التطورات الجيوسياسية في آسيا –  دول وسط آسيا والعالم العربي – الجزء الثاني

0 492

التطورات الجيوسياسية في آسيا –  دول وسط آسيا والعالم العربي

الجزء الثاني 

 

دول وسط آسيا

إن الموقع الاستراتيجي لدول وسط آسيا الخمسة (كازاخستان، تركمانستان، طاجاكستان، كيرغستان، أوزبكستان)، وهي تغطي موقعاً جغرافياً في قلب آسيا، على مساحة 4 مليون كيلومتر مربع بين روسيا والصين وايران وافغانستان وبحر قزوين، يشكل عقدة مواصلات أساسية ومساحة استراتيجية أمنية مهمة. كما تمتلك هذه الدول العديد من الموارد، بما في ذلك النفط والغاز. من هنا كان اهتمام الدول المحيطة بها، حيث كان من الممكن أن يؤدي ذلك الى صراعات كبيرة لولا التفاهمات التي حصلت في العقود الأخيرة بعد استقلالها عن الاتحاد السوفياتي.

فالروسي تهمّه مسألة الامن والاستراتيجية العسكرية، خاصة وأن هذه الدول كانت تاريخياً جزءاً من الاتحاد السوفياتي، واثنين منها حالياً هي أعضاء في الاتحاد الاوراسي. والصيني تهمه الاستثمارات في البنى التحتية وفتح أقنية طريق الحرير وتنمية الدول التي يمر بها وصولا الى فتح طريق تصدير انتاجه الى آسيا وأوروبا. والإيراني يهمه تأمين طرق تصدير انتاجه من الطاقة شرقاً الى الصين، وتأمين حسن الجيرة والأسواق المحلية المتاخمة له. والهندي يريد الدخول من خلال المساعدات والتنمية الاقتصادية وتعزيز الديمقراطية على النمط الهندي، ولكسب جزء من السوق، وضمان عدم امتداد الحركات المتطرفة الإرهابية الى هذه الدول المسلمة، خاصة وأنه يجاور باكستان وأفغانستان ويعتبرهما مصدر خطر عليه من حيث تصدير الارهاب. وقد اختارت الهند أن تكون طريق وصولها الى هذه المنطقة، وامداداتها اللوجستية، عبر إيران، من خلال ربط مرفأي مومباي الهندي وتشابهار الإيراني، ومن خلال تمويل خطوط سكك ونقل من تشابهار الى وسط اسيا. وهناك طرف إقليمي آخر يحاول دخول هذه المنطقة، هو تركيا، التي ترتبط مع هذه الدول، التي تسمى تركمانية، برابط الدين والعرق والثقافة.

وليس بعيداً عن هذه المنطقة، تدخل اميركا وأوروبا واليابان. فبرغم كثرة اللاعبين من البر الآسيوي، تعرف أوروبا أن ملاقاة مشروع الطريق الصيني من خلال التمدد الى أسيا وكسب بعض النفوذ في دولها هي مسألة استراتيجية لها. لذلك بدأت بجورجيا على البحر الأسود، والتي تعادي روسيا، فاستثمرت في مرفأ عميق هناك في مدينة أناكليا، مصمم ليكون عقدة تجارة أساسية على طريق الحرير الصيني، وذلك لتفادي المرور شمالاً بروسيا، وجنوباً بالشرق الأوسط او تركيا. ومن خلال جورجيا، تستطيع عقد اتفاقيات مع وسط آسيا، مما يجعل البضائع الأوروبية تصل الى حدود الصين دون جمارك او ضرائب. كما يتكامل دور جورجيا مع دور أوكرانيا في تأمين طرق الربط بين الصين واوروبا من خلال دول تدور سياسياً واستراتيجياً في الفلك الغربي.

وأميركا حاولت سابقاً ان تتواجد في أفغانستان، وتحاول اليوم بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، تسويق فكرة اتحاد وسط آسيا، مع وعود كبيرة بالتنمية والربط مع أوروبا والمحيط الأطلسي، كمحاولة لتقليص النفوذ الروسي وتعطيل خطط التوسع الصينية.

أما اليابان، فإنها ملتزمة بتحالفها مع الهند في مقاربة الموضوع. وبالتالي مضطرة للتعاون مع ايران، وإن كان ذلك يتناقض مع صداقة الهند وتحالف اليابان مع اميركا. وكان من الممكن للطموحات الغربية أن تتكامل مع مشاريع الهند واليابان وايران، لكسب موطئ قدم في جنوب ووسط وشرق آسيا في ظل هذا النمو المتسارع للأمم الآسيوية الكبيرة، مستفيدة من بعض الحساسيات بين كل من اليابان والهند مع الصين. لكن الواقع الجيوسياسي والاستراتيجي والاقتصادي من جهة، وصلف الإدارة الأميركية في التعامل مع ايران وروسيا والصين من جهة ثانية، تدفع بالهند واليابان يوماً بعد يوم، كي تختار بين التحالف مع اميركا او مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية في الفضاء الأوراسي الناشئ.

العالم العربي

كان من الممكن للعالم العربي، الممتد من غرب آسيا الى شمال افريقيا، ويشاطئ أوروبا على البحر المتوسط، أن يكون له دور محوري استراتيجي في هذه المرحلة، في ظل مشاريع النهوض الآسيوية وما يرافقها من تقارب مطلوب بين شرق وغرب آسيا من جهة، وبين آسيا وكل من أوروبا وأفريقيا من جهة أخرى. غير أن زرع إسرائيل في داخله، والمشاكل الداخلية في دوله وبينها، وغياب الاستراتيجية القومية الصحيحة التي تبني وحدة كل من بيئاته الأربعة وتشكل من هذه الوحدات جبهة منيعة موحدة، عطلت دوره وهمشته.

ومن الواضح هنا أن التأثير الأميركي الغربي متجذر في العالم العربي أكثر من دول وسط آسيا، مع أن موقعه وموارده لا تقل أهمية استراتيجية عن وسط آسيا. لكن بعد العالم العربي عن الصين وروسيا والهند أكثر من وسط آسيا، والنفوذ الأميركي التاريخي الذي ورث النفوذ الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، ووجود دولة الاحتلال وتطوير علاقاتها مع الوقت مع كل من هذه الدول الثلاثة، لأسباب عسكرية او تكنولوجية او اقتصادية، أدى الى تأجيل الاهتمام الآسيوي في هذه المنطقة.

كما أن دول هذه المنطقة، بمعظمها، هي دول لا تمتلك رؤية استراتيجية لدورها في هذا العالم الناشئ، وما زالت نائمة على حرير الأدوار السابقة الموروثة من عصر الحرب الباردة، كمزود للطاقة لكل العالم، وبالتالي فإن العالم مضطر لتأمين أمنها واستقرارها.

لكن أدوار الدول تتغير مع الوقت والزمن وتغير السياسات والمشاريع. فدولة العدو مثلاً، سوق لها في 1907، في بريطانيا، أن تكون قاعدة عسكرية متقدمة لحماية قناة السويس التي تربط بريطانيا بمستعمراتها في شبه الجزيرة الهندية وأستراليا، خوفاً من استفاقة عربية تستعيد القناة وتتحكم بها. لكن هذا الدور تغير بعد الحرب العالمية الثانية، لتتحول في ظل الحرب الباردة الى قاعدة متقدمة للغرب لمواجهة أي وحدة او تمدد للأنظمة العربية العسكرية التي دعمتها أميركا او تخاصمت معها، وحماية مصالح الغرب في تأمين مصادر الطاقة. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وهجرة العلماء الروس بشكل كبير الى فلسطين المحتلة، بدأت معالم دور جديد، له علاقة بالتطور النوعي في اقتصاد المعرفة والصناعات التكنولوجية الحديثة، الى حد أن دولاً كبرى مثل الهند والصين واليابان، إضافة الى اميركا وأوروبا، صارت تعترف بهذا التطور وتسعى الى التعاون معه.

كل هذه التحولات، فيما الكيانات العربية الأخرى، سواء في المشرق العربي أو الخليج أو وادي النيل او المغرب العربي، ما زالت مستكينة الى نفس الأدوار التي ورثتها من أيام الحربين العالمتين وزمن الانتداب. وهذه الأدوار بمعظمها كانت تتوجه الى الغرب للحماية والتنمية والتطوير. والبعض من الأنظمة العسكرية في المنطقة كان يحاول خلق توازن بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة، حتى لا يتم الاستفراد والتحكم به من طرف معين. لكن سقوط الاتحاد السوفياتي ودخول العالم الى عصر التقنيات الحديثة وعولمة الاقتصاد، والصعود التدريجي للقوى الآسيوية، واستعادة نوع من التوازن والتعددية في السياسات الدولية، بقيت غائبة بشكل شبه كامل عن سياسات الدول العربية المستكينة الى أدوار مضى عليها الزمن.

وجاء ما سمي بالربيع العربي كمحاولة لتغيير عدد من الأنظمة العربية وأدوارها، لضمان سيطرة الغرب على هذه المنطقة الاستراتيجية، ومنها الوصول ال تغيير النظام في إيران والوصول الى اسيا الوسطى من خلال “الشرق الأوسط الكبير”. لكن فشل هذا المخطط، وخاصة في سورية، ووقوف روسيا وإيران، ومن خلفها الصين والهند، ولو بنسب متفاوتة، مع الدولة السورية، أدى الى تظهير هذه المخططات الآسيوية الجديدة. وهذا ما جعل تركيا تتراجع عن المشروع الغربي وتعزز علاقاتها مع روسيا وإيران ودول وسط آسيا، وتطرح نفسها كمحور أساسي على طريق الحرير الصيني.

وبذلك سارعت اميركا الى الاكتفاء بتكتل سمي بالناتو العربي، الذي يضم الخليج ومصر والسودان وإسرائيل، يسيطر على حوض البحر الأحمر ويجعل منه كتلة دفاعية تنموية اقتصادية تتحكم بأحد أهم ممرات التجارة البحرية العالمية. وتسعى لضم شمال افريقيا لهذا المحور مع الوقت، بعد حسم مسائل ليبيا والجزائر والمغرب، والى قضم ما يتسنى لها من نفوذ في ما تبقى من دول المشرق العربي.

وبذلك تبقى دول الهلال الخصيب، أو سورية الطبيعية، تتأرجح بين المشاريع، وتتأثر بما سيحصل في فلسطين. فأميركا تخطط لتصفية المسألة الفلسطينية من خلال ما سمي بـ “صفقة القرن”، وتعد المنطقة بعدها بالازدهار والوحدة والنمو، خاصة ما يتبقى من فتات فلسطين، والأردن ولبنان ومصر. فلأميركا نفوذ سياسي ودفاعي واضح في هذه الدول. في المقابل، تحاول أن لا تسلم الشام والعراق بشكل كامل لنفوذ المحاور الشرقية الآسيوية. وتحاول اللعب على التناقضات والتمايز في الأولويات بين دول مثل روسيا وإيران والصين. وتحاول قضم ما أمكن من نفوذ في كيانات لبنان والأردن والعراق وما تسميه صفقة القرن “فلسطين الجديدة”، وتحاول ان تمنع أي حل سياسي في الشام لا يأخذ بعين الاعتبار حصة وازنة لها.

في المقابل، بدأت دول المحاور الشرقية تقتنع ان الدور المطلوب من دول الهلال الخصيب، كأحد فروع الطريق الصيني، ومنفذ لإيران ووسط اسيا على المتوسط، وحجر زاوية في الاستراتيجية الروسية العسكرية، لا يمكن تأديته بالشكل الأمثل دون طغيان الدول الإقليمية المجاورة على أجزائه، الا من خلال وحدة هذه المنطقة، اقتصادياً ودفاعيا واستراتيجيا. وتعتبر وحدة الهلال الخصيب كمكمل ضروري للفضاء الأوراسي الناشئ، يتوازن ويتكامل مع ايران وتركيا من جهة، ويؤمن وصول الغاز الإيراني والقطري عبر ايران والعراق والشام الى المتوسط. فيما تعرض إسرائيل نقل الغاز القطري عبر السعودية والأردن الى أوروبا عبر خط الغاز المقترح من شرق المتوسط الى قبرص واليونان وتركيا.

يبقى أمام كل هذا الواقع، أن نسأل، ماذا تريد دول المنطقة؟ وما هو موقفها من تطورات الفضاء الاوراسي الناشئ، وكيف ترى دورها في المنطقة في المرحلة القادمة؟ وهل ستبقى ساعية الى التوجه غرباً، تستجدي رضى الأميركي والاوروبي؟ أم هناك توجهات لدرس التوجه شرقاً؟ وهل استطاعت أميركا أن تجعل من ايران الفارسية الشيعية، بعبعاً لتخويف العرب وخاصة دول سورية الطبيعية، من التوجه شرقاً بسبب الخلافات التاريخية بين العرب والفرس وبين السنة والشيعة؟ وكم تحتاج دول الشرق، ابتداء من إيران مروراً بروسيا والهند وصولاً الى الصين وربما اليابان، الى وقت كي تستطيع أن تبني قوة ناعمة مؤثرة في المنطقة، تؤسس لبناء ثقة مشرقية بالشرق الآسيوي كمصدر للتنمية والتطور، خاصة في ظل غسل الدماغ الذي مارسه الغرب على مدي قرنين، من خلال مدارس الارساليات والجامعات المرتبطة بالغرب التي انتجت اجيالاً وراء أجيال من المبهورين بالغرب والمسوقين له كجنة تنموية تحررية تصبو اليها الدول النامية وتعتمد عليها؟

 

 

بقلم : د.ميلاد السبعلي 

أضغط لقراءة الجزء الأول 


قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.