كيف كانت حقوق فلسطين ثانوية دائمًا مقابل المصلحة الخاصة للأنظمة العربية

0 30

منذ الحرب العالمية الأولى، تم استخدام الفلسطينيين كورقة مساومة من قبل أنظمة عربية مختلفة لتعزيز مصالحها من خلال التضحية بحقوق الفلسطينيين.


مع ذلك، فإن من يسوقون الأعذار للأنظمة العربية، التي قامت مؤخرًا بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، يدافعون عن قرار حكوماتهم بنفس الحجج التي استخدمها أوائل المطبعين، مصر والأردن، منذ عقود، وهي أن هذه الدول قدمت تضحيات منذ عام 1948 من خلال وضع المصالح الفلسطينية فوق مصالحها الخاصة “الوطنية”.

أمّا الآن، هم يقولون إن قراراتهم بالتطبيع مع “إسرائيل” قد وضعت مصالحهم الوطنية في المقام الأول، وفي نفس الوقت هم يساعدون الفلسطينيين من خلال هذا التطبيع!

الدعاية الأميركية

بهذا الصدد، يتم تقديم حجة رئيسية تتعلق بالفكرة الأيديولوجية التي ترعاها أمريكا عن “السلام”، وهي حجر الزاوية في الدعاية الأمريكية ضد الشعوب التي تكافح الاضطهاد الاستعماري والعنصري، سواء في العالم المُستعمر أو داخل الولايات المتحدة نفسها.

ويقال للفلسطينيين إن “السلام”، الذي يحافظ على العلاقات الاستعمارية والعنصرية القمعية، يجلب الرخاء، في حين أن النضال ضد الظلم والقمع الذي يطلق عليه “الحرب” في اللغة الأمريكية، يجلب الدمار والفقر.

على عكس الشعوب العربية التي أبدت تضامنًا متواصلًا مع الفلسطينيين منذ أن أصدرت بريطانيا وعد بلفور عام 1917، فإن الأنظمة العربية تضع دائمًا مصالحها الوطنية أولاً، وهي التي أقامت علاقات وتعاونت مع “إسرائيل” منذ عام 1948.

ومثال ذلك حالة الأمير الهاشمي فيصل منذ عام 1919، كما ادعى المدافعون عن استسلام السادات لـ “إسرائيل” لعقود أن حماس الرئيس جمال عبد الناصر المفرط للدفاع عن الفلسطينيين قاد مصر، كما قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 2014، للتضحية بمئة ألف شهيد مصري من أجل الفلسطينيين.

في الواقع، بلغت خسائر مصر في حرب عام 1948، وفقًا لمصادر عسكرية مصرية، 1168 جنديًا وضابطًا ومتطوعًا استشهدوا، وذلك بحسب ما ورد في كتاب إبراهيم شكيب: حرب فلسطين 1948، ص 432-433، في حين أن مصادر رسمية مصرية أخرى مشار إليها في كتاب (بيني موريس، 1948: تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، ص 406-407) قدّر عدد 1948 بـ 1400.

علاوة على ذلك، دخل الملك فاروق الحرب عام 1948 ليس لأنه وضع المصالح الفلسطينية قبل مصر، ولكن كما أوضح المحللون، بسبب تنافسه مع النظام الملكي العراقي من أجل الهيمنة على العالم العربي ما بعد الاستعمار.

كما أن عبد الناصر لم يشن حربًا واحدة ضد “إسرائيل”، بل خاضت كل حروب مصر اللاحقة أيضًا للدفاع عن مصر، وليس الفلسطينيين، وفي عامي 1956 و1967، غزت “إسرائيل” مصر واحتلت سيناء.

كما أن الجنود المصريون استشهدوا في هذه الحروب دفاعًا عن وطنهم وليس عن الفلسطينيين، بين عامي 1968 و1970، خاضت “إسرائيل” ومصر “حرب الاستنزاف” التي استشهد فيها جنود مصريون دفاعًا عن بلادهم ضد العدوان الصهيوني المستمر، وهي حرب خاضتها على الأراضي المصرية؛ وفي عام 1973، شنت مصر حربًا لتحرير سيناء وليس فلسطين، ومرة أخرى استشهد جنود مصريون دفاعًا عن بلادهم ضد الاحتلال الأجنبي.

التضحية بالفلسطينيين

عندما وقع السادات اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، فهو لم يدافع عن الفلسطينيين فحسب، بل ضحى بالفلسطينيين وحقهم في الاستقلال مقابل عودة سيناء إلى مصر، بدون سيادة مصرية كاملة، وبمساعدة أمريكية سخية عملت على إثراء الطبقات العليا في مصر وإفقار معظم السكان.

بينما دخل النظام الأردني، بقيادة جنرال استعماري بريطاني، في حرب عام 1948 لتوسيع أراضيه، وهو ما فعلته بضم وسط فلسطين، التي أعيدت تسميتها بـ “الضفة الغربية” بعد الحرب.

وفي عام 1967، غزا الصهاينة الأردن واحتلوا الضفة الغربية، وفي كلتا الحربين، استشهد جنود أردنيون لمصالح النظام الأردني وليس لمصالح الفلسطينيين.

وعندما وقع الأردن عام 1994 معاهدة السلام مع “إسرائيل”، تم التضحية بالمصالح الفلسطينية مرة أخرى من خلال اعتراف الأردن بحق “إسرائيل” في الوجود على الأرض الفلسطينية المسروقة، مع تأمين نوع من الدور الهاشمي على الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس .

في المقابل، تلقى الأردن أيضًا حزمة مساعدات أمريكية سخية تفيد النظام والطبقات العليا، وعلى النقيض من صفقة مصر، تم إبرام صفقة الأردن دون مطالبة “إسرائيل” بالانسحاب من أي من الأراضي التي احتلتها عام 1967، ونتيجة لذلك “السلام”، تم تشريع الاحتلال الصهيوني هناك، ولم يتم التراجع عن أي شيء منه.

تاريخيًا، قيل للجنود المصريين والأردنيين أنهم خاضوا هذه الحروب من أجل فلسطين، فإن حقيقة الأمر هي أنهم، دون علمهم، قاتلوا من أجل مصالح نظامهم.

 أما بالنسبة للسودان والمغرب و البحرين والإمارات العربية المتحدة، فلا يزال من غير الواضح كيف وضعوا المصالح الفلسطينية على مصالحهم!

مردود “السلام”

والحجة ذات الصلة هي ما يسمى بـ “مردود السلام”، الذي يروج له الأمريكيون بكثافة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث يقال للفلسطينيين إن كل الأموال التي تنفق على الحروب والتسليح مع “إسرائيل” ستُستخدم الآن في التنمية الاقتصادية والازدهار.

المفارقة بالطبع هي أن الميزانيات العسكرية لمصر والأردن، مدفوعة بحزم مساعدات عسكرية أمريكية ضخمة كمكافأة، ارتفعت بشكل كبير منذ تطبيعها مع “إسرائيل”.

 في المقابل، تم تخفيض التنمية الاقتصادية والمزايا الاجتماعية للدولة إلى مستويات غير مسبوقة في كلا البلدين، مما تسبب في فقر مدقع، وانخفاض في الخدمات التعليمية والصحية، كما أن المسؤولين الأردنيين الذين يؤيدون اتفاق السلام يزعمون أن الأردن لم يستفيد بشكل مناسب من “مردود السلام”.

على صعيد العلاقات العامة، ونتيجة لعداء الكونجرس والإعلام للسعوديين ودول الخليج الأخرى بعد أحداث 11 سبتمبر، قررت العائلات الحاكمة للنفط مرة أخرى الاستفادة على حساب المصالح الفلسطينية، وذلك بالتخلي عن مطالبها بأن تلتزم “إسرائيل” بالقانون الدولي والانسحاب من الأراضي المحتلة كشرط أساسي لتوطيد العلاقات.

وسرعان ما استدعت السعودية ودول الخليج “إسرائيل” واللوبي الأمريكي لوقف موجة العداء من خلال الوعد بعلاقات أوثق، والآن أصبحت هذه العلاقات مفتوحة.

ولا شيء من هذا يُعد من الماضي، بل هو جزء من التطبيع المستمر، إذ أعلن الرئيس ترامب عن عمليات شراء ضخمة سعودية ومغربية وبحرينية وإماراتية من الأسلحة الأمريكية أثناء الإعداد والسمسرة لصفقات التطبيع في 2019 وما بعدها، والتي سوف تؤدي إلى عسكرة المنطقة أكثر من أي وقت مضى.

ولإثبات ولائهم لسياسات الولايات المتحدة و”إسرائيل” المعادية للفلسطينيين، هاجم المسؤولون الخليجيون بلا توقف الفلسطينيين في وسائل الإعلام والصحافة الخليجية المملوكة للعائلات النفطية في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت مثل هذه الهجمات مؤخرًا أكثر حدة، خاصة في السعودية والإمارات.

المصالح الوطنية

من المفارقات أن الإمارات كانت تأمل في الحصول على طائرات مقاتلة متطورة من طراز F-35 من الولايات المتحدة مقابل سلامها مع “إسرائيل”، إلا أن “إسرائيل” وأنصارها في الكونجرس يرفضون السماح بذلك.

وبعد أن شعرت الإمارات بالإذلال بهذه النتيجة، اقترحت على رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو، من أجل تهدئة المخاوف “الإسرائيلية”، أن يتولى الطيارون المقاتلون “الإسرائيليون” مسؤولية طائرات F-35 لفترة مؤقتة، وبعد ذلك سيقومون بتدريب الطيارين الإماراتيين ليحلوا محلها.

بينما حصلت المغرب أخيرًا على الشرعية الأمريكية للسيادة على الصحراء الغربية وضمها، كما شُطبت السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، ولم يتنازل أي من البلدين أو يضحي بأي جزء من مصلحته الوطنية للحصول على مثل هذه المكافآت.

وبدلاً من التضحية بمصالحهم الوطنية، مثل الدول العربية الأخرى منذ عام 1948، فقد ضحوا بالحقوق الفلسطينية المنصوص عليها في القانون الدولي للحصول على فوائد لأنفسهم، كما رفضت جامعة الدول العربية، وهي عدو للمصالح الفلسطينية منذ إنشائها، إدانة اتفاقيات السلام هذه رغم أنها تتعارض مع سياستها القائمة.

كما أنه بدلًا من تضحية هذه الدول بمصالحها الوطنية للدفاع عن الفلسطينيين، استغلت الأنظمة العربية كل فرصة للتنازل عن حقوق الفلسطينيين لتعزيز مصالحهم دون توقف.

وكان ذلك بدءًا من الأمير الهاشمي فيصل عام 1919 الذي تعاون مع الصهاينة لضمان دعمهم لمملكته السورية آنذاك، وحتى تطبيع الملك محمد السادس مع “إسرائيل” لإضفاء الشرعية على سيطرة المغرب على الصحراء الغربية، كان الفلسطينيون الهدية للأنظمة العربية، الذين تم استخدماهم وإساءة معاملتهم باستمرار من أجل المصالح الخاصة لهذه الأنظمة.

هذه المادة مترجمة عن مقالٍ لأستاذ السياسة العربية الحديثة والتاريخ الفكري بجامعة كولومبيا في نيويورك، جوزيف مسعد.

أقرأ أيضاً : جبهة مقاومة عربيّة : حين تجد المستقبل في التاريخ

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.