التطورات الجيوسياسية في آسيا – الصين وروسيا والهند واليابان – الجزء الأول

0 551

التطورات الجيوسياسية في آسيا – الصين وروسيا والهند واليابان 

الجزء الأول

 

تشهد القارة الآسيوية نهوضاً لعدد من الأمم الكبيرة، يترافق مع مشاريع اقتصادية وجيوسياسية لكل منها، في محيطها المباشر وعلى مساحة القارة، ويمتد ليشمل التفاعل مع أوروبا وأفريقيا.

الصين ومشروع الطريق والحزام

شهدت الصين في العقود الأخيرة تطورات كبيرة في مجالات الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والزراعة، جعلت منها ثاني اكبر اقتصاد في العالم، بعد أن تجاوز دخلها القومي الدخل القومي في الهند واليابان ودول أوروبا. وأطلق الرئيس الحالي جين بينغ شي مشروعه الاستراتيجي الطموح: طريق وحزام الحرير، الذي يشمل أكثر من 67 دولة في آسيا وأوروبا وافريقيا. ورصدت له اكثر من تريليون دولار للاستثمار في البنى التحتية لهذه الدول.

ومن المعروف أن أهم طرق التجارة الدولية هي التي تمتد من شرق آسيا (الصين وجوارها) الى غرب أوروبا. وقد كان معظم هذه التجارة يمر عبر قناة السويس والبحر المتوسط. لكن التطورات التي حصلت في تكنولوجيا النقل البري والبحري أفسحت المجال لفتح طرق بديلة، في البر عبر منشوريا وسيبيريا (روسيا) الى أوروبا، أو عبر غرب الصين وآسيا الوسطى وروسيا، أو عبر غرب آسيا، وفي البحر من خلال خط بحري عبر القطب الشمالي الى غرب روسيا وشمال أوروبا.

روسيا والتكتل الأوراسي

وشهدت روسيا في العقدين الأخيرين نهوضاً اقتصادياً وعسكرياً كبيراً، تخلله التدخل الروسي في جورجيا وأوكرانيا وضم جزيرة القرم، والنفوذ الاستراتيجي الأمني في آسيا الوسطى ومحيط بحر قزوين، وتوج بالتدخل الروسي في سورية.

وقد شكلت روسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ما عرف بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي هو منطقة تجارة حرة تضم أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا. ويشكل هذا الاتحاد فعلاً جسرًا بريًا بين حدود الاتحاد الأوروبي والصين.

التقارب الروسي الصيني

لطالما كانت العلاقات الروسية الصينية قريبة من التنسيق البارد في السياسات والاقتصاد. لكن الطموحات المتنامية لكل منهما، والدور الأميركي الذي ينظر بعين الريبة الى نمو كل منهما، دفعهما الى المزيد من التنسيق، الى حد إعلان الرئيسين بوتين وشي خلال زيارة شي الى روسيا منذ أسابيع، عن دمج مشروع الطريق والحزام مع مشروع الاتحاد الاوراسي، وتكاملهما. وكان قد سبق ذلك تصاعداً في التنسيق في السياسات والتعاون الاقتصادي، تمثل بالتنسيق حول الحرب السورية والفيتويات المشتركة في مجلس الامن، وفي تحالفات اقتصادية مثل البريكس ومنتدى شنغهاي الاقتصادي، الذي اقر عدداً من الاستراتيجيات المهمة، مثل التبادل المالي المباشر دون المرور بالدولار الأميركي، وتشكيل مصرف تنموي دولي بديل عن البنك الدولي والمؤسسات التي تسيطر عليها اميركا. وقد شكلت قوة روسيا العسكرية وقوة الصين الاقتصادية، وعدد السكان المتناقص في روسيا والمتزايد في الصين، والمجالات الاستراتيجية المشتركة في وسط وغرب آسيا، والربط اللوجستي بين شرق آسيا بأوروبا، والسياسات الأميركية التي ترتكز الى عقوبات اقتصادية تصل الى حد الحرب، حوافز إضافية لتمتين هذا التعاون.

الهند واليابان وايران

سعت الهند الى اعتماد سياسة وسطية بين القوى الآسيوية الصاعدة وبين اميركا. فاشتركت في البريكس وفي منتدى شانغهاي الاقتصادي، ليس على قاعدة العداء لأميركا، كالصين وروسيا، لكن على قاعدة النهوض الاقتصادي وضرورة التعامل مع الأمم المجاورة ورسم مناطق نفوذ خاصة بها. لكن الواقع الجيوسياسي، وتخوفها من توسع الصين وخاصة مشروع الطريق والحزام، الى ابتداع مشاريع أخرى مشابهة، تثبت دورها في الفضاء الآسيوي ومحيطه الأوروبي والافريقي. فعززت علاقاتها ودورها في دول جنوب غرب الصين، مثل ميانمار وفيتنام وكمبوديا، ودرست كيفية دخولها المباشر الى دول وسط آسيا، وروسيا. لكن وجود الجارة اللدودة باكستان كان يشكل عائقاً أمامها في هذا الاتجاه، خاصة بعد التعاون الاستراتيجي بين باكستان والصين، واعتماد الأخيرة على باكستان للوصول الى المحيط الهندي وبحر العرب، ولتجاوز المرور في بحر الصين ومضائق اندونيسيا والفيليبين وماليزيا، حيث السيطرة البحرية الأميركية. فكان لا بد للهند من التعاون مع ايران وروسيا. فطرحت مشروع الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يبدأ في مومباي ويمر عبر مرفأ تشابهار في جنوب ايران، الذي استثمرت فيه الهند بشكل كبير، ثم من هناك شمالاً غرب بحر قزوين، وعبره، الى روسيا. كما استثمرت في خط سككي سريع من شاباهار الى شرق وشمال شرق ايران، ومنها الى كابول ودول آسيا الوسطى. وقد شاركت اليابان ايضاً في الاستثمار في هذا الممر، كما أعرب رئيس وزراء اليابان في زيارته الأخيرة الى ايران، عن رغبة المستثمرين اليابانيين بتوسيع استثماراتهم في ايران، خاصة في مرفأ تشابهار والمنطقة الحرة المجاورة له، وفي خطوط النقل، ومجال الطاقة، برغم الحصار الأميركي.

كما أعلنت الهند واليابان، خلال مؤتمر بنك التنمية الافريقي عام 2017، عن مشروع كوريدور التنمية الآسيوي الأفريقي، الذي يضم الى اليابان والهند، دولاً في آسيا مثل ايران، سريلانكا، تايلاند وماليزيا وميانمار وفيتنام وكمبوديا، ودولاً في شرق افريقيا مثل تانزانيا وكينيا وزامبيا وزيمبابوي ومدغشقر. ويحظى مشروعي الممر الجنوبي الشمالي والكوريدور الآسيوي الافريقي على رضى أميركي، نتيجة العلاقات المميزة بين اميركا واليابان والهند. وكان المقصود من اطلاق هذه المشاريع أن تكون بديلاً تنموياً أو منافساً رئيسياً لمشاريع التوسع الصينية. لكن عدة عوامل تؤدي مع الوقت الى التحول من المنافسة والتناقض الى التنسيق والتعاون. ومن أهم هذه العوامل: تطرف السياسات الأميركية تحت إدارة ترامب وحربها الاقتصادية مع الصين وعقوباتها المتشددة ضد ايران وروسيا، ومرونة الانفتاح الصيني على المحيط الآسيوي، والجهود الروسية لتقريب وجهات النظر بين الصين من جهة والهند واليابان من جهة أخرى، كون روسيا هي شريك أساسي في مشاريع الطرفين، وسد احتياجات اليابان والهند من الطاقة، والتي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز الإيراني، مما يجعل مقاطعة ايران والالتزام بالحصار الأميركي يعني الاضرار بمصالح هذه الدول.

فيما تبقى كوريا الجنوبية في الحضن الأميركي حتى اشعار آخر، برغم إفادتها الاقتصادية من الصين. وتجد الصين وأميركا أن الوحدة بين الكوريتين ستخلق توازناً في السياسات تحرر كوريا الشمالية من الحضن الصيني، وكوريا الجنوبية من الحضن الأميركي، وتؤسس لأمة ناهضة وقوية. لذلك فهذه مسألة مؤجلة حتى اشعار آخر.

بقلم : د.ميلاد السبعلي

 


قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.