جبهة مقاومة عربيّة : حين تجد المستقبل في التاريخ

0 57

في تناول الأطراف السياسيّة الفاعلة في معسكر المقاومة والعديد من المتابعين، يتم طرح ضرورة وجود جبهة مقاومة عربيّة بين الفينة والأخرى، وبقدرٍ من التردّد أو المقاربة الشعاراتيّة العامة والفضفاضة، التي لا ترتبط ببرامج عمل أو تخلق التزامات تنفيذيّة مطلوبة التحقيق.


هذا يمكن تفسيره في ضوء وجود نوع من الارتياح للأطر التنسيقيّة الواسعة وغير الملزمة القائمة بالفعل بين قوى المقاومة، ومخاوف من عدم الجاهزيّة لتجربة وحدويّة على مستوى هياكل المقاومة، ولكن التجربة التاريخيّة لقوى المقاومة في هذه المنطقة تستحضر منطق مختلف.

لم يكن غريب أنّ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين كانت من أوائل القوى وأكثرها إلحاحًا في دعوتها وسعيها لتشكيل جبهة مقاومة عربيّة موحّدة؛ فالذاكرة السياسيّة والتجربة التاريخيّة للجبهة الشعبيّة تدرك إمكانيّة ذلك، إذ لعبت دورًا مركزيًا فيما كان يومًا شبكة للمقاومة العربيّة تضرب أطرافها الأعداء من المحيط للخليج، وتشتبك معهم وتلاحقهم خارج الوطن العربي، تبني خارطة لمعسكر الأعداء ومثلها لمعسكر الأصدقاء، تستفيد من طاقات مئات الآلاف من المستعدين للمساهمة في القتال ضد المشروع الاستعماري، وتوفّر احتياجات أطرافها وأذرعها المختلفة، زورق يمني يقوده مقاتل فلسطيني لضرب هدفٍ أمريكي، يُبحر من خليج عدن أو الصومال ويرسو في ميناء عربي ثالث، هذه كانت خارطة الفعل الثوري.

قواعد الثورة: خطوط وصل لجسد قطعه الاستعمار

زمن المد القومي في الوطن العربي، كان هناك شبكة كبيرة من القواعد التي أنشأتها القوى الثوريّة العربيّة، في العديد من بلدان العالم العربي، لعبت دورًا في تجهيز المقاتلين وتبادل الخبرات والتجارب بين قوى الثورة في العالم العربي، وشكّلت مدارس عسكريّة جادّة أنتجت علمها وفلسفتها القتاليّة الخاصة، وضخّت آلاف من المقاتلين لجسد الثورة الفلسطينيّة والقوى الثوريّة العربيّة، فمن الصحراء المغربيّة للعراق و سوريا مرورًا بلبنان والأردن، وليس انتهاءً باليمن، كانت هذه الشبكة من القواعد تشكّل الملجأ لكل مقاتل، والحاضنة لكل تجربة ثوريّة، ومخازن السلاح والذخائر والمعدات، ونقاط الإمداد وإعادة التعبئة، فلم يكن على المقاتل الثوري أن يُعبر آلاف الأميال تحت رقابة عدوه لينفّذ مهمته، بل الانطلاق من أقرب قاعدة ثوريّة للهدف المُعادي؛ الإصابة والانسحاب.

كمثال يمكّن النظر لعمليّة تدمير ناقلة النفط التابعة للعدو الصهيوني “كورال سي” في العام 1971، حيث هاجمت وحدة بحريّة تابعة للجبهة الشعبيّة ناقلة النفط بعد اجتيازها باب المندب إلى البحر الأحمر، وهي محمّلة بـ65 ألف طن من النفط متجهةً إلى ميناء ايلات؛ انطلقت المجموعة المقاتلة المكوّنة من أربعة عناصر، من قاعدتها من العقبة مستخدمة زورق خاص بهذا الغرض، ونفّذت هجومها بالقذائف الصاروخيّة مُصيبةً هدفها، لتنسحب لميناء صنعاء، رصد الناقلة النفطيّة ساهمت فيه نقاط أخرى في سلسلة قواعد الثورة.

تغيّر في الشكل لا في المضمون: معسكر العدوان واحد

قد يكون هذا حديث عن زمن مختلف وأبعاد مواقف وظروف قتال انحيازات إقليميّة مُغايرة، لكن الثابت الرئيسي أنّ معسكر العدوان على شعوب المنطقة واحد وإن تعدّدت وجوهه، هذا ما تؤكّده المساعي الحاليّة لتشكيل حلف ناتو شرق أوسطي يخدم فيه العرب بجنودهم وجغرافيتهم وأموالهم العدو الصهيوني وحليفه الأمريكي، وبدل قاعدة الثورة في عدن تحل قاعدة العدو في سـقـطرة، وفي مقابل ثوار البولساريو تقيم نظم الرجعيّة العربيّة مداخلاً للعدو الصهيوني في أقصى المغرب العربي.

أقرأ أيضاً : الجبهة الشعبية تنعي المناضل عبد الرحيم ملوح

المصدر : بوابة الهدف

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.