أزمة اليسار العربي (اليسار المصري نموذجاً)

0 265

تحية واجبة:

أُحيي، بدايةً، الرفيق المناضل وائل الجاغوب (مسؤول فرع السجون في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين )، ومن خلاله أتوجه بتحية الصمود والثورة إلي كل مناضلي شعبنا الفلسطيني الصامد في الأسرين: الوطن السليب، وسجون الاحتلال.

وأوافق علي محاور تحليله لأزمات اليسار الفلسطيني، الذي نكن لفصائله المناضلة احتراماً خاصاً، لعلاقتنا التاريخية بالقضية وبالنضال الفلسطيني، وإن كنت لا أملك القدرة أو الصلاحية في الإدلاء بدلوى فيما يخص شأن اليسار الفلسطيني، إلّا أني، ومساهمةً في إثراء هذا الحوار الضرورى، أطرح بعض الأفكار الخاصة بأزمة اليسار المصرى، والتي تعكس ذات الأزمة الفلسطينية، ونفس الأزمة التي يُعاني منها رفاقنا في مختلف البلدان العربية، عسانا -من خلال الحوار المشترك- أن نتلمّس مكامن النقص ومظاهر الخطأ، وأن نتوصل، من خلال الجهد المُنظم، المُخلص، المُشترك، إلي خطة عمل لإعادة البناء، تساهم في دفع المخاطر، وصد التهديدات المحيطة بأهلنا وأوطاننا.

لقد مسَّت الورقة التى طرحها الرفيق بعنوان: “أزمة اليسار وسبل النهوض”، العَصَب الحسّاس في ربوع الوطن العربي كله، وفي جميع بلدانه من أقصاه إلي أقصاه، فهناك شعور جارف بوطأة تراجع دور اليسار علي النحو المُخل، بل الخطير، الراهن، وانفراد الاتجاهات اليمينية ـ بشرائحها الطبقية المختلفة: المدني والديني والعسكرى ـ بالسلطة والثروة ومفاتيح صنع القرار السياسي والاقتصادي، وقيادتها ـ بممارسات سلطوية، استبدادية مُتعددة المظاهر ـ دول المنطقة إلي مستنقع الفقر والتخلّف والخراب والتطبيع مع العدو الصهيوني، والأوضاع الكارثية الناجمة عن التبعية والارتهان للمراكز الإمبريالية المتوحشة، وخضوعها المُذل والمُدمر لإملاءات “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” وغيرها من المؤسسات المالية المُهيمنة.

عداء مُستحكم: لقد تعرّضت تجمعات وتنظيمات اليسار إلي حربٍ طاحنة، سعت لاجتثاث جذورها من الأرض العربية فور تَنَشُّقها نسمة الهواء الأولي، أوائل القرن الماضي، لإدراك الطبقات البرجوازية الحاكمة، بمستويات تبلورها المختلفة، أن العدو الرئيسي لها، لم يكن الاستعمار أو التخلّف، وإنما اليسار، الذي وضعته في مرمي أسلحتها المُشرعة دوماً، حِرصاً علي قطع أواصر العلاقات الطبيعية بينه وبين جماهير شعبه من الكادحين والفقراء، بل وحتي “المُتنورين” من القطاعات المُتعلمة والمُتطلعة لبناء المستقبل، وتعاونت في تصفية تنظيمات اليسار مع المستعمر والجماعات الدينية المتطرفة، اللذان حثّاها على الاستمرار في الضغط علي تكوينات اليسار، وبالذات التيار الماركسي، في مهدها، وحصار دورها قبل أن يتصلّب عودها، ويُصبح عصياً على التحطيم.

والأدهى أن العداء للماركسية الذي اشتدت ضراوته في ظل الحكومات البرجوازية الوطنية، كحكومة “سعد زغلول” الوفدية، التى وجّهت ضربات أمنية عنيفة لـ “الحزب الاشتراكي المصرى” الأول، الذي تأسس عام 1921(1)، لم تتراجع وتيرته في ظل النُظام الوطني للرئيس “جمال عبد الناصر”، الذي رفع شعارات “الاشتراكية”، وانتصر لحركات التحرُّر، فلم يعانِ اليسار في عهود الاحتلال ما عاناه في منافي ومعتقلات النظام الوطني، ولم يُعَـذَّب قادته ويُستَشهدوا، مثلما عُذِّبوا واستشهدوا في تلك السنوات الصعبة!

وعلى امتداد نحو قرن كامل، منذ تأسيس هذا الحزب، وحتى اللحظة الراهنة، قدّم الآلاف من المناضلين الماركسيين المصريين تضحيات جسيمة، ودفعوا تكاليف غالية: شهداء ومُغتالين ومنفيين، وصرفوا سنينَ طويلة فى السجون والمعتقلات، وسطّروا ملاحم من المقاومة والصمود، وخاضوا نضالات بلا حصر، طرحوا خلالها أفكارهم وتركوا بصمتهم الواضحة على ثقافة وفكر وتاريخ الوطن كله، حيث شاركوا فى الأحداث الكبرى التى مرّت بها مصر، وأدوا أدوارا ًبارزة فى هبّات شعبها وثوراته، ومعاركه التاريخية، ضد الاحتلال والفساد والاستبداد والقهر، وفى بعض الأحيان كانوا القوة الُمُحَرِّكة والجماعة الرئيسية المؤثرة فيها.

ويرى الدكتور “فؤاد زكريا” أن الحركة الماركسية المصرية، بلغت  خلال النصف الأخير للقرن العشرين مستوىً عاليا ً من التأثير فى الأحداث، خلال فترات كان اليسار المصرى خلالها فاعلاً، وكان التحامه بالقواعد الجماهيرية حقيقة واقعة، “وكانت الصورة الشعبية لليسار حتى فى نظر الجموع التى تفتقر إلى الوعى السياسى ولا تمتلك فهماً واضحاً لمعنى الاشتراكية أو الماركسية والشيوعية، إيجابية إلى حد بعيد”(2).

ــ كانت الأولى منها فترة 1945 ــ 1946، حين لعبت دوراً فعالاً فى إحباط اتفاقية “صدقى ـ بيفن”، وتأجيج الصراع ضد الاستعمار البريطانى والحكم الرجعى فى الداخل.

ــ وكانت الثانية أيام الكفاح المسلح فى القنال عامى 1951 ــ 1952، حيث قامت الحكومة بتوزيع السلاح على الشعب، (وهى سابقة لم تحدث من قبل ولا من بعد!)، وأتاحت بذلك لقوى اليسار أن تلتحم التحاماً حقيقياً فى نضال وطنى ضد الاستعمار كان يمكن أن يؤدي، لولا حريق القاهرة، والثورة المُنضبطة المُرتبة عليه ( ثورة يوليو 1952)، إلى تغيير حاسم فى خريطة المنطقة العربية بأسرها.

ــ وكانت القمة الثالثة من تأثير الحركة الماركسية هى أحداث مارس 1954، التى لعبت عناصر هذه الحركة دوراً فيها، خارج الجيش وداخله، دوراً يستحيل تجاهله، وكان من الممكن أن تُشكل بدورها مُنعطفاً حاسماً فى مسيرة الشعب العربى نحو الاستقلال والعدالة الاجتماعية، فى إطار ديمقراطى، لولا تحرُّك القوى المناوئة لها فى انقلاب كان يحمل، فى ذلك الحين، الكثير من ملامح انقلاب الجنرال “زاهدى” ضد حُكم “محمد مُصَدَّق” فى إيران”.

وبعد هذه الذُروة – كما يُحلِّل “د. زكريا” ـ أَخَذَ تأثير الحركة الماركسية المصرية ـ فى الهبوط، وتحول من وضعية الفعل إلى رد الفعل إزاء الأحداث المُتلاحقة التى خرجت عن سيطرته وأفلت زمامها منه”(3).

والآن بعد ما يقرب القرن من بداية النشاط الماركسى فى مصر، ومع كل ما تقدم، فإن الواقع المؤسف يشير إلى ملامح الوهن التى انتشرت في جسد هذه الحركة، فبرغم كل تضحيات مناضليها وكفاح أجيال من المنتمين لصفوفها، وسعيهم الدءوب لمحاولة تجاوز هذه الوضعية، إلّا أنها أخفقت علي وجه العموم، عدا الفترة الواقعة بين هزيمة 1967 وحرب أكتوبر 1973، التى يمكن اعتبارها بمثابة “الصحوة الوحيدة التى استطاع اليسار خلالها أن يفعل شيئاً يتسم بقدر من الإيجابية، (من خلال) مظاهرات الطلبة وبعض التجمعات العمالية، ولكن قد يكون من الأدق القول أن هذه الفترة شهدت محاولة لظهور يسار جديد، خارج عن سيطرة القيادات التقليدية”(4).

قراءة في ملف الأزمة:

ولجت الحركة الماركسية المصرية القرن الحادى والعشرين وهى فى ملحوظة من الضعف ومحدودية التأثير، فى الواقع، إلّا من جهد مشكور لبعض القيادات والرموز الماركسية، ظلَّ موجوداً، بصورة فردية، مُشيراً إلي إمكانات مطلوبة، ولكن غائبة، بعد أن تم تحجيم وضع اليسار في إطار حزب رسمى، “حزب التجمع”، استمر يلعب دوره المرسوم، لا يغادره إلا لماماً، علي يسار النظام، ويمين الفكر النضالي، بله الثورى، وازداد الوضع تَرَدِّياً بانتهاجه سياسة “الأسقف المُنخفضة”، التي نَظَّرَ لها الدكتور “رفعت السعيد”، رئيس الحزب الراحل، الذي تولّي موقعه خلفاً للزعيم “خالد محيي الدين” بدوره التاريخي المعروف.

ورغم إرهاصات للصحوة، هنا أو هناك، في تحركات مساندة للانتفاضات الفلسطينية، أو ضد العدوان الأمريكي على العراق، أو دعماً لبعض الهبّات الشعبية والعُمالية من حينٍ لآخر، ظلت أحوال اليسار تراوح مكانها، حتي استطاعت حركات جماهيرية واسعة، كحركة “كفايه”، و””6 أبريل” وغيرها، أن تملأ جانباً من الفراغ الشاغر، بمساهمة من عناصر ماركسية في مواقع القيادة وداخلها، دون أن تُعَوِّضَ النقص الكبير لغياب الدور القيادي للماركسية في ساحة النضال.

وتبدو الصورة عن قرب، الآن، داعيةً للتأمل والتحرُّك، فهناك فى مصر يساريون كثر، هم فى الأغلب الأعم من الأجيال الأقدم، ولكنهم شراذم مبعثرة، يتخطَّفهم الموت والمرض بفعل عوامل السن وعوادي الزمن، وهناك نثار واسع ومنفرط، وتجمعات وجزر ماركسية متفرقة، تفتقد الوحدة والانسجام، ويعوزها ـ حتى الآن ـ إرادة الالتقاء حول رؤية مشتركة، وتحليل مُتفق عليه للواقع، وبرنامج موحد للنضال من أجل التغيير الاجتماعى، فى وطن يعج بالمشكلات وتطحنه الأزمات على كافة الأصعدة !

ومن وجهة نظرى، فإن الماركسية المصرية الآن، مجرد “حالة” وليست “واقعاً”، و”الحالة” مجرد احتمال، أو أملٌ مُتاح فى أحسن الظروف، والمطلوب تحويلها إلي “واقعِ”، فهو وحده اليقين الذى يُعوّل عليه، ويؤثر فى موازين القوى، ويوضع له اعتبار فى مواقع صنع القرار.

وإذا طبّقنا القاعدة المعروفة التى تقول أن “بضدها تتمايز الأشياء”، فمجرد مقارنة واقع الحركة الماركسية المصرية مع واقع حركة “الأخوان المسلمين” والجماعات الدينية العديدة، النقيضة، كافٍ لتأكيد ما ذهبنا إليه آنفا ً من تقرير!

فمن عجبٍ أن الحركة الماركسية المصرية التى سبقت إنشاء جماعة “الأخوان المسلمين” عام 1928، تعانى ما تعانيه من مشكلات، وتواجه ما تواجهه من أزمات، فيما تجاوزت الأخيرة الكثير من العقبات التى واجهتها، وفرضت نفسها على الساحة العربية والعالميّة، وليست المصرية وحسب، كرقمٍ مُهم ينبغى وضعه فى الاعتبار، ولا زالت تُمثّل رقماً ليس بالهيِّن فى عموم المنطقة، بالرغم من هزيمتها في الثلاثين من يونيو 2013، وإسقاط حكم “الإخوان” وتوابعها في مصر !

صحيح أن هناك أسباب موضوعية لنمو ظاهرة الإسلام السياسى، سواء كان منها العائد إلى طبيعته الأيديولوجية الدينية السائدة، التى صادفت أرضيّة مؤهلة لاستقبال الدعايات الإسلامية دون جهد يذكر، أو تلك التى تعود إلى إخفاق النظم الوطنية السابقة، وانكشافها،  بعد هزيمة 5 يونيو 1967 وما ترتّب عليها من نتائج وتداعيات، أو لجهة الدعم المادى والسياسى والأدبى الهائل، الذى لقيته هذه الحركات من النُظم العربية المحافظة، والولايات المتحدة، والغرب، لدورها الوظيفي في خدمة مصالح هذه الأطراف، فى إطار تعاون استمر لعقود طويلة، فى مواجهة العدو المشترك: الحركة الشيوعية والماركسية واليسارية والتحرُّرية فى العالم، وفي مصر والعالمين العربى والإسلامى، وهو ما اعترف به ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” مؤخراً، ومن الملاحظ أن هذه الحركات تميَّزت بديناميكية ذاتية وبرجماتية فائقة، مكَّنتها من التعامل مع المُتغيرات وتطورات الأحداث، ومن استثمار الظروف أحسن استثمار، واستغلال الرياح المواتية بأفضل السُبل، على عكس الحركات الماركسية.

ورغم أن أزمة الحركة الماركسية المصرية ليست بالجديدة، كما أشرنا، بل ترجع فى جانب أساسى منها إلى عقودٍ خلت، فإن استفحال هذه الأزمة قد تضاعف خلال العقدين الآخرين، بصورة خطرة للغاية، وخاصةً في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ومع قفز”الإخوان” على السلطة، بضغوط أمريكية وتوافق مع المجلس العسكرى السابق، ثم في الحقبة التى أعقبت 30 مايو 2013، مع إسقاط حكم الإخوان، واعتلاء “عبد الفتاح السيسى” السلطة، مدعوماً بنفوذ المؤسسة العسكرية ودعمها.

مُسَبِّبات وملامح الأزمة:

وقد أشار المفكر الماركسى الراحل الأستاذ “محمود أمين العالِم”، فى دراسة منشورة تحت عنوان “اليسار يواجه أزمة حركية”(5) إلى جانب من مظاهر هذه الأزمة، باعتبارها “أزمة تنظيمية تُضعف من الفاعلية الحركية”(6)، مُقَدِّراً أن “معضلة اليسار الماركسى أن نفوذه الفكرى ما زال أكبر من قدراته التنظيمية والعملية”(7).

ووصف “العالِم” وضع المعارضة اليسارية (والماركسية أساساً)، بأنها أقرب، فى كثير من الأحوال، “إلى المعارضة الكلامية النقدية الشعارية، ذات الطابع العام المُجَرَّد المرتبط بقضايا ومشاكل عامة، لم تبلغ بعد مستوى التعرُّف الدقيق على مشاكل الجماهير العينية ومطالبها واحتياجاتها الموضوعية”(8).

وقد رصد العديد من المفكرين والباحثين، من مواقع ماركسية ويسارية، أبرز مُسببات أزمة الحركة الماركسية المصرية، على مدى السنوات الماضية، وحدَّدوا أهمها فى التالى: افتقاد الانسجام “بين النظرى والعملى”، و”انحصار عملها فى نطاق شرائح اجتماعية هامشية إلى حد كبير، يغلب عليها الطابع الثقافى الفوقى”(9)، وشيوع ما أطلق عليه وصف “الهشاشة النظرية”(9)، أو بحسب توصيف الدكتور “محمود عبد الفضيل”: “الميل لاحتقار الوقائع” والتفكير “بعقلٍ مُستعار”، وهو ما يقود إلى”إعطاء أجوبة مُعَـلَّبة” على “الأسئلة الطازجة” التى يفرزها الواقع اليومى، فهناك ـ فى أحوال كثيرة ـ “عدم إصغاء” لإيقاع ونبض الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالى ميل مُغالى فيه لإملاء الأفكار المُسبقة”، وهذا يقود بدوره إلى “الفقر النظرى” و”التيئيس الفكرى”، وهو “مما يُحد من “عمليه” النهج اليسارى (الماركسى) كنهج تحليلي لفهم الواقع وكدليلٍ للعمل السياسى”(11).

إن خطورة هذه الحالة، كما يرى د. “عبد الفضيل”، تتحدَّد فى أن “فشل النظرية فى “التفسير” يعنى أنها سوف تفشل قطعاً فى التغيير”، إذ أن آفة منهج “التفكير بالنصوص” هو الفشل الذريع فى تعيين التناقضات الحقيقية فى الواقع العينى المُعاش”، وعدم القدرة على تحديد منهج حل تلك التناقضات، فالأزمة إذن، من وجهة نظر الباحث، ترجع إلى عدم ملائمة “النموذج التحليلى”، المُستند إلى واقع التطوّر الرأسمالى فى أوروبا بالقرن التاسع عشر، كأساس لفهم واقع التطور الاقتصادى والاجتماعى الراهن، وقد أدى هذا الوضع إلى نشأة ما أسماه “القصور النظري”، (Theoritical Deficiency)، فى فهم مقومات الواقع وبنيته التحتية والفوقية، وآليات عمله  اليومية، حيث ظلّت صياغة أفكاره أقرب فى مجموعها إلى “الصياغات الفقهية” بسبب العجز عن القيام بـ “التحليل الملموس للواقع الملموس” وهو ما يؤدى إلى نوع من “الكسل الفكرى”، و”يقتل الإبداع اللازم لفهم حركة الواقع المُتَجَدِّد، ويعوق التواصل مع الجماهير، بل يقود إلى شعور زائف بالتفوق والاستعلاء بزعم امتلاك “المنهج العلمى” فى الرؤية والتحليل”! (12).

ويرصد الأستاذ “حلمى شعراوى” سبباً آخرَا من مُسببات أزمة الحركة الماركسية المصرية فيما وصفه بـ “تردُّد الماركسيين بين الاجتماعى والوطنى”، إذ كان الماركسيون المصريون، كما يري: “اجتماعيين يتحدثون عن صراع الطبقات يوم كانت القضية المركزية الهجمة الصهيونية الإمبريالية، بعد الحرب العالمية الثانية، وكانوا وطنيين مُعادين للإمبريالية فى الستينيات ـ وهذا ضرورى طبعاً ـ  بينما المطلوب كان تعميق القضية الطبقية، ثم عادوا اجتماعيين أو اقتصاديين منذ السبعينيات، وحتى الآن تقريباً فى حين أن الهجمة الإمبريالية والصهيونية تدبر ابتلاع مصر والوطن العربى”(13).

وقد أرجع الدكتور “مُراد وهبه” الجذر الموضوعى لأزمة الحركة الماركسية المصرية (والعربية) إلى عوامل موضوعية، أبرزها عنصر “ذاتى”، كامنٌ فى التراث المصرى “من حيث هو تراث مُتَخَلِّف، محكوم بالفكر الأسطورى منذ الحضارة الفرعونية، لم نُعمل فيه العقل الناقد، الذى من وظيفته الكشف عن جذور الوهم فيما نعتقد”(14)، وهو ما أدَّى إلى عرقلة مرحلة “التنوير” الضرورية لإفراز كل من “الليبرالية” و”الماركسية” حيث يتم خلالها إخضاع كل شئ للنقد، “وكل شئ عليه أن يُبَرِّرَ وجوده أمام محكمة العقل أو يتنازل عنه، ومن ثم يُصبح العقل هو المعيار الوحيد لجميع الأشياء” و”الحاكم الأوحد لكل ما هو موجود”(15).

هذه الوضعية، كما يرى د. “وهبه”، أفقدت المنطقة الشرط الضرورى لخلق طبقة برجوازية حقيقية، إذ أن “البرجوازية لا تتكوَّن إلّا فى مناخ علمانى”، والعلمانية “من المُحرَّمات الثقافية فى بلادي، وفى بلاد مثيلة لبلادي”، وغياب الطبقة البرجوازية يعنى غياب نقيضها”، لأنه “إذا انتفت البرجوازية انتفت الطبقة العاملة!” (16).

وإضافة إلي ذلك، كما يقول د.”مُراد وهبه”، فإن غياب “ثقافة التنوير ووعيه”، جعل تفكير الماركسيين المصريين “تفكيراً دوجماطيقيا، يُمطلق العوامل الموضوعية ولا يرى سواها من عوامل ذاتية لها من الفاعلية ما لدى العوامل الموضوعية”(17).

إن غياب نقد “الفكر الأسطورى”، المُتَرَسِّب فى العقلية المصرية منذ الحضارة الفرعونية وحتى الآن، الذى سبق وأشار إليه الدكتور “مراد وهبه”، أدى إلى مفارقة “صورة” الجماهير، فى ذهن الماركسيين المصريين، عن واقعها الحقيقى الذى كانت تفتقد فيه لمفهوم التطوّر وحتمية التغيير الاجتماعى”(18)، ومن هنا كانت عُزلته عنها وعجزه عن تثويرها، يُضاف إلى ذلك التأثير الملحوظ لعنصر خارجي، متمثلاً في الواقع المُترتب على حصار الغرب الليبرالى  لـ “الدوجماطية الماركسية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، حتى انهارت هذه الدوجماطية وانهار معها الاتحاد السوفييتى وتفكّك”(19) الأمر الذى كان له سلبيات كبيرة ضاعفت من أزمة اليسار الماركسى الراهنة وعمّقت من عزلته.

هذه بعض الإشارات إلي جانب من الأسباب والمظاهر التي عزلت اليسار المصري، في مُجمل حركته، عن واقع الحركة الجماهيرية، كُتبت منذ فترة نقداً لأوضاع اليسار الماركسي المصرى، آنذاك، وهي لا زالت صالحة لـ “نقد الواقع المُعاش” الآن، رغم أن الجماهير في كل الهبّات والانتفاضات الثورية (كانتفاضة 18 و19 يناير 1977، و(ثورة) 25 يناير 2011)، كانت ترفع شعارات يسارية، كشعار: “عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة إنسانية”، وهو شعار يُلخص مجمل ما طرحه اليسار من أفكار وبرامج، علي مدى العقود المنصرمة، تعكس حاجات الطبقات المسحوقة الأساسية، وتُعَبر عن أشواقها للالتحام بقوى سياسية تعكس مطالبها الرئيسية، وتناضل بجسارة من أجل تحقيقها.

ولا يعني ما تقدّم من نقد، وهو صحيح في مُجمله، إغماط الجهود الهائلة التي بُذلت وتُبذل، والتضحيات الضخمة التي قُدمت وتُقدّم، والمعاناة الكبيرة في المعتقلات والسجون، وخارجها،  التي يلقاها مناضلون ماركسيون ويساريون، بعضهم بلغ من السن عتيِّاً* وآخرون من الشباب، لكن المهم هو وضع اليد على “التشخيص” الصحيح لمسببات الأزمة، كمدخل لتصحيح الأخطاء، وتجاوز العثرات.

وإلى ما قُدِّمَ من رؤى وتفسيرات نقدية صحيحة، أضيف أن التحولات العاصفة التي شهدتها بلدنا ودول المنطقة، بعد رحيل الرئيس “جمال عبد الناصر”، وانهيار تجربته بوصول نائبه (!) “أنور السادات” إلى سُدَّة الحكم، وإعلانه التسليم بأن “99% من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة الأمريكية”، وسعيه للصلح مع العدو الإسرائيلي، وتنكّره لقضايا التحرر ومعاداة الاستعمار، اقتضى منه الحركة على محورين رئيسيين، لعبا دورهما في إضعاف اليسار، وحصار دوره:

أولاً: بانتهاج سياسة “الانفتاح الاقتصادى” العشوائي، الذي وُصف بـ “انفتاح السداح مداح”، والذي كان من ضمن استهدافاته خلق قاعدة اجتماعية وثقافية وطبقية، مُعادية لليسار والفكر الاشتراكي، ومؤمنه بالحياة الرأسمالية، ونموذجها المُلهِم هو الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل ودول النفط الغنيّة، مع البدء في تسريح القاعدة العُمَّالية الأساسية، التى كانت تضم مئات الآلاف من العمال والكادحين، في المراكز الإنتاجية الكُبري: حلوان، والمحلة الكبرى، وكفر الدوار، وشبرا، وغيرها، بتصفية القطاع العام الإنتاجي، وتسريح العُمَّال، مع فتح الأبواب أمام الملايين من المواطنين، ودفعهم للسفر إلي دول النفط، حيث جرى لهم غسيل مخ جماعي، عادوا على أثره مٌشبعين بالفكر الوهابي، والسلوك الريعي، والعداء لكل أشكال التحرُّر والتقدم، وبهذا خسر اليسار بمختلف مدارسه، والحركة الماركسية بشكل رئيسى، القطاع الأساسي من “الحامل الاجتماعي” المؤهل للتفاعل مع الفكرة الاشتراكية، والتغيير الثوري، والأسوأ: أن هذه القاعدة المفقودة، تحوَّلت، إلّا فيما ندر، لكي تصب في طاحونة التيارات المُتشدّدة، والمُتطرّفة والإرهابية!

وثانياً: الضربة المتواكبة مع ما تقدّم، والتي وجِّهَت إلى القاعدة اليسارية في الجامعات المصرية، وكانت قد حقّقت نجاحات كبيرة في “العقد اليسارى”، 1967 ـ 1977، وجاء التصدِّي لها عن طريق إبرام صفقة إجرامية مع “جماعة الإخوان”، تم بمقتضاه الإفراج عن كوادرها المحبوسين فى السجون، وإعادة ممتلكاتهم ووسائل إعلامهم وشركاتهم وأموالهم المُصَادرة لهم، مُقابل استخدامهم كقوة ضاربة: مادية وأيديولوجية، لتحطيم خصوم النظام في الجامعات والأوساط الثقافية والفكرية، وهو ما تم بالفعل، واعترفت أجهزة الدولة بفداحة النتائج التي ترتبت على هذا الإجراء الخطير، الذي فتح الباب أمام تغوّل الخطر الإرهابي، وبما أدي إلى قتل “أنور السادات” نفسه، والتحول لالتهام الدولة وأجهزتها، وفق سياسة “التمكين” المعروفة، والتي تصدّي لها، وأجهضها نزول الملايين إلي الشوارع لإسقاط حكم “المرشد” في 30 يونيو 2013.

وما له دلالة مهمة، في هذا السياق، أنه رغم الصراع بين السلطة والإرهاب، وما تُسببه الجماعات الإرهابية، التي ترفع شعارات دينية، من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، فلا زالت السلطة تتحالف مع جانب آخر من الكتلة المُتطرفة، مُمثَّلاَ في الجماعات السلفية الوهابية، ورخّصت لـ 11 حزب ديني، بالعمل ودخول الانتخابات والتواجد في “البرلمان” بشكل “رسمى”!

أفكار أولية من أجل إعادة البناء

بلغت الحركة الماركسية المصرية، في الفترة المنصرمة، أوج ضعفها، على النحو الذى أشرنا إلى أبرز مظاهره آنفا، فى ذروة احتياج مصر لها ولأفكارها ولجهودها، مع استفحال الأزمة المجتمعية الشاملة، والتدهور الهائل فى أوضاع الطبقات الشعبية المعيشية، وانهيار الأمل لدى عشرات الملايين من الجماهير الذين غدرت بهم وبمصالحهم سياسات الطبقة الرأسمالية المتخلفة التابعة الحاكمة، وسياساتها الملتزمة بإجراءات “الهيكلة النيوليبرالية” للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلاد، والتي لا زالت تُمارس بحذافيرها حتى الآن: حيث تصاعدت نسب البطالة (الفعلية) إلى مستويات قياسية، وارتفعت أسعار السلع والخدمات الضرورية بشكل جنونى غير مسبوق، وتدنت مستويات المعيشة لعشرات الملايين من أبناء الشعب إلى ما تحت خط الفقر المُحَدَّد دوليا، خاصةً بعد “تعويم الجنيه المصرى، أواخر عام 2016، وتردت الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والبيئة وغيرها، وبيعت المصانع والمؤسسات المملوكة للدولة بأبخس الأثمان، وتراجع النفوذ المادي والمعنوي للبلاد إلى درجة مهينة ومُهَدِّدة للأمن الوطنى والقومى، وفى اللحظة التى تبددت فيها أوهام الخلاص البرجوازى، تلفتت الجماهير حولها تبحث عن قيادة يسارية حقيقية لأحلامها وآمالها فى التغيير، فلم تجدها، وكان أن أُجهضت هبّاتها الثورية.. ولكن إلي حين!

فالحاجة الموضوعية ماسّة لحركة سياسية ماركسية مصرية فاعلة، قادرة على التواصل الواعي مع “الناس”، والتلاقي الحميم مع الجماهير الكادحة، والتفاعل النشط مع أفكارها واحتياجاتها. حركة اشتراكية راديكالية نقدية، تتمتع مع وضوح الفكر، بدرجة عالية من المرونة والانفتاح، تؤهلها لقيادة حركة الاحتجاج الشعبى العفوية المتشرذمة، والتعاطى مع عناصر التفجُّر التى تشى بها درجة الاحتقان الكبيرة فى الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، وحالة الغضب المكبوت، التى تتجمع نُذُرَها فى أجواء مصر “المحروسة”، ويشعر بها الكثيرون، حتى من المقربين لنظام الحكم ذاته، من أجل تطوير هذه الحركة باتجاهات عقلانية رشيدة، تصب في صالح تغيير إيجابي موجّه نحو الأفضل، لا تفجير عشوائي تخريبي، لن يفيد منه سوى جماعات الإرهاب وأنصارها، والقوي المُعادية، في الداخل والخارج.

 ويقتضى النجاح فى تحقيق هذه الغاية، عملاً جاداً ودؤوباً، من أجل معالجة نقاط الضعف البارزة فى البنية الفكرية والتنظيمية للحركة الماركسية المصرية، تُحرِّرها من بيروقراطيتها،   و”نصوصيتها”، وجمودها الأيديولوجى، الذى حجزها عن تجديد خلاياها الذهنية والبشرية، وفصلها عن “الشعب” الذي طالما تغنّت به وغنّت له، وحوّلَ أفرادها إلى كائنات قادرة على “الرطانة” اليسارية، لكنها عاجزة عن “الفعل اليسارى”، وعرّضها للتآكل الموضوعى، الأمر الذى يهدد وجودها ذاته، ويدفعها للتهميش المستمر، ويُضاعف من أمراضها المتوارثة، وأبرزها الانقسامية والتشرذم، والعجز عن بناء وحدة جدلية تجمع شظاياها المُتناثرة، وتُعيد إحياء دورها التاريخى المُفتقد، وتملأ الفراغ الشاغر الذى لن يملؤه أحد سواها!

واجبات مُلحّة:

إن النجاح في هذه المهمة، الشاقة (لكنها مُمكنة)، يقتضى إنجاز مجموعة من المهام المتوازنة والمتوازية، أهمها:

1ـ إجراء عملية فحص نقدى صارم لجماع التجربة الماركسية، العالمية والمحلية، من أجل وضع اليد على أسباب الضعف والإخفاق ومعالجتها، والتعرُّف على مكامن القوة والنجاح وتعظيمها، وبهدف بناء منظومة معرفية ماركسية جديدة، تتجاوز عناصر الخلل فى المنظومة المعرفية البيروقراطية التى سادت على امتداد العقود الماضية، وقادت العمل الماركسي فى مصر، والعالم أجمع، إلى إخفاقات لا مفر من الاعتراف بها، مع الاستمرار فى كشف وتعرية ودحض ونقد الوعود الموهومة لليبرالية والنيوليبرالية، ولكل الأفكار الرأسمالية والرأسمالية المُحَسَّنة، من نوع  نظرية “الطريق الثالث” وغيرها، التى لا تعدو تجميلاً للوجه الرأسمالى القبيح، وإعادة تغليف  لنظم الاستغلال القديمة فى عبوات جديدة!

وإضافةً لما تقدّم فإن هذا الجهد يستهدف إعادة تحديد الطبقات الاجتماعية، التى سيخدمها برنامجنا النضالي، في ظل المتغيرات العميقة التي طالت الأوضاع الداخلية والخارجية، ومع الحراك والتحولات المنظورة في أوضاع الطبقات والعلاقات الاجتماعية بينها، الناجمة عن الثورات التكنولوجية والمعرفية المُتسارعة المُتَجَدِّدة.

2ـ صياغة برنامج عملي للنضال، يتأسس على إدراك واقعى لكل أولويات العمل الممكن، ويفتح الباب أمام انطلاقة فعلية، وفق برنامج زمنى دقيق، يُحدد مفهوم “الاشتراكية الجديدة”، التى نناضل من أجل تحقيقها، وملامحها ذات الطابع الإنسانى المنفتح، والتى ترفض القسر والإكراه والعسف، مع وضع مُجمل الظروف الدولية والداخلية المحيطة فى الاعتبار. وهذا البرنامج يجب أن يستهدف إحداث قطيعة معرفية وحركية مع النظم الرأسمالية والبرجوازية الصغيرة التابعة، وفضح استغلالها لشعوبها وشعوبنا، ومتاجرتها بشعارات ثوروية زائفة، والتوجّه بإصرار نحو إعادة بناء الجسور مع الحركة الجماهيرية، بالعمل على مستوى “الأرض” من أجل تأسيس علاقة عضوية جديدة مع الطبقات الشعبية، تُعَمِّقُ الارتباط بالفئات المسحوقة والكادحة والعاملة فى المجتمع، التي تشكل أكثر من 90% من المواطنين، وتأخذ فى الاعتبار اتساع مدى وحجم الطبقات والفئات الاجتماعية المُضارة من سياسات النظام المُعادية لها، والمنحازة لطبقة محدودة من الأثرياء والفاسدين والمستبدين، والمطالب التي ندعو للنضال من أجل تحقيقها، والمصالح الاجتماعية البديلة التي ندافع عنها.

3ـ ابتداع آلية تنظيمية جديدة، تتأسس على مبدأ الانضباط الواعى، وترتكز على قواعد الديموقراطية والشفافية والفاعلية الحركية، وتتجنب العيوب البيروقراطية التى قادت الشكل التقليدى للأحزاب الشيوعية الكلاسيكية إلى الانتكاس، وتسبّبت ـ ضمن عوامل عديدة أخرى ـ فى انكسار التجارب السابقة، وعجزها عن حماية الدول والنظم التى أسستها، ودفعها للانهيار.

4 ـ العمل الفوري علي تنفيذ خطة لتجديد الحركة الماركسية، تتحرك على ثلاث محاور مُتضافرة:

    ( أ ) تجديد الدماء، بوضع خطة عملية للتواصل مع الأجيال الجديدة من الشباب، وإدارة حوار مفتوح معهم يستهدف تحقيق الفهم المشترك، وتجسير الفجوة القائمة، وبناء مسارات من الفهم والثقة معهم، والإسراع في إعدادهم لتحمّل مسئولية تولي قيادة الحركة فور تأهيلهم لهذه المهمة.

    (ب) تجديد الخطاب الماركسي، بالبٌعد عن “الخطب المنبرية”، و”الكلاشيهات” المحفوظة، والاقتباسات المتعالمة، والعودة إلي الحديث بلغة الناس البسيطة، بلا تعالٍ أو ادّعاء، والتواصل المستمر معهم وخدمتهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، باعتبار ذلك هو الخطاب اليساري الأبلغ، والأكثر فاعلية وتأثيراً.

    (ت) تجديد أدوات العمل ووسائل التواصل مع الجماهير، بعيداً عن الأشكال التقليدية التي تراجعت قدرتها النسبية على التأثير والحشد، كالمظاهرات والاعتصامات والمنشورات وخلافه، (وإن كانت ستظل هذه الأدوات مطلوبة ولازمة)، وإيلاء الاهتمام لأدوات التفاعل الجديدة كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها وسائط عابرة للحواجز والحدود والقيود، وأسرع وأقل كلفة في الوصول والتواصل. وهي، في كل الأحوال، وسيلة رئيسية للتفاعل المُباشر مع الأجيال الجديدة.

5 ـ التركيز على نشر الوعى الماركسى وسط الأجيال الجديدة من شباب العمال والطلاب والمثقفين، والكادحين عموماً، من أجل تجديد الدماء فى الشرايين المُتجمدة، ومد الحركة الاشتراكية فى مصر بصفوف متجدّدة من المؤمنين بقيَّمها وأفكارها، ولتعويض الفقد الكبير فى كوادرها، بفعل عوامل التآكل البيولوجى، أو الإحباط واليأس، نتيجة لسلبيات المراحل السابقة ومشكلاتها.

6 ـ إعادة الاعتبار لمفهوم الثقافة والوعي النقدي والانفتاح الفكرى، والاهتمام بدراسة التاريخ الوطنى وتطور المجتمعات المحلية والاغتناء بالثقافة القومية والعالمية، والتوجّه إلى ترقية الحس النقدى، وتفعيل مبدأ النقد والنقد الذاتى اللصيق بالماركسية، والضروري لتصحيح أخطاء الفكر والممارسة “أولا بأول”، ومن أجل محاربة التكلُّس والجمود، ولقطع الطريق على الانتهازية والوصولية، ولتجديد الخبرة البشرية والنضالية، وتطوير التجربة ودفعها للأمام، مع الاهتمام البالغ بعملية التثقيف والتراكم المعرفي والتحصين الفكري للعناصر الجديدة من الشباب، لتعويض النزيف المستمر في الكوادر القديمة.

7 ـ الانتباه لتأثيرات “الثورة الصناعية الرابعة”، التي ولجت البشرية بواباتها بالفعل، وبدأت نتائجها تواجهنا في تطبيقات الذكاء الصناعي والهندسة الوراثية والنانو تكنولوجي وأبحاث الجينوم والصعود إلى الفضاء، وغيرها، والماركسيون، كنتمين لنظرية تؤمن بالعلم والمنهج العلمي، لا بد من أن يكونوا مُهيئين للتفاعل الإيجابي مع هذه المُنجزات، والاستفادة منها لصالح نضالهم وقضيتهم.

8 ـ إحياء المفهوم الجدلى لقضية “الجبهة”، التى تنطلق من الوعى بأن اتساع حجم مشكلات المجتمع، وتجذُّر أزمته الهيكلية، يُزيد من حجم الطبقات والفئات الاجتماعية المُعَرَّضة للعسف والمظالم الاجتماعية وسياسات النهب والإفقار، والراغبة فى “التغيير” الاجتماعي والسياسي، وييسر من أمر تكوين ائتلاف وطنى واسع، يلتقى حول برنامج مرن للتعاون والعمل المشترك.

9 ـ لا بد للحركة الماركسية في مرحلة البناء الجديد، ألا تتهاون في اتخاذ موقف واضح من خلط السياسة بالعقيدة، ومن “الإرهاب” المُقنع بالدين، والجماعات الإرهابية التي تقف خلفه وتدعمه وتروج له، لأن التهاون في هذا الموقف يدمغ الماركسيين بوصمة التعاطف مع الإرهاب، ويُسَهِّلُ مهمة الأنظمة القمعية في تشويه صورتهم، وهم في نفس الوقت، وبذات الحسم، مدعوون لشق طريق ثالث بين التيارات الدينية والنظم القمعية الحاكمة، إذ لا يعني معادة الإرهاب، الاصطفاف الأعمي في صف أنظمة مُتسلِّطة، مُعادية لشعوبها ولمصالح البلاد، وتصادر كل الحقوق السياسية والفردية، العامة والخاصة، وتتخذ من هذا الإرهاب “شمّاعة” لتعليق كافة الحريات والحقوق الاجتماعية والسياسية للطبقات الكادحة، بدعوى أن “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”!

10 ـ لا بد من خوض نضال فكري شرس ضد تسلل الأفكار النيوليبرالية، وانتشارها في الوعي الجمعي للطبقات الكادحة والكوادر الماركسية، وفي مواجهة النزعات الاستهلاكية الرائجة ونزعات التملُّك البرجوازية، وتلك التي تنشر القنوط وتدعو للإحباط والتيئيس، والتي تزعم بألا فائدة من النضال والمقاومة، وتدعو للحلول الفردية والذاتية.

11 ـ مد جسور التساند الرفاقي، والارتباط الحيوى بالحركة النضالية الجديدة الحاملة لذات الهموم والمشاغل، والتى تتبلور في مختلف البلاد العربية، والتى تسعى لتأسيس مفهوم حديث وديموقراطى لـمسألة “الوحدة العربية” الشعبية، انطلاقا من الإدراك الواعى بالترابط العضوى بين النضالين: المحلى والعربى، وبوحدة النضال والمصير فى مواجهة الصهيونية والإمبريالية التى تستوجب أقصى درجات التكامل والتكاتف بين المناضلين من أجل مستقبل مزدهر لأمتنا وشعوبنا. مع التأكيد على أن معركة اليسار ضد الفساد والاستبداد، والقهر والتخلف، هي أحد وجهي العملة، ووجهها الثاني هو مقاومة الإمبريالية، والصهيونية، والطبقات والنظم المتحالفة معهما، والتي تهرول لتقديم فروض الولاء والطاعة لهما.

12 ـ التواصل النشط والفعال مع النظم التقدمية، والحركة العالمية المناهضة للعولمة المتوحشة، والمقاوِمة لمخططات الهيمنة الإمبريالية، وللنزوع “الإمبراطورى” وسياسات “غطرسة القوة” الأمريكية العدوانية، وللحلف الأمريكى الصهيونى، باعتبار أن هذه الحركة حليفاً أساسياً، لا يمكن هزيمة مشاريع العدوان الموجهة ضد أوطاننا بمعزل عن دعمها ومساندتها.

هذه بعض الأفكار التى قد تساعد فى إعادة بناء الحركة الماركسية المصرية والعربية مُجدداً، والتحدى صعب لكن الأمل قائم، المهم أن نشحذ عزيمتنا لإنجاز هذه المهمة الشاقة والنبيلة، وأن نبدأ قبل فوات الأوان.

الهوامش

1 ـ انظر برنامج “الحزب الاشتراكى المصرى” القديم، نقلا  عن جريدة “الأهرام”، فى 29 أغسطس ـ آب 1921، المصدر: مجلة “الطليعة”، القاهرة، العدد (2)، ينايرـ كانون ثانى  1965، ص: 159. وفي البرنامج، يُحدد الحزب هدفه الرئيسى بـ: “تحرير مصر من نير الاستعمار الأجنبى، وتأييد حرية الشعوب، ومحاربة الاستعمار ومقاومته أينما وُجد”، وكذلك: “السعى إلى إنشاء مجتمع اشتراكى”، ينتفى فيه “التفريق بين طبقات المجتمع الطبيعية”،ويُلغى فيه “استغلال جماعة لأخرى”.

2 ـ د. فؤاد زكريا، الأزمة الراهنة لليسار المصرى، مجلة الهلال، القاهرة، عدد أغسطس – آب 1989، ص: 91.

3 ـ المصدر نفسه.

4 ـ المصدر نفسه.

5 ـ محمود أمين العالم، اليسار يواجه أزمة حركية، مجلة “الطلوع”، العدد (3) يناير ـ  كانون ثانى 1985، القاهرة، مركز إعلام الوطن العربى “صاعد”، ص : 18.

6 ـ المصدر نفسه.

7 ـ المصدر نفسه.

8 ـ المصدر نفسه، ص: 21 ـ 22.

9 ـ د. سيد البحراوى: غياب الفعالية، إسهام فى حوار عنوانه :”المثقف الماركسى فى مصر والمُتغيرات المعاصرة”، جريدة ” الحياة “، لندن، 9 يناير ـ  كانون ثانى 1994.

10 ـ المصدر نفسه.

 11 ـ د. محمود عبد الفضيل، اليسار وأزمة فهم الواقع: بعض الملاحظات الأولية، مجلة “الهدف”، دمشق، العدد (1237)، 12 مايو ـ  آيار 1996، ص: 28.

12 ـ المصدر نفسه.

13 ـ حلمى شعراوى: أزمة الماركسى المراوغ، جريدة ” الحياة “، مصدر سبق ذكره.

14 ـ د. مراد وهبه، أزمة اليسار المصرى، مجلة “إبداع “، القاهرة، سبتمبر 1995، ص : 22.

15 ـ المصدر نفسه.

16 ـ المصدر نفسه، ص : 23.

17 ـ المصدر نفسه.

18 ـ المصدر نفسه.

19 ـ المصدر نفسه.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.