ما، فلسفة متحررة (أو تسعى إلى التحرّر) من كل عنصر أيديولوجي آحادي أو متعصب. فهي الوعي التام بالتناقضات، والفيلسوف باعتباره فردا من فئة إجتماعية بأكملها لا يكتفي بفهم التناقضات بل يتخذ لنفسه موقعا كعنصر ضمن التناقض، ويرفع هذا العنصر إلى مرتبة مبدإ للمعرفة، ومن ثمة مبدإ للفعل.

لكن إذا كانت فلسفة البراكسيس (الممارسة) بدورها تعبيرا عن التناقضات التاريخية، أو هي تعبيرتها الأكمل لأنها واعية بها، فإن ذلك يعني أنها مرتبطة أيضا بــ”الضرورة” وليس بــ “الحرية” التي لا توجد، ولا يمكن لها أن توجد تاريخيا، فإذا برهنا على أن التناقضات ستزول فإننا نبرهن على أن فلسفة البراكسيس هي ذاتها ستزول ويتم تجاوزها: ففي مملكة الحرية لا يمكن للفكر والأفكار أن تولد إلا على أرض التناقضات ومن ضرورة الصراع، ولا يمكن لفيلسوف البراكسيس الآن إلا أن يصوغ هذا الإثبات الشامل: إذ لا يمكنه أن يتجاوز أو أن يفلت من مجال التناقضات بصفة عامة دون أن يصنع على الفور يوطوبيا(Utopie).

I _مفهوم البراكسيس: أو في جدلية العملي/النظري:

يُحمل مصطلح العملي (La pratique) أولا على كل نشاط إنساني هادف. وبهذا فهو يتعارض مع ما هو نظري(Le théorique) بما هو تجريد. أما من جهة كونه صفة، فــ »يطلق العملي على ما هو معدّ للتحكم في الفعل الناجع.

وإذا ما حاولنا مقاربة هذا المفهوم في الاستعمال الفلسفي، فالأمر مختلف تماما، إذ يتميز العملي عن التأمّلي، الذي يتجه دائما صوب ما هو خالد وغير متبدل، أي باتجاه ما ليس في متناول الفعل، هذا الذي يمارس دائما على معطى متغير ومتبدل، وبالرغم من ذلك فإن هذا التمييز يظل نسبيا باعتبار أن كل نظرية هي عمل إنساني، وهي شكل من أشكال الفعل الذي يهدف إلى تحويل معطى معين، وفي واقع الأمر فإن هذا المعطى ليس سوى الإنسان مفكرا ذاته، وهنا تتأسس علاقة جدلية يؤثر من خلالها العملي على النظرية بنفس القدر الذي تؤثر فيه النظرية على العملي.

يستعمل مصطلح البراكسيسس(2)إذن، داخل محتوى لنظرية شاملة توحّد العملي والنظري، وذلك بوضعهما داخل تعارض دياليكتيكي، وسوف يتضح هذا الاستعمال أكثر في الفكر الماركسي باعتباره مفهوما أرقى ومبدأ أساسي، إلا أن استدعاء هذا التعارض في اطلاقيته وبصفة غير مشروطة يجعل منه موضع نقد باعتبار الصفة الميكانيكية التي قد يتخذها. وبالرغم من غياب هذا اللفظ تاريخيا، فإن إشكالية فعله المتبادل تبقى حاضرة في تاريخ الفكر الإنساني بصفة عامة تحت أشكال متنوعة.

كيف نشأت المسألة إذن ؟

لم يكن العملي بما هو كذلك موضوع تساؤل، قبل أن يصبح متعارضا مع النظر المحض. ومن هنا، فإن فكرة نظرية ما غير مبالية لأنها لا تصبو إلى أي هدف محدد، ولا إلى تغيير الظروف الموجودة، هي ذات أصل يوناني. حيث تنفصل النظرية-عند أفلاطون-عن الممارسة لتصبح علاقتهما ذات طابع إشكالي.
فالنظرية بالنسبة له هي رؤية للأفكار، أي رؤية لمجموع البنى المحسوسة التي تستطيع من خلالها الظواهر أن تكون قابلة “للإنقاذ”، بمعنى أن تُدرك في ماهيتها الثابتة، وبما أن النظرية تستعصي على الإنسان لحظة مباشرته لها، فإنه من الأجدى التأثير فيه ذاتيا حتى يكف عن الميل الذي يشده إلى عالم الأفعال العملية. وبما أن الإنسان ينتمي إلى العالم الحسي في جزء هام من وجوده، لهذا تظهر الحياة العملية كشرط للحياة داخل النظرية، وهذا ما حمل أفلاطون على الاعتراف بأنه من الضروري على الإنسان أن يعمل حتى يؤمن ما هو ضروري لحياة متحضرة.

أما بالنسبة لأرسطو، فإنه يضيف للحياة داخل النظرية التي تبقى حسب اعتقاده الحياة الأكمل، حياة عملية، أي حياة سياسية – أخلاقية ذات نمط أفلاطوني تضاف إلى حياة إنتاج مادي مجالها المدينة، والأمر الهام حقا في هذا المستوى هو اعتبار الفعل الإنساني فعلا قاصدا وإراديا، وهو يحمل على الإنسان العاقل الذي يهدف وبطريقة محددة إلى بناء نظام اجتماعي لا يخضع إلى الصدفة أو إلى الاتفاق.

وإذا كان هذا شأن الفلسفة اليونانية في تعاملها مع قطبي الحياة الإنسانية (العملي والنظري)، فإن خطاب الفيلسوف في الأزمنة الحديثة، يفعل ويعمّق تأثيره برفع ما كان طموحا للإنسانية إلى مستوى الوعي. فهذا المرور من مستوى الانفعال الطبيعي إلى مستوى الوعي هو الذي شكل بالنسبة إلى كانط كما بالنسبة إلى هيغل مبدأ ومحرك التاريخ. إذ يُعد التصور الكانطي للبراكسيس استمرارا لضرب من تصوّر أفلاطوني، ولكنه تصور من نمط جديد يكون العالم وفقه نسخة من نموذج أو مثال خالد يتعالى على ما هو محسوس وواقعي. لقد أقام كانط نظرية عملية تؤسس للممارسات الواقعية ولما يجب أن يكون بما في ذلك الممارسة السياسية.
وعليه تمت في هذا المستوى عملية اختزال البراكسيس إلى التشريع الأخلاقي، وبالتالي اختصار الفلسفة العملية ضمنه، و بهذا ظل مفهوم البراكسيس إشكاليا ومقتصرا على علاقة الواجب بالواقع، بلغة أخرى يمكن اعتبار أن مجال البراكسيس كانطيا هو مجال الفعل الإنساني الأخلاقي الخاضع إلى العقل العملي. واستنادا إلى هذا الفهم لم يتسن لكانط بناء نظرية في البراكسيس لأنه ظل إغريقيا في تصوره للعلاقة التي تحكم العملي بالنظري،
لكن الانفصال الذي تحددت على أساسه فلسفة هيغل هو الدور الذي يعطيه هذا الأخير للعمل وللبنية الاجتماعية، وللإنفعال من جهة، ومن جهة ثانية لتنظيم سيرورة العمل الاجتماعي الذي يشكل قاعدة الفعل السياسي.
إن طموح الإنسان إلى الحرية والكرامة هو جوهر مطالبته بالاعتراف به كقيمة ثابتة ومطلقة. بألفاظ مغايرة، يهدف إنسان هيغل إلى جعل متطلبات المجتمع والدولة محل برهنة من قبل العقل. ومن هنا، يكون المشكل الذي تطرحه النظرية قابلا للحل داخل الممارسة العملية للحياة التاريخية. لقد أمكن لهيغل أن يرى جيدا وبوضوح الضرورة الداخلية لشكل العمل ولتوزيع السلطة الاقتصادية التي ينتج من خلالها المجتمع البرجوازي جمهورا إنسانيا ضروريا لسيرورة العمل الاجتماعي.
وقد شكلت هذه الفكرة التي صاغها هيغل، نقطة انطلاق ماركس. فالمجتمع الرأسمالي يتميز بتناقض داخلي غير قادر على مجاوزته إلا من خلال الثورة: موضوع البراكسيس في معناه الماركسي، مما يفترض تحليلا علميا لمجموع الميكانيزمات التي تؤلف المجتمع باعتبار أن هذا الأخير يمثل خلاصة القول بأن أفعال البشر “لا تختلف باختلافهم، بل هي تختلف باختلاف الشروط الموضوعية”.

إلى حدود هذا التمشي، تتم صياغة جديدة لعلاقة العملي بالنظرية، فالانفصال الذي كان سمة العلاقة سوف يصبح اتصالا من خلال هذا العلم الذي يستأديه ماركس للمجتمع، والذي يشكل ضمنه النظري تعارضا مسلطا على العملي، فمع ماركس يصبح البراكسيس هو النظرية بالفعل، كما تصير النظرية وعيا يستمده الفعل من طبيعته ومن شروطه التاريخية.

بفضل ماركس إذن، أمكن للفلسفة الوعي بذاتها، فهي هنا مالكة » لظل (ombre)، وهذا الظل ليس في الواقع سوى البراكسيس « (3). وإذا كان الفلاسفة يؤكدون على أن النظرية لا تحيل إلا إلى ذاتها، فإن الماركسية ترى على العكس من ذلك في وجود علاقة متينة تحكم الفلسفة والبراكسيس داخل وحدة جدلية ليست في الواقع سوى وحدة الوجود ذاته.

ليس البراكسيس إذن-في التصور الماركسي-سوى النشاط النظري والمادي على حد سواء، والذي يهدف إلى تغيير الطبيعة، المجتمع وبالتالي الإنسان باعتباره وحدة تأليفية لهذين الحدين، وتبعا لذلك تعني الممارسة» كل سيرورة تتحول بمقتضاها مادة أولية معطاة ومحددة إلى إنتاج محدد. ويكون هذا التحول من قبل عمل إنساني محدد ، وليست النظرية شيئا ما مختلفا يتقابل مع الممارسة، بل هي »شكل مخصوص من أشكالها، إذ أنها تنتمي إلى الممارسة الاجتماعية لمجتمع إنساني محدد.

وإنّ ما يمكن ملاحظته في هذا المستوى، هو أن البراكسيس يُحمل قبل كل شيء على المجال الإنساني المحض، وهو بذلك نمط تتحدد على أساسه العلاقة مع الفضاء المادي، فهو إن شئنا فضاء يجمع الذات بالموضوع، حيث تنتفي بمقتضاه كل مسافة تفصل الواقع عن النظرية، أو كل محاولة لتقديم أحدهما على الآخر.
ويقوم جوهر نظرية ماركس في البراكسيس على اعتباره ذو طبيعة اجتماعية، وهو يعد أوليا قياسا إلى النظرية. وإذا كان الفكر التأملي يتصور الإنسان ذاتا منعزلة لا حاجة لها إلى الآخر لوعي ذاتها، فإن الإنسان-كما يقول ماركس-“هو كائن اجتماعي في المقام الأول”، ومن هنا كان البراكسيس إنتاجا متواصلا لذات الإنسان وللخيرات المادية الضرورية لحياته.

ولعل النتيجة الأولى التي يمكن إقرارها في سياق المفهوم الماركسي للبراكسيس هو إقصائه للمعيار الأخلاقي المحض، ومن ثمة يتجه المسار إلى الكشف عن مجموع الآليات التي تحكم نمط الإنتاج، باعتبار أن البراكسيس هو ممارسة تهدف إلى تغيير واقع اجتماعي يحمل تناقضاته في ذاته، والتي لا سبيل إلى تجاوزها إلا من خلال براكسيس جماعي وثوري.حيث يستلهم هذا البراكسيس فعاليته وحركيته أساسا من الطبقة التي تكمن مصلحتها في ذلك التغيير.

يتعلق الأمر إذن، بممارسة سياسية- اجتماعية صاغها ماركس في الأطروحة الحادية عشرة حول فويرباخ(Thèses sur Feuerbach) (6). وعلى هذا النحو، فإن الصياغة الماركسية لمفهوم البراكسيس تعد في جوهرها صياغة تاريخية_ اجتماعية، لذلك يؤكد ماركس على الطابع المادي والتاريخي للبراكسيس الإنساني، وهو بذلك يستبعد الحديث عن براكسيس الفرد كبراكسيس مغير ومحول للعالم، بل إنّ “المحاولات الأكثر جرأة المستمدة من الفينومينولوجيا ومن الوجودية-بالرغم من الرغبة الجامحة لتحسس الطريق نحو الواقع المتعين، وبالرغم من بعض النجاحات في مستوى الوصف – لم تكن قادرة على إيجاد تصور صلب، ومن هنا فإن الفلسفة، ولوقت طويل قد واصلت التطور تحت أو بجانب اكتشاف ماركس الجوهري.

إنّ الأمر الأساسي في التصور الماركسي، هو اعتبار البراكسيس “نشاطا ماديا” للبشر، وهو بالإضافة إلى ذلك مجموع العلاقات المادية التي يؤسسها الأفراد بين بعضهم البعض داخل مجموعة اجتماعية. واستنادا إلى هذا التعريف، يستدعي ماركس المادية التاريخية بوصفها تفسيرا للتحولات الاجتماعية من خلال التحولات التي تطرأ على البنى التحتية التي تشكلها. إذ يقوم البراكسيس الذي يستهدف التغيير على معرفة القوانين التاريخية واستخدام تلك المعرفة في عملية التغيير الاجتماعي.

ولقد استند ماركس في نظريته عن البراكسيس إلى الصياغة الشهيرة في كتاب الأيديولوجيا الألمانية والقاضية بأن “البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، و لكنهم لا يعلمون ذلك دائما”. هذا التاريخ الذي هو نتاجا للمجهودات الجماعية للإنتاج ، وهو إضافة إلى ذلك ينشأ من خلال الصراعات المستمرة ضد العوائق الداخلية والخارجية، أي من خلال الصراعات الطبقية.

ومقابل هذا الطابع التناحري(Antagonique) بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج يأخذ البراكسيس الجماعي بالضرورة طابعا ثوريا باعتبار أن “قوى الإنتاج، الحقبة الاجتماعية والوعي، بإمكانهم كما يجب عليهم أن يدخلوا في تناقض، وقد تجلى هذا التناقض، حسب ماركس، داخل التاريخ في العديد من المناسبات، وكان عليه في كل مرة أن يحدث ثورة. هذه الثورة ليست سوى التأليف الجدلي الواقعي، وهي نتاج للجهد البشري الذي يسعى إلى إعادة الاتفاق بين التراتبية التي يتألف منها الواقع الاجتماعي.

وعلى هذا الأساس يرتبط الديالكتيك الثوري بديالكتيك الحركة التاريخية، لأن الثورات هي ذاتها أحداث تاريخية، وبواسطتها تحقق الطبقات الاجتماعية مهماتها التاريخية. ولهذا يعتبر ماركس البراكسيس الجماعي، من حيث هو جدل “نقدي و ثوري”، الأداة التي عن طريقها يقع تفجير بناء المجتمع المنقسم إلى طبقات، وصولا إلى الطبقة التي تلغي هذا الانقسام والتي تتكفل بتحقيق الحرية، أي البروليتاريا.

ليست الفلسفة تأمّل إذن، وإنما هي حاصل البراكسيس، أوهي- إن شئنا – نتيجة للإستتباعات التي تأخذ بالاعتبار ذلك الانسجام الموجود بين النظرية والممارسة. ولعلّ فهم الفلسفة على هذا النحو هو الذي يدفع الفيلسوف إلى الانخراط الفعلي في الواقع لمحاولة تغييره. ومن هنا بإمكاننا القول أن الفيلسوف الحقيقي أي فيلســوف البراكسيــس، هو الذي نجــده هنا، مع الطبقــة العاملــة في نضالاتــها، مــع المضطهَدين في كل العالم. وهذا ما يفرض على الفيلسوف أن يكون على رأس هاته الحركة التي تنشأ عن البراكسيس، والتي تأخذ على عاتقها إعادة الحرية المستلبة وبناء الإنسانية الاجتماعية تبعا للطريقة التي يرسمها النضال الثوري الذي يسترشد بفكر الاشتراكية العلمية.

II _الفيلسوف والممارسة الثورية

لا وجود للفلسفة إذن، أو لفلسفة في المطلق. إنّ ما يوجد حقا هو ضروب متعددة من الفلسفات، أي تصوّرات عن العالم. كما أن الفلسفة بهذا الفهم ليست، موجهة “لعلماء أو لفلاسفة متخصصين”، إنها بالأحرى نشاط فكري يمارسه كل البشر دون استثناء.

ومن هنا فإن كل فرد هو “فيلسوف”، باعتبار أن الفلسفة استجابة لأمر جذري، فهي نتاج إنساني، في ذات الوقت الذي تطبّق فيه على الإنسان. ومن هنا يمكن اعتبار الفلسفة معرفة، حيث تظهر الفلسفة أولا، باعتبارها نشاطا نظريا وفكريا مستقلا عن الموضوع الذي يحددها: أي الواقع والإنسان – الموضوع.
هذا الإنسان الذي لا يعدّ، بالنسبة للفلسفة “التقليدية” المثالية، معطى ماديا مباشرا. ومقابل هذا التوجه، يأخذ فيلسوف الممارسة على عاتقه بيان أن فعل المعرفة الفلسفي ينتج بالضرورة معرفة عملية، وعليه فإن أطروحة ماركس الحادية عشر حول فويرباخ:  لم يفعل الفلاسفة سوى تأويل العالم بطرق متعددة؛ في حين أن الأمر الهام هو تحويله” – ينبغي أن تفهم على النحو التالي:  لقد فسر الفلاسفة العالم، والأمر يتعلق الآن بتحويله.

تحتوي هذه “الترجمة” على كامل تصوّر فلسفة البراكسيس: أي وحدة النظرية والممارسة. فمنذ الوهلة الأولى لا يمكن للفلسفة أن تكون تأملا أو تساؤلا، بمعنى أنه لا يمكن لها أن تكون استعمالا عقيما من المفاهيم، ذلك أنها » فعل، وهي في ذات الوقت تصوّر « ، ولكن إذا كانت الفلسفة معرفة، وهي المحرك لأي فعل، أو إذا كانت هي نفسها فعلا( حيث أن المعرفة تحمل على ما هو موجود، في حين ينتج الفعل ما لم يوجد بعد)، فإن المسألة تتعلق بالتصريح التالي: على أي نمط من المعرفة، وعلى أي نمط من الفعل تحيلنا الفلسفة؟

إنّ فلسفة البراكسيس لم توجد بعد تحت أي شكل خاص، في المعنى الذي تكون فيه خطابا / فعلا منسجما ومنظما، ذلك أن هذه الفلسفة » نشأت تحت شكل سجالات ومعايير عملية، لكن داخل هذه السجالات والمعايير العملية يوجد ضمنيا، ودائما تصوّر عن العالم، أي فلسفة «.

يعني هذا القول، أن فلسفة البراكسيس هي مشروع لبناء مستقبلي، وهي مهمّة عاجلة، على”المثقف العضوي” مباشرتها والتأسيس لها عمليا وداخل البراكسيس اليومي. وإذا أردنا تحديد المسألة بأكثر دقة، فبإمكاننا القول أن هذه الفلسفة تستند إلى ثلاث اتجاهات رئيسية سادت التفكير المعرفي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهي؛ الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، الاقتصاد السياسي الأنجليزي، والأدب والممارسة السياسية الفرنسية .

ليست فلسفة البراكسيس إذن، خطابا يضاف إلى باقي الخطابات الأخرى التي تعتمد محتوى محددا، إذ هي قبل كل شيء تحوّل في العلاقة بالفلسفة، بالعلوم، وبالممارسة الاجتماعية. إنها ممارسة للفلسفة بحد ذاتها، بحيث تنفتح على علاقات الإنتاج الاجتماعية.

لهذا فإن الحديث عن فلسفة البراكسيس يفترض، قبل كل شيء، رفض تحديد أي محتوى إيجابي لهذه الفلسفة، بل إن المطلوب هو التفكير في انفتاحها على الواقع المعطى، أي على القوى التي ينبغي تنظيمها وبناءها انطلاقا من البراكسيس. ومن هنا فإن الأمر يتعلق بتغيير وجهة النظر القائمة، أو بالأحرى بالقبول الكلي لوجهة النظر التي تستند إلى الفكرة القائلة بأن تاريخ البشر هو تاريخ انقسامهم إلى طبقات اجتماعية، وأن هذا الانقسام هو ذاته شرط أي وحدة مستقبلية.

يتعين إذن على فيلسوف البراكسيس أن يؤسس لرابطة جديدة تحكم جهتي النظر/ العمل، وذلك عن طريق اعتماد رابطة جدلية تجمع الاثنين معا. وعليه، لا يكون» بإمكاننا فهم وظيفة ومعنى الديالكتيك، إلا إذا اعتمدنا فلسقة البراكسيس، بما هي فلسفة تامة وأصلية تؤكد مرحلة جديدة للتاريخ وللتطور العالمي للفكر، أي باعتبارها تجاوزا في ذات الوقت للمثالية وللمادية التقليدية«.

يعود تفوق فلسفة البراكسيس بالأساس إلى كونها تعبيرة واعية عن التناقضات الموجودة داخل التاريخ و داخل المجتمع. ومن هنا، فإن نفي صفة التاريخية عن هذه الفلسفة يفضي حتما إلى تحويلها إلى “أيديولوجيا بالمعنى السلبي لهذا المصطلح” (15). كما يمكن أيضا لفلسفة البراكسيس أن تتحول إلى “يوطوبيا” ( Utopie)، إن هي اكتفت بتأمل “مستقبل عالم دون تناقضات”، فما يؤسس حقا هذه الفلسفة هو درجة تجذّرها داخل التعارضات والتناحرات الطبقية التي تشق المجتمع الإنساني، لأجل حلها.

لقد أحدث ماركس ثورة حقيقية في مستوى إعادة تفكير هذه الرابطة، ذلك أن المسألة لا تتعلق لديه بقلب ( renverser) ألفاظ الخطاب التقليدي عن طريق اعتماد أولية الممارسة على النظرية، بل بتغيير نظام الألفاظ في نفس الوقت الذي يتم فيه تغيير الألفاظ ذاتها. ولأجل إنجاز هذا العمل، يقترح ماركس مرحلتين:
فهو يشرح أولا أن المعرفة، بالنسبة إلى هيغل، قد تم تناولها وفق شكل قبلي استنتاجي، حيث تنتج الوقائع انطلاقا من الماهية. بمعنى أن المفهوم يقدم كمدخل للواقع، أو بالأحرى فإن الواقع يتم استنتاجه انطلاقا من المفهوم. لذلك، سوف يقوم ماركس بعملية قلب لهذا التصوّر. فالوقائع هي التي تمكننا من الصعود إلى الماهية وليس العكس.

واستنادا إلى هذا التوجه، سوف يكون على فيلسوف البراكسيس اعتناق مهمتين: من جهة إعادة التأسيس للوحدة الجدلية نظرية / ممارسة، ومن جهة ثانية إضفاء بنية تصورية على هذا الزوج، هذه البنية التي لم تتم صياغتها بما فيه الكفاية، بمعنى اعتبار» أن المماهاة بين النظرية والممارسة هي فعل نقـــدي تتم من خلاله البرهنــة على أن الممارســة هي عقلية وضرورية، وأن النظرية واقعية وعقلية«.

إنّ القول بأن النظرية تنظم الممارسة، ليس في الحقيقة سوى تأكيد ضرورة وعي كل فرد بالسيرورة التاريخية_ هذا الوعي الذي لا يمكن أن يتم إلا جماعيا – ومن ثم دفع كل فرد على تجاوز الحقل النظري المحض، أو العملي المحض. وذلك عن طريق اندماجه الجديد داخل الحقل النظري– العملي، أي داخل حقل المعرفة الواعية. ومادام هذا التماهي غير متحقق، فلن يكون ثمة “تناقضات” بين أية ممارسة أو أية نظرية، لأن وحدتهما» ليست معطى ميكانيكيا، بل هي مستقبل تاريخي يستمد حقيقته الأولية من داخل وعـي “التمايـز” و”الانفصال”…)) وصولا إلـى التملك الواقعـي والتام لتصور منسجـم وموحد عن العالم«.

المصدر : الرفيق غسان عليبي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.