أسئلة حول تنظيم الحزب الثوري (1)

0 33

في 16 تموز 1984 تحدث الرفيق نهويل مورينو -بدعوة من قبل الشبيبة الإشتراكية_ حول تنظيم (بناء) الحزب الثوري. هذا المقال هو النسخة المكتوبة لمحاضرته منقحة من قبل المحاضر نفسه. وقد تم نشرها أولا في بوينس آيرس ضمن مذكرات التضامن. (قارئ التثقيف السياسي رقم 1- 1984) ،بقلم نهويل مورينو (تموز- 1984).

الوضع الثوري الجديد وتنظيم الحزب

في الإجتماع الأخير للجنة الوطنية تناولنا الوضع السياسي الثوري الجديد الذي بدأت بلادنا تشهده بعد موجة الإضرابات الكبرى في حزيران الماضي. وقد صوتنا لصالح مجموعة من القرارات لمواءمة نشاط وتنظيم الحزب لهذه المرحلة الجديدة للصراع الطبقي.

الخطر يكمن في أن تلك القرارات التي تم تبنيها قد اتخذت كتغيير رسمي للبناء التنظيمي للحزب وليس كما هي حقا: إعداد البناء التنظيمي للحزب لهذه المرحلة الجديدة: مرحلة ثورية تتطلب تحريضا مكثفا للحركة العمالية والجماهير عموما بما يسمح لنا بالإنتقال نوعيا في بنيتنا العضوية إلى ميادين العمل ومراكز التعليم وأحياء الطبقة العاملة – بعبارة أخرى: مرحلة جديدة تهدف إلى استغلال الظروف الموضوعية الملائمة والتقدم الذي حققناه في الآونة الأخيرة لبناء آلاف الخلايا والحلقات أو المجموعات الحزبية في أماكن العمل ومراكز التعليم وأحياء الفقراء والطبقة العاملة.

ولكي نتجنب ما أمكن احتمال اتخاذ هذه الثورة للنشاط الحزبي “كثورة” إدارية أو بيروقراطية في بنائنا التنظيمي الحالي نعتقد أنه من الضرورة وضع هذه القرارات للجنتنا الوطنية الأخيرة في إطار نظري وسياسي، وذلك هو هدف هذا المقال أيضاً.

نظرية وتاريخ حزب العمال الثوري / مركزية التنظيم

بشكل عام تبدو الأسئلة حول التنظيم وكأنها ليست أولوية -شيء نميل إلى تجاوزه- ويُعدّ ثانويا مقارنة بالقضايا الأخرى المتعلقة “بالفلسفة” -الدياليكتيك أو نظرية الإغتراب أو حتى النقاشات الإنفعالية حول الوضع الإقتصادي أو السياسي – ما هو وضع الإقتصاد الإمبريالي؟ هل توجد حالة ثورية في الأرجنتين أو البرازيل؟ أو لوائح عضوية كاملة مناهضة للبيروقراطية أو جبهة موحدة لهزيمة اتحاد البيروقراطيين؟ .. الخ.

بيد أن المسألة التنظيمية هي الجوهر -إلى حد ما- للنشاط الماركسي الثوري. البرنامج والسياسات ينبغي أن تجيب على التساؤل: ما هي المهمات والأهداف والشعارات التي من شأنها تعبئة الجماهير اليوم باتجاه الثورة الإشتراكية؟ التنظيم لا بد وأن يجيب على السؤال: ما هو التنظيم المطلوب لحراك الجماهير كي يتولى نضالهم اليوم؟ كيف ننظم حزبا من شأنه قيادة النضالات والثورة وسلطة العمال في كل مرحلة للصراع الطبقي؟

مسألة التنظيم حاسمة للغاية -على عكس اعتقاد عديد من النشطاء كان هناك ليس فقط قائدان بل ثلاثة قادة عظماء للثورة الروسية والحزب البلشفي. إلى جانب لينين وتروتسكي كان هناك سفيردلوف -السكرتير العام- منظم الحزب البلشفي. ياكوب ميخايلوفيتش سفيردلوف. لم تخلده أية مقالات أو دراسات حول الإقتصاد أو الفلسفة أو السياسة الماركسية. لا يكترث أحد لمجموعة أعماله الكاملة -حتى وإن وجدت- ولكنه كان الرجل الأعز والأكثر احتراما لدى الحزب البلشفي. كان في غاية الأهمية لدرجة أنه حين توفى حل مكانه أربعة من كبار قادة البلاشفة – والقادة الأربعة فشلوا كونهم لم يكونوا قادرين على تولي مهمات سفيردلوف.

لينين الذي لم يكن ديماغوجيا ولا متهافتا على المديح الرخيص وصف سفيردلوف عند تأبينه خلال جنازته “بالقائد البروليتاري الذي بذل أكثر من غيره لتنظيم الطبقة العاملة وضمان النصر”.

(في جنازة ياكوب سفيردلوف 18– آذار- 1919- مجموعة أعمال لينين السادسة- المجلد 29- دار التقدم- موسكو- 1965- ص 95).

في تأبينه لسفيردلوف الذي أعلن في 18 آذار – 1919- أوضح مدركاته:

“الناس الذين يحكمون وفقا لما يرونه على السطح والأعداء الكثيرون لثورتنا وأولئك الذين مازالوا إلى اليوم يتأرجحون ما بين الثورة وخصومها- يعتبرون أن السمة الأبرز لثورتنا تتمثل في الطريقة الثابتة المقررة بلا هوادة والتي تعاملت بها مع مستغلي وأعداء العمال. لا شك أنه دون عنف ثوري ما كان للبروليتاريا أن تنتصر ولا يمكن أن يكون هناك أي شك بضرورة العنف الثوري وبأنه كان سلاحا شرعيا للثورة فقط في مرحلة محددة لتطورها- فقط تحت ظروف خاصة ومحددة- وهذه سمة أكثر عمقا وثباتا لهذه الثورة التي كان ومازال شرط انتصارها هو تنظيم الجماهير البروليتارية – وإن هذا التنظيم لملايين العمال هو ما يشكل التحفيز الأمثل للثورة ومصدرها الأعمق للنصر”.

(في تأبين ي. م سفيردلوف بجلسة خاصة للجنة التنفيذية المركزية لروسيا كلها- 18 – آذار- مجموعة أعمال لينين- 6- النسخة الإنجليزية الرابعة- دار التقدم- موسكو- 1972- المجلد 29- ص 89- 94).

بالنسبة للينين فإن هذا التنظيم “أكثر عمقا وثباتا” للثورة من العنف الثوري بحد ذاته. أعني أنه من ناحية هناك الفعل والحراك والنضال وعضوية الجماهير- ومن ناحية أخرى هناك التنظيم الذي يوفر البنية والإستمرارية الدائمة لكل هذا الفعل والتعبئة. بدون التعبئة ونضالات جمّة فإن الثورة غير ممكنة. ومع ذلك فإنه دون التنظيم لا توجد ثورة. النضالات ستذبل والأعمال البطولية للجماهير ستتلاشى. لهذا فإن الحزب ليس مجرد شعارات تنادي للعمل والمطالب، ولكنه أيضا يطرح شعارات تنادي لتنظيم الجماهير- مثلا قررنا من أهداف النضال زيادة الأجور- ثم دعونا إلى طريقة صلبة لتطوير النضال: الإضراب العام.

رغم هذا قمنا أيضا بحوار حول سبل تنظيم هذا النضال: إجتماعات جماهيرية في كل مصنع وانتخاب الوفود وحدود الإضراب.. الخ. مسألة التنظيم في غاية الصعوبة والتعقيد لأنها في ذاتها تشتمل على تناقض يكون حادا في بعض الأوقات. كل تنظيم وبناء هو في الأصل محافظ لأنه يميل إلى منع ما هو متحقق من التلاشي والتدمير.

في ذات الوقت فإن الطبقة العاملة بنت وتحتاج إلى تنظيمات ثورية لمواجهة البرجوازية وهزيمتها- ما يعني تدمير النظام الرأسمالي.

عمال الأرجنتين مثلا قاموا ببناء نقابات كبيرة وقوية- خلال بضعة سنوات حقق العمال هدف حماية معايير العمال المعيشية حتى جعلت الأزمة الإقتصادية الأمر مستحيلا خلال هذا العقد الأخير. ولكن تلك المنظمات لعبت ومازالت تلعب دورا محافظا هائلا فيما يتعلق بالعمال الأرجنتينيين وهو ما حدا باليمين -البيروقراطية البيرونية- إلى إيصالهم بتلك الطريقة لمنع بزوغ قيادة ثورية للعمال أو أية مساحة لحزب عمال ثوري.

إن مسألة التنظيم بسبب هذا التناقض تحديدا مسألة في غاية الصعوبة- إذا كان هنالك حزب ثوري على وشك أن يشكل قيادة لحركة الجماهير فإن السؤال التالي يفرض نفسه: ما هي العلاقات العضوية التي سيتم تأسيسها بين الحزب والجماهير؟.

السوفييتات هي منظمة حراك الجماهير التي تحكم عبر سياسات قد تكون جيدة أو سيئة. السياسات في غاية الأهمية. رغم هذا فإنه بدون السوفييتات لن تكون هناك إمكانية للاستيلاء على السلطة والحكم. من جهة أخرى هناك الحزب الذي يشكل العضوية العامة لهذا الجيش الذي يجمع جنبا إلى جنب الطلائع الأكثر نضالا ووعيا طبقيا. هذا يفرض السؤال ثانية: وفق أية بنية تنظيمية ينبغي على الحزب أن يعمل ليتمكن من القيادة ومن امتلاك علاقة قوية متنامية مع السوفييتات والجماهير التي تشارك بها؟.

القضية الأولى حول تنظيم الجماهير أبسط من الثانية- لا يمكن للحزب أن يخلق أو يفرض أطراً تنظيمية على الجماهير.. بل على العكس الجماهير هم من يخلقها. على الحزب أن يكون مستعدا لتحديد الأعراض الأولى والتحاور بشأنها من أجل تعميمها. فقط في حال عدم ظهورها على الحزب أن يقوم -مترويا- بنصح الجماهير بأطر تنظيمية مناسباتية تبعا للوضع الراهن والتجربة التاريخية. لهذا قمنا بإطلاق شعارات تقترح هيئات تعاون عمالية عام 1975 إستنادا إلى التجربة التاريخية (شبكة العمال) التي عقدت قبل 20 سنة.

مثال آخر هو موقفنا من تشكيل الميليشيات العمالية بقيادة العمال البوليفيين، متخندقين معا إلى جانب الفلاحين من أجل الاستيلاء على السلطة ومستندين إلى قواعد دروس ثورة 1952.

مسألة تنظيم الحزب في المقابل رهن أيدينا. الجماهير يمكنها فعل المعجزات وإبداء بطولة رائعة وصياغة تنظيمات ثورية للاستيلاء على السلطة. إذا لم نقم بوضع إطارنا التنظيمي بشكل مناسب بهذه الطريقة التي تتيح لنا بناء عضوية عامة لهذه النضالات والمنظمات- ودون أن نكون قادرين على التنظيم والبناء بدعم منيع لسياساتنا وبرنامجنا بين الجماهير فإننا سنفشل بل وستفشل الثورة. دعنا ننظر إلى النضال البوليفي:

نضال ثوري زاخر بالتنظيمات الجماهيرية للاستيلاء على السلطة وكذلك بالبرامج.. ولكن لا يوجد هنالك حزب كبنية عضوية متجذرة بعمق بين الجماهير الثورية. هذه هي المسألة الحاسمة- مسألة حياة أو موت ينبغي تناولها. الشيء ذاته حدث في الأرجنتين.. حتى أن الأمر بدأ بافتراض وجود حزب بشكل أفضل وإيقاع ثوري أبطأ.

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : نهويل مورينو

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.