ثقافة الاستعمار ما بين المفردات والدلالات

0 14

من تابع، خلال الأيام القليلة الماضية، التغطية الإعلامية الأوروبية التي عقبت الهجوم على كنيسة في مدينة نيس الفرنسية.


لا بد أن لاحظ التجانس بين المحللين والخبراء في انتقائهم لعدد من المفردات كـ”العوامل بيئية” و”المحيط الثقافي” في محاولتهم تفسير ما فعله منفذ الهجوم الذي جذب استنكار واسع في جميع الأوساط، وبشكلٍ خاص بين المثقفين.

لربما يعتقد البعض أن اختيار مصطلح بدلاً من آخر أمر سطحي، ليس ذو تلك الأهمّية، إلّا أن – كما يقول مثل إيطالي شهير – الشيطان يتخفى في التفاصيل؛ هل لمستشرقٍ فرنسيّ، رغم لغته العربية “المكسّرة”، أن يترك اختيار مصطلح على حساب آخر للصدفة، خاصة وهو يخاطب ما يصفها بالنخبة المثقفة عبر إحدى القنوات العربية؟ القاعدة الأولى لعلم المعاني، وهو تشعّب من تشعّبات علم اللسانيّات، تنص على أن لكل مفردة دلالة، فيسمى هذا المجال أيضاً بعلم الدلالة، ودلالات المفردات التي ذكرناها أعلاه ترجعنا إلى ماضٍ قريب، إلى حقبة تاريخية انتهت رسمياً، لكنها ما زالت في الواقع حيّة، ربما أكثر من أي وقتٍ مضى، إنها حقبة الاستعمار وثقافته المترسخة، لا شعوريّا، في غالبية مستشرقي الفضائيات الذين أشرنا إليهم أعلاه.

السجل اللغوي وأسس التحاليل المقدمة تحاول أن تعكس تلك الصورة الشائعة لفرنسا التنويرية والعلمانية، فلا يغامر أحد من أولئك المحللين في الصاق تهمة قاسية بدافع الانفعال العاطفي الذي ساد في الساعات القليلة التي تبعت الحدث، فالأحكام العاطفية لا تعكس صورة فرنسا المتحضرة، بل تضعها على نفس المستوى الدنيء، حسب رأيهم، لأولئك المسلمين الذين ملئوا الشوارع والساحات ليعبروا عن غضبهم واستيائهم لما رأوه تعدٍ على رمزٍ لهم، ليس ديني فحسب، بل ثقافي أيضاً.

أقرأ أيضاً : الأول من تشرين الثاني اليوم العالمي للتضامن مع كوباني

يحاول أولئك المثقفين بناء تحليلهم على نهج قد يبدو شكلياً، فتبدأ محاولتهم إيجاد تفسير عقلاني ومنطقي لدوافع الهجوم ولأسباب إصرار المنفذ على تنفيذ الهجوم بشراسة وعنف، أي ما يطلقون عليه بالـ”مودوس أوبيراندي”. ما يلفت الأنظار هو أن، حسب تحليلهم، قد يعود السبب إلى السمات التي يتحلى بها مجتمع المنفذ، أي للبيئة الثقافية التي نشأ فيها؛ إنها المدرسة الفكرية ذاتها التي تعتقد أن العربي أو القبائلي يقتل بلا تردد ولأسباب تبدو تافهة – في هذه الحالة بسبب رسوم كاريكاتير – وكأن الأمر صفة تتميز بها هذه الفئة العرقية أو الـ”حضارية”، الأمر نفسه ينطبق على محاولة فهم سبب اختيار المنفذ أسلوب أو طريقة تنفيذه للهجوم، لهذا السبب رُدد مصطلح “مودوس أوبيراندي” مراراً وتكراراً على لسان الكثيرين.

 أكثر من ستين عاماً قد مضى منذ أن ترك لنا فرانز فانون وصفاً دقيقاً لآلية القتل عند العرب، حسب رأي الانتليغنسيا الفرنسية خلال حقبة الاستعمار المباشر، ملامح التشابه مع اللغة المتبناة اليوم واضحة وسافرة: «…عرب السهل يؤثرون السكّين، فيتساءل بعض القضاة: تُرى أليس الجزائري في حاجة شديدة إلى رؤية الدم؟ ثم قالوا إن الجزائري محتاج إلى الشعور بحرارة الدم، إلى أن يستحم في دم ضحيته. ويمضي هؤلاء القضاة؛ رجال الشرطة والأطباء يبحثون بحثاً جاداً في العلاقة بين روح الإسلام والدم حتى ليذهب بعض القضاة إلى أن قتل إنسان إنما يعني في نظر الجزائري ذبحه. وتظهر وحشية الجزائري خاصة في إكثار الطعنات، حتى لتراه يطعن القتيل عدة طعنات بعد موته، وهي طعنات لا فائدة منها. ويقرر تشريح الجثث أمراً لا سبيل إلى الشك فيه هو: أن القاتل كأنما أراد أن يقتل عدداً من المرات لا حصر له، لأن جميع الطعنات خطيرة بدرجة واحدة.

التقدم الوحيد في هذا النهج الفكري – إن أمكن نعته بالتقدّم – هو أن تشخيص مصدر هذه السمات – أي الاندفاع الخلقي، عدم القدرة على إدراك الكل، وما إلى ذلك – لا يتم تحديده في خصائص جسدية كـ”عدم وجود لحاء دماغي عند العربي” كما زعم البعض آنذاك، بل في “العامل البيئي”. المعضلة هي أن هذا “العامل البيئي” لدى أولئك المستشرقين لا يشمل تحليل المكانة الاجتماعية-الاقتصادية، بل يُربَط فقط بمفاهيم كـ”المقاييس الأخلاقية” و”المبادئ الثقافية”، بالتالي الدوافع التي تقف خلف “الجريمة” كامنة في البنية التحتية، وليس في البنية الفوقية، ليس في علاقات الإنتاج والاستغلال، بل في حضارة دنيئة لم تنضج كفاية لتستنبط مفاهيم معقدة كحريّة التعبير، حسب منطقهم.

أقرأ أيضاً : الهامات المرفوعة عن انتصار جبهة الشعب المحتوم

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.