أنطونيو غرامشي

0 82

هناك العديد من المثقفين الإيطاليين الذين قاموا بأدوار مهمة في التاريخ الثقافي والسياسي الأوروبي، والذين قضوا شطرًا كبيرًا من حياتهم في السجن أو في المنفى وكتبوا خلال ذلك أهم أعمالهم. وكلما كانت درجة تفكيرهم ونضالهم على الساحة قوية ونافذة ومؤثرة في تربية وتنمية الوعي الثقافي والتربوي لشعوبهم، كلما زادت حدة خنق أصواتهم وتشويه رسالتهم.


مثل الفيلسوف الإيطالي توماسو كامبنيلا Tommaso Campanella (1568-1638) الذي قضى سبعة وعشرين عامًا في السجن كتب خلالها أول يوتوبيا إيطالية (مدينة الشمس)، وكذلك أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) الذي كتب داخل السجن أهم النصوص حول المهام السياسية والتربوية للمثقفين، لقد كتب بخط يده ما يناهز 2884 صفحة من المسودات المعروفة اليوم باسم دفاتر السجن، والتي كان الغرض الأول من كتابتها هو تقديم تحليل نقدي لتاريخ المثقفين الإيطاليين… فالتربية والتعليم هو مجال تمتزج فيه حتما النظرية والتطبيق، الثقافة والسياسة، وحيث يختلط فيه البحث الفكري ونتائجه مع العمل الاجتماعي والسياسي. ومع ذلك، فليس نادرًا أن يكون هناك تمايز، إن لم نقل معارضة بين هذين الجانبين من التعليم والاستخدام الإيديولوجي للثقافة والعلوم… 

ولرسم بورتريه لغرامشي “المربي” لا يجب الاعتماد فقط على تلك الصفحات القليلة التي كتبها حول المدرسة والتعليم بالمعنى التقليدي، بل علينا أن نفترض بأن هدف وجوهر كتاباته في عمقها وبشكل كبير لها قيمة تعليمية.

لقد تزامنت طفولة وشباب غرامشي مع نهضة صناعية واقتصادية في بلده إيطاليا، ورغم خصوصية المجتمع الإيطالي (التمايز الملحوظ بين الشمال والجنوب، وتنوع المناطق واللهجات والتقاليد والخضوع الطويل الأمد لقوى أجنبية مختلفة، وأخيرًا – وهذا ليس أقل أهمية – هيمنة الكنيسة الكاثوليكية المتمركزة في روما)؛ بذلت جهود كبيرة في بداية القرن العشرين من قبل القوى المالية والصناعية للعمل على “تحديث” هذا المجتمع وفقًا لنموذج دول أوروبا الوسطى؛ مستلهمة الرؤية “الوضعية” للعلوم والتكنولوجيا والتعليم، وقد نشأ تحول تدريجي ومتوازي في ظل حكومات جيوفاني جوليتي ( GiovanniGiolittiسياسي إيطالي تولى رئاسة الوزارة في إيطاليا خمس مرات) مع إرساء نهج الإدارة العلمية  التايلورية في مجال الإنتاج الصناعي (=Le taylorisme نسبة إلى المهندس الأمريكي فرديريك تايلور ) والتنظيم العلمي للثقافة والتعليم.

فقبل الحرب العالمية الأولى تمتعت إيطاليا بفترة قصيرة بمظهر من مظاهر السلم الاجتماعي فرضته القوى الرجعية، تبرر به الاستسلام للغزو الكولونيالي، وقد كان ثمن ذلك هو نزيف حاد من الهجرة الكثيفة من الجنوب الإيطالي في اتجاه أمريكا وأستراليا…     

التكوين السياسي

ولد غرامشي في سردينيا (Sardegna) واحدة من أفقر المناطق في إيطاليا، وهي كما هو الحال في جميع الجزر، احتفظت بهويتها الثقافية باعتزاز قوي، فلها لغتها وتاريخها وثقافتها الخاصة بها مختلفة أيما اختلاف مع لغة بييمونتي (Piémontais) الذين حكموا مملكة سردينيا من تورينو شمال البر الرئيسي لإيطاليا.

ففي تورينو تابع غرامشي دراسته العليا، والتي انقطع عنها مضطرًا؛ بسبب عوزه المالي ومشاكله الصحية المزمنة، لقد كانت تورينو في تلك الفترة مركز التصنيع في إيطاليا كلها، والمكان الذي بدأت فيه الطبقة العاملة في تنظيم نفسها.

بدأ تدرج غرامشي في الحياة السياسة والعمل التربوي خلال الحرب العالمية الأولى، بحيث كان يحضر بصفته صحفيًا وناقدًا مسرحيًا الاجتماعات المسائية التي كان يعقدها الاتحاد العام لنقابات العمال والحزب الاشتراكي؛ بعد الحرب أنشأ في تورينو قلب الاشتراكية (تورينو الحمراء) مجلتين “النظام الجديد – Ordine Nuovo” و”الوحدة – Unità, ” أخذتا على عاتقهما مهمة تنوير وتعليم الطبقة العاملة الجديدة التي خلقتها الصناعة وظروف الحرب.

قبل سنوات قليلة من الحرب، تم تهميش البحث العلمي حول التربية في إيطاليا وسد آفاق تطويره؛ بسبب هيمنة الفلاسفة المثاليين الذين اعتبروا هذا المجال مجرد فرع للفلسفة أو من الأخلاق وحتى من الدين.

في سنة 1923، قام جيوفاني جنتيلي Giovanni Gentile وزير التربية والتعليم في الحكومة الفاشية الجديدة بإصلاح النظام التعليمي الإيطالي بأكمله، وذلك بعمله على إبراز الفصل الإيديولوجي بين التدريب التقني والمهني العملي والتدريب الثقافي والعلمي… كانت مقاربة غرامشي تجاه هذه القضايا مختلفة لأنه تفادى الوقوع في الغطرسة الوضعية التي ادعت أنها ستحل كل المشاكل والقضايا الإنسانية بواسطة العلم والتكنولوجيا، ولا في الوهم المثالي “استقلال الحياة الفكرية والثقافية عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية”؛ بل إنه ربط بين تنظيم العمل والثقافة “الثقافة المهنية” الجديدة والإعداد التقني الذي يحتاجه العمال (من العامل المؤهل إلى المدير) لإتقانه والتحكم فيه وتوجيه التطور الصناعي، وأيضًا المجتمع الذي ينشأ فيه هذا التطور لا محالة.

ابتداء من سنة 1917، بعد أن خرجت جميع البلدان من إحدى أكثر الحروب الأوروبية دموية؛ جذبت الثورة السوفياتية انتباه الحركات العمالية أكثر من المشاكل الداخلية. ففي إيطاليا كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى، عرف الحزب الاشتراكي انقسامًا ليس فقط بين الإصلاحيين والشيوعيين، ولكن أيضًا بين الإصلاحيين والوطنيين، هؤلاء سينتظمون قريبًا كتيار شعبوي داخل الحزب الفاشي، كما سيتشكل في ألمانيا بعد سنوات قليلة الحزب النازي أو حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني.

أما في سنة 1922، فقد وضع النظام الفاشي نقطة نهاية لكل نضال من أجل إرساء الديمقراطية في البلاد، وحل المعضلات الاقتصادية ولضمان تنمية اجتماعية وثقافية وتعليمية للجماهير: ففي نوفمبر 1926 أصدرت حكومة موسوليني “مرسومًا خاصًا” يقضي بحل البرلمان الإيطالي وكل التنظيمات المعارضة القائمة وحظر منشوراتها، وأثناء الاعتقالات الجماعية التي جرت في أعقاب ذلك، تم حبس أنطونيو غرامشي.

كان آنذاك يبلغ من العمر 35 سنة، وهو نائب برلماني، وأمين عام للحزب الشيوعي الإيطالي منذ سنة 1924؛ وأثناء محاكمته عام 1928، اختتم المدعي العام مرافعته بهذه الجملة: “يجب أن نمنع هذا الدماغ من العمل لمدة عشرين سنة”. لقد كان النظام الفاشي يدرك جيدًا بأن المعارضة التي تهدده أكثر ليست هي فقط تلك التي تتجسد في العمل السياسي التقليدي (التنظيمات) أو من تلك المعارضة الفكرية، بل هي تلك التي تمثل تحديًا يجمع بين هذين العنصرين معًا.. لم يتوقف دماغ غرامشي عن العمل وهو داخل السجن، فقبل إلقاء القبض عليه بوقت قصير قام بالدراسة والبحث أفضى إلى ما هو عليه اليوم، إلى التحليل الأكثر أهمية “الهيمنة” والذي يربط بين السياسة والتربية..

ففي رسالة إلى تاتيانا شقيقة زوجته بتاريخ 19 مارس 1927 صرح لها بأنه لديه خطة كتاب، والتي ستجعله منشغلًا أكثر. كان في البداية يريد كتابة تاريخ المثقفين الإيطاليين، ثم القيام بدراسة حول اللغة في مسرح بيرانديلو Pirandello وفي الرواية المتسلسلة والذوق الأدبي الشعبي.. وقد عرَّف غرامشي تاريخ المثقفين بأنه عملية تشكيل وتأهيل للعقل العام.

كما تناول “الروح الإبداعية الشعبية” ويعني بها الكيفية التي تتطور بها وتنتقل “هيمنة” هذه المجموعة الاجتماعية، انطلاقًا من روحها ومعتقداتها إلى قيادة تنظيماتها وتعبيراتها السياسية.

وبالفعل، ففي رسالة أخرى إلى تاتيانا يقول: “التفكير غير المهتم أو غير المكترث، يعني الدراسة من أجل الدراسة هو أمر صعب بالنسبة لي، فأنا لا أحب أن ألقى الحجارة هكذا في الظلام، أريد أن أرى محاورًا أو خصمًا ملموسًا…” وتحدث عن الطبيعة السجالية في تكوينه الثقافي… وقد توفي غرامشي سنة 1937 دون أن يتمكن من إنهاء مشروعه الفكري، وقد تمكنت شقيقة زوجته تاتيانا من إنقاذ 33 دفترًا من الدفاتر التي كتبها في السجن، وتم تهريبها خارج إيطاليا، لقد كان غرامشي قبل اعتقاله يكتب كثيرًا، لكن الدفاتر التي كتبها داخل السجن هي التي استأثرت باهتمام الأجيال اللاحقة ووضعته في مصاف المفكرين والمربين الإيطاليين الكبار.      

غرامشي الرمز

فالطبعة الأولى من كتابات السجن، والتي نشرت في ستة مجلدات، لم تظهر إلا بعد سقوط النظام الفاشي ونهاية الحرب العالمية الثانية ما بين عامي 1947 و1951 تحت إشراف الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي (Palmiro Togliatti)؛ وقد كان المجلد الأول عبارة عن مجموعة من رسائل السجن المختارة، والذي حصل على جائزة (Viareggio) وهي من أكثر الجوائز الأدبية الإيطالية رصانة وشهرة.

في عام 1947 تولى قيادة البلاد تحالف الحزب الشيوعي والديمقراطيون المسيحيون وهما من أكبر التنظيمات السياسية وأكثرها شعبية، والذين ساهموا في دحر وهزيمة نظام موسوليني الفاشي وأصبح أنطونيو غرامشي رمزًا لضحايا العهد الفاشي وعنوانًا للمقاومة؛ وكان أيضًا في تلك الفترة نوع من الاحتفاء بغرامشي المتعدد: السياسي والفيلسوف والمؤرخ والناقد الأدبي والمربي، وقد تم تجميع الكتابات العديدة الواردة في المجلدات وترتيبها وفقًا لموضوعاتها المختلفة: أولًا الفلسفة وخاصة الماركسية، ثانيًا الثقافة مع قسم منفصل يتناول المثقفين، ثم التاريخ والسياسة والأدب الإيطالي، وأخيرًا الملاحظات التي دونها وتناولت مختلف القضايا والمواضيع.

هذه الصورة المتعددة لغرامشي تم تفسيرها بالظروف الخاصة التي كتب وترك فيها ملاحظاته؛ إن عمله غير المكتمل وطريقته الشذرية المجزأة نوعًا ما في كتابته والغموض الذي ساد أجواء الفترة العصيبة التي عاشها، كل هذا شجع ناشرو أعماله على العمل على إضفاء نوع من التماسك والوحدة لقراءة أفضل.

في سنة 1975 فقط، وبعد التغييرات العميقة في الأوساط السياسية والثقافية الإيطالية ظهرت نسخة نقدية من دفاتر السجن مع إصدار نص غرامشي بالكامل بالصيغة التي كتب بها؛ هذا يعني إخراجها وترتيبها حسب زمن الكتابة… ولقد أظهرت دراسة فلسفية مقارنة للطبعتين في احتمال وجود صورتين لغرامشي مختلفتين تمامًا، الإخراج الوفي لنصوصه هو أقل تجزيئيًا بكثير مما كنا نظن، وحدة عميقة للنص تتجلى في الموضوعة التي تناولها باستفاضة وبأمثلة من مختلف المجالات وهذه الموضوعة هي: وظيفة المثقف داخل المجتمعات وأدواره في التعليم والسياسة؛ فالأهم عنده وهو ما لم يكن من قبل، أن القوة المهيمنة في الثقافة سواء كانت محافظة أو تقدمية هي ليست على استعداد أن تكون هي نفسها “موضوعًا” للمعرفة من أجل ذاتها والسماح لأي كان بالكشف عن جذورها المادية والسياسية.

أتيليو موناستا (أستاذ في جامعة فلورنسا)

المراجعة الفصلية للتعليم المقارن – العدد 3-4

ترجمة: عبد الكريم وشاشا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.