حول رسالة لينين الى شعوب الشرق

0 331

لقد ضرب لينين وحزب البلاشفة (الشيوعيون) في النضال من اجل انتصار ثورة اكتوبر مثالا عظيما على المبادرة التاريخية والجمع الجريء بين المطالب الدمقراطية والاشتراكية والمراعاة الصحيحة لميزان القوى الطبقية وخصائص اللحظة الملموسة ومعرفة اقناع الجماهير من خلال تجربتها الخاصة بضرورة النضال والكفاح والثورة.

والبلاشفة بقيادة لينين طبقوا في مختلف المراحل تكتيكا مرنا ومتنوعا، واستخدموا وسائل النضال السلمية وغير السلمية العلنية والسرية، البرلمانية وغير البرلمانية، مختارين في كل حالة اكثرها فعالية. وحينما نضجت في البلاد الازمة الوطنية العامة واصبح ملايين الكادحين مستعدين فكريا ومعنويا ونفسيا للمعركة الاخيرة والحاسمة قاد الحزب بقيادة لينين بجرأة الى الثورة على الرأسمالية.

لقد كان انتصار ثورة اكتوبر نموذجا كلاسيكيا للتجسيد الخلاق للنظرية الماركسية – اللينينية، حول الثورة الاشتراكية كتبت روزا لوكسمبورغ (منظرة ماركسية وفيلسوفة وخبيرة اقتصادية تحمل الجنسية الالمانية من مواليد 1871 – قتلت بعد الانتفاضة الاسبارتاكوسية في يناير عام 1919):

“ان كل الشرف الثوري والقدرة على الاعمال، اللذين دفنتهما الاشتراكية الدمقراطية في الغرب، قد تجسدا في البلاشفة، فانتفاضة اكتوبر لم تنقذ عمليا قضية الثورة الروسية فحسب، بل وشرف الاشتراكية العالمية”.

تجلت الانسانية الحقيقية والقدرة البناءة العظيمة لثورة اكتوبر في المراسيم الاولى للسلطة السوفييتية التي ثبتت تشريعيا المطالب الجذرية للطبقة العاملة وكل الكادحين والمضطّهدين: “كل السلطة للسوفييت” “السلام للشعوب – مرسوم السلام” “الارض للفلاحين” “المعامل والمصانع للعمال” “الحرية للمضطَهدين” وهكذا، كانت السلطة الشعبية الحقيقية والسلام العادل والتحولات الاجتماعية في مصلحة اناس العمل وجماهير الشعب هي الاهداف التي اعلنت في تلك الوثائق العظمى لثورة اكتوبر الاشتراكية التي قادها البلاشفة بقيادة لينين العظيم.

وكما كتبت تسيتكين في هذا الصدد: “ان الثورة الروسية هي اول محاولة تاريخية عالمية عظيمة لاخراج الماركسية من النظرية الى الممارسة و”صنع التاريخ” بناء على ذلك” (رسائل الى ف. إ. لينين من الخارج، موسكو، 1969 – ص 247). وكما قلت في مقالات سابقة، الفشل لم يكن فشل النظرية بل فشل الممارسة بعد لينين وايضا كما قلت في مقالات سابقة تجربة ومحاولة بناء الاشتراكية قد تفشل مرة، او مرتين بل اكثر ولكن ستنتصر في النهاية، فالطريق الماركسي اللينيني هو الطريق الوحيد الى الحرية والسلام وسعادة الانسان والانسانية.

وفي هذا الاطار يُذكر نص رسالة وجهها لينين الى المسلمين في تاريخ 24 نوفمبر عام 1917 جاء فيها: “يا ايها المسلمون في روسيا وسيبيريا وتركستان والقوقاز.. يا ايها الذين هدم القياصرة مساجدهم وعبث الطغاة بمعتقداتهم وعاداتهم، ان معتقداتكم وعاداتكم ومؤسساتكم القومية والثقافية اصبحت الآن حرة مقدسة، نظموا حياتكم القومية بكامل الحرية، وبدون قيد فهي حق لكم، واعلموا ان الثورة العظيمة وسوفييتات النواب والعمال والجنود والفلاحين تحمي حقوقكم وحقوق جميع شعوب روسيا، وقد تم وضع برنامج ضخم لما يمكن ان يطلق عليه اليوم “التمييز المضاد” سمي بالكورنيزاتسيا، أي احلال السكان المحليين محل المستوطنين الروس. وقد بدأ بطرد المستعمرين الروس والقوزاق والمتحدثين باسمهم من الكنيسة الاورثوذكسية الروسية في تلك المناطق.

توقفت اللغة الروسية عن الهيمنة، وعادت اللغات المحلية الى المدارس والى الحكومة والى المطبوعات وقد تمت ترقية السكان المحليين ليشغلوا مناصب في الدولة وفي الاحزاب الشيوعية المحلية واعطوا اولوية حتى عن الروس في التعيينات. وقد انشأت جامعات لتدريب جيل جديد من القادة غير الروس، ايضا اعيدت الآثار والكتب المقدسة التي نهبتها القيصرية الى المساجد، وقد تم تسليم القرآن الكريم المعروف بقرآن عثمان في احتفال مهيب الى المجلس الاسلامي في بيتروغراد في 25 ديسمبر سنة 1917. وقد اعلن يوم الجمعة يوم الاحتفال الديني بالنسبة للمسلمين، ويوم الاجازة الرسمية في كل آسيا الوسطى.

وفي التقرير الذي قدمه لينين في المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظمات الشيوعية لشعوب الشرق بتاريخ 22 تشرين الثاني عام 1919، “وفي اثر مرحلة استيقاظ الشرق ستحل في الثورة المعاصرة مرحلة اشتراك جميع شعوب الشرق في تقرير مصائر العالم كله، كيلا تكون مجرد وسيلة للإثراء. ان شعوب الشرق تستيقظ لكيما تعمل حقا وفعلا ولكيما يسهم كل شعب في تقرير مصير البشرية بأسرها”.

وما يجري الآن من احداث على الساحة الدولية عامة وفي غرب آسيا خاصة من استيقاظ وتحرر الشعب الايراني من الهيمنة الامبريالية الصهيونية – الوهابية، حيث كان الشعب الايراني ايام حكم ونظام الشاه خاضع لهذا الثالوث الدنس، يعتبر مساهمة ايجابية في دعم حرية الشعب العراقي والسوري والفنزويلي وفي دعم القضية العادلة للشعب الفلسطيني من خلال محور المقاومة، ويساهم ايضا في خلق قطب جديد مكون من الصين وروسيا وايران ومحور المقاومة، مناهض للامبريالية العالمية، والصهيونية العنصرية والرجعية العربية الوهابية طبقة رأس المال الكومبرادوري – الوسيط في العالم العربي – هؤلاء المتولهين بـ “الدبر” اليهودي – الصهيونية. (هذا التعبير مأخوذ عن لينين الذي كتب يقول “ولا يرتفع ضد التمثلية الا صيحات المعجبين بـ “الدبر” اليهودي – د.خ).

وكتب لينين في نفس التقرير يقول “… انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة والمانيا – ان هذه البلدان الاربعة طورت الاحتكارات بنسب هائلة وهي تتلقى ربحا زائدا يبلغ مئات الملايين ان لم يكن المليارات و”تختال على ظهر” المئات والمئات من ملايين الناس في بلدان اخرى، وتتصارع في سبيل اقتسام غنيمة وافرة شديدة الوفر، سمينة شديدة السمنة وسهلة المطال كل السهولة، هنا بالضبط يكمن الجوهر الاقتصادي والسياسي للامبريالية”، وهذا ما يجري في عصرنا الحالي من امريكا اللاتينية الى سوريا وليبيا واليمن والعراق.

وكتب لينين يقول: “ان برجوازية دولة امبريالية “كبيرة” تستطيع اقتصاديا ان ترشو الفئات العليا من عمال”ها” إذ تضحي لهذا الغرض بمئة او مئتي مليون فرنك بالسنة، فمن المحتمل ان يبلغ ربحها الزائد زهاء مليار فرنك، اما مسألة معرفة كيف يتم توزيع هذه الحسنة الصغيرة بين العمال – الوزراء، والعمال – النواب (تذكروا التحليل الممتاز الذي اعطاء انجلز حول هذا المفهوم) والعمال اعضاء لجان الصناعات الحربية والعمال – الموظفين، والعمال المنظمين في اتحادات مهنية ضيقة والمستخدمين الخ.. فانها لم تبق سوى مسألة ثانوية”.

وهذه الخيانات من خلال رشوة التي تقدمها الامبريالية والصهيونية العالمية لبعض رجال السياسة عالميا وخاصة في العالم العربي لأكبر مثال على ما قاله لينين اعلاه يكفي ان نذكر عملاء امريكا واسرائيل والسعودية في العراق وفي سوريا وليبيا ولبنان حيث تجددت المظاهرات بدعم قوى خارجية وعلى رأسها السعودية والتي قد تؤدي الى حرب اهلية جديدة في لبنان، وهنا اذكر العميل الجزار الفاخوري في لبنان، واذكر الخيانة التي ادت الى مقتل السليماني والمهندس في الفترة الاخيرة في العراق، وفضيحة الرشى بالملايين التي كانت تصل لحساب الرئيس السابق للسودان عمر البشري.

وهنا ايضا داخل اسرائيل ويكفي ان نذكر الصهيوني اليميني شلدون ادلسون صاحب جريدة اسرائيل اليوم الداعمة لنتنياهو وداعم جريدة “مكور ريشون” الاكثر تطرفا من نتنياهو، وايضا عشرات لا بل مئات محترفي العمل السياسي الذين يتلقون الدعم من قطر والانظمة الرجعية العربية.

ولكن صمود محور المقاومة وفشل المؤامرة على سوريا وكسر حصار فنزويلا من قبل ايران يعتبر صفعة مدوية ضد الثالوث الدنس – الامبريالي الصهيوني الرجعي الوهابي العربي، وايضا كماركسيين لينينيين نحن على قناعة بانه لا بد وكحتمية تاريخية للجماهير الشعبية في غرب آسيا وامريكا اللاتينية وباقي دول العالم المضطهدة ان تنهض وتنتفض وتثور بوصفها صانعة لحياة جديدة، حرية الانسان والانسانية، ومن اجل ذلك على الاحزاب اليسارية، والاحزاب الشيوعية كما قال لينين: “يجب على العمال الذين لا يريدون ان يخدعوا ان يتحققوا بدقة من كل فرقة صغيرة سواء من حيث جدية افكارها ام من حيث جذورها في الجماهير، عدم تصديق الاقوال، التثبت بأقصى الدقة – ذلك هو شعار الماركسيين العمال” (لينين ضد الانتهازية اليمينية واليسارية وضد التروتسكية ص 296).

والمهمة الأنية لقوى اليسار والتقدم العمل على قيادة الجماهير العريضة، الخاملة وغير المتحفزة الى اقترابها وانتقالها الى الفعل والممارسة السياسية الثورية التقدمية ضد طبقة رأس المال وضد الثالوث الدنس، فكما قال لينين “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية” (لينين ضد الانتهازية اليمينية واليسارية وضد التروتسكية ص 28) وايضا كما قال لينين:

“لا يستطيع القيام بدور مناضل الطليعة الا حزب يسترشد بنظرية الطليعة (نفس المصدر ص 30)، وكتب ايضا وأكد على اهمية الوضوح الفكري، ونبذ جميع النمائم السرية ايا كان مصدرها ورفض المشاحنات الحقيرة، “وان يردوا على هذه المحاولات ردا حازما وان يطالبوا بأمر واحد: بالوضوح الفكري، والآراء الواضحة، والخط المبدئي” (نفس المصدر – ص 134)، وكذلك كتب لينين: “ان الماركسية تعلم ان “النضال ضد الانتهازية” بصورة الامتناع عن استخدام المؤسسات الدمقراطية التي خلقتها البرجوازية وتشوهها البرجوازية في المجتمع المعني، الرأسمالي هو استسلام تام امام الانتهازية” (لينين ضد الجمود العقائدي والانعزالية في الحركة العمالية).

وأسرد هذه المقولة لاقناع كل من لا يشارك ويمتنع عن استخدام المؤسسات البرجوازية رغم تشوهها بانه مخطئ، وكتب ايضا: “ان الوحدة شيء عظيم، ولكن القضية العمالية بحاجة الى وحدة ماركسيين وليس الى وحدة ماركسيين مع خصوم الماركسية ومشوهيها” (نفس المصدر ص 265) وهنا اذكر بعض اقوال لينين:

الثورة تعني تحطيم اصنام الجهل بداخلنا عوضا عن اسقاط تماثيل شاهدة على تاريخنا.
من خان رفيقه فقد خان القضية.
الثائرون هم اقدر الناس على معرفة الظلم.
على اساس هذه المبادئ علينا ان نرص الصفوف ونمارس الحزبية الصارمة كي نناضل بنجاح وإصرار ضد الصهيونية العنصرية والرجعية الوهابية – العربية وضد الهيمنة الامبريالية، من اجل التحرر واحقاق الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني.

مراجع المقالات او الدراسة:
لينين – فئة البرجوازية الصغيرة
فلاديمير إيليتش لينين – “ترجمة حياته موجزة” نقل عن الطبعة الروسية المعدة من قبل معهد الماركسية اللينينية لدى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي (موسكو سنة 1960)
فلاديمير إيليتش لينين صفحات من حياة – تأليف: يوري اكسيوتين سفيتلانا مارتينتشوك
لينين – بصدد ثورة اكتوبر
لينين – في الاممية البروليتارية
لينين – المادية والمذهب النقدي التجريبي
لينين – ضد الانتهازية اليمينية واليسارية وضد التروتسكية
لينين – ضد الجمود العقائدي والانعزالية في الحركة العمالية
لينين – في الايديولوجية والثقافة الاشتراكية

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : خليل اندراوس

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.