دراسة حول تطور اليسار في اوروبا

0 654

ظاهرات اوروبية

بقلم : الرحل إنعام رعد

 

(ننشر هذا المقال الهام حول تطور اليسار في اوروبا، الذي كتبه الأمين انعام في أواخر الثمانينات )

 

نأتي إلى الظاهرة الأوروبية الثانية الأساسية. وهي أنه إذا كانت أوروبا تتجه نحو الاتحاد القاري للموازنة بين ضغط العملاقين السوفياتي والأميركي فإن هذا هو المظهر الفيزيائي المادي لمحاولة تثبيت الاستقلال الأوروبي عن المحورين. أما المظهر الروحي أو الإيديولوجي لهذا الاتجاه ففي الفكر والنظام اللذين يميزان أوروبا عن الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي الأميركي الإمبريالي.

وأول الحقائق أن اوروبا الرأسمالية هي جزء من هذا الغرب الرأسمالي. ولسنا نتكلم عن الأوضاع الراهنة، بل عن التيارات الفكرية والشعبية التي تحاول صياغة أوروبا الغد. وهنا تبدو الاشتراكية المقترنة بالديمقراطية وبعبارة أدق: الديمقراطية، وهي المحور، بمضمونها الاشتراكي، هي الخيار الأوروبي.

وليس هذا الخيار بسيطاً، بل مركباً ومعقداً بالظروف التاريخية والاجتماعية والتحديات المعاصرة. وأول ما يطالعنا في هذا الصدد هو أن نشوء اشتراكية غير شيوعية في أساسها التاريخي والإيديولوجي كان إنتاج أوروبا الشمالية كبريطانيا واسكندنافيا. فالحزب الاشتراكي هناك الذي نشأ من دون أن يستظل مدرسة الفكر الماركسي، كان فعلاً لمرحلة تاريخية طويلة، البديل عن نشوء حزب شيوعي قوي في بريطانيا أو السويد أو النروج أو الدانمارك. يمكن أن نعزو ذلك إلى أن الاشتراكية في الشمال استظلت البراغمية البريطانية بدل الفكر الألماني الجدلي. وارتضت الإصلاحية التطورية بدل الثورية الفرنسية الألمانية التاريخية.

وزاد في أهمية حزب العمل البريطاني أو الأحزاب الاشتراكية الاسكندنافية سهولة وصوله النسبية إلى الحكم وتطبيق برنامجه، ولو جزئياً، في ظل الديمقراطية الليبرالية.. بل في ظل تقاليد التراث القومي والاستمرارية التي جعلت حزب المحافظين، حين يفوز بدروه، لا ينقض التدابير التي اتخذتها “حكومة صاحبة الجلالة العمالية”! وجاء وصول العمال والاشتراكيين إلى الحكم في الشمال الأوروبي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ استطاع حزب العمال البريطاني أن يقبض على عجلة الحرب في الائتلاف مع المحافظين في كل ما يخص شؤون العمل والإنتاج، تاركاً الحربية والبحرية والسياسة للمحافظين، واقتضت ظروف الحزب مزيداً من الضبط الاقتصادي، فمرت العملية بسهولة واقتناع ومن غير جدل طويل. إلا أن ذلك لم يحصل من دون نتائج سلبية. فالاشتراكية البريطانية والاسكندنافية، في ظل هذه العملية السهلة من تسلم الحكم وتركه، تطعمت كثيراً بعادات بورجوازية. كما أنها فقدت البريق حين اكتفت بأنصاف الحلول، فلا هي بدلت المجتمع جذرياً، ولا هي أبقت مؤسساته الاقتصادية على حالها. وكانت أقرب إلى الإصلاحية والانتقائية.

أما القارة الأوروبية فقد اختلفت تجربتها. وأولى ملامح هذه التجربة وجود تيار ماركسي تاريخي فيها. فقد أسس “انغلز” أول حزب ماركسي في أوروبا. ولكن هذه التجربة مرت بمراحل معقدة ومتمايزة. وكان أبرزها تطور هذا الحزب الماركسي الألماني الذي أسسه “انغلز” إلى حد التخلي عن برنامجه الماركسي. ونذكر هنا المشادة الكبرى التي خاض فيها “لينين” حول التحريفية الألمانية. فقد وجد الماركسيون الألمان أن مقولات الحرب الطبقية لم تجر في أوروبا المصنعة على النمط الذي رسمه “المانيفستو” ولا التراث اللاحق، وحاولوا ملاءمة أنفسهم مع الأوضاع القومية المستجدة. وكان أن نشأت ظاهرة الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية. ووصل الأمر إلى المفترق بعد انتصار الثورة “البلشفية” في روسيا. فحصل الانشقاق الكبير بين الجناح الأوروبي الذي اتبع “البلاشفة” وبين “الديمقراطيين الاشتراكيين” فنشأت الأحزاب الشيوعية التابعة للمحور السوفياتي – الستاليني في مرحلة طويلة – والأحزاب الاشتراكية التي أسست الأممية الثانية.

وكانت المرحلة المأساة عندما اعتبر “ستالين”، بأفق ضيق، أن الأحزاب الاشتراكية الأوروبية هي العدو رقم واحد. وأدى هذا الموقف الاستراتيجي إلى خسارة اليسار الألماني أمام النازيين. وكانت مرحلة الثلاثينات والأربعينات هي مرحلة انهزام اليسار الأوروبي وسيطرة اليمين الفاشي إلى حد كبير. فمن إسبانيا إلى البرتغال إلى ألمانيا إلى إيطاليا إلى البلقان، كانت الفاشية هي السيد الحاكم. وأدى فوز الحلفاء إلى تنفس اليسار الصعداء في عدد من البلدان، وأهمها إيطاليا وألمانيا. ولكنه بقي مضطهداً في إسبانيا والبرتغال. وحتى في إيطاليا وألمانيا فقد استمر التناقض بين الشيوعيين والاشتراكيين. وكانت القفزة الثانية عندما عدل الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني برنامجه مرة ثانية بعد الحرب، فتخلى هذه المرة عن اشتراكيته بعد أن تخلى في القرن الماضي عن ماركسيته، وأصبح أقرب إلى الليبرالية مع بعض الضمانات الاجتماعية. ذلك أن ألمانيا الفدرالية أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية أنشط محور رأسمالي في أوروبا، وكادت أن تسيطر باقتصادها على ما حولها. وكان على حزبها الاشتراكي التأقلم مع هذا الوضع المستجد.

أما فرنسا، وبسبب مشاكلها القومية – سواء لجهة ما فرضه عليها عبء تركتها الاستعمارية في أفريقيا، أو لجهة مشاكلها على الصعيد العالمي إزاء الهيمنة الأميركية – فقد اختارت البديل الذي قدمه ديغول: حكماً مستقراً ذا طموح عالمي، وأفق أوروبي، وانفتاح على العالم الثالث، واستقلالية قومية إزاء الهيمنة الأميركية. وهذا الموقف الديغولي الكثير الوهج غيّب بريق اليسار الفرنسي، على الأقل على الصعيد الخارجي.

محنة اليسار الأوروبي في الخمسينات والستينات ازدادت بتفاقم التباعد بين الجسمين الاشتراكيين الدوليين، فالكومنترن الستاليني في الأربعينات كان جسماً رأسه في موسكو وفروعه في أوروبا، والتبعية للنموذج البلشفي كانت معيار الطاعة والأرثوذكسية الشيوعية. أما الأممية الثانية، فكرّ وفرّ على هذه التبعية الموسكوبية. وفي زمن الحرب الباردة في الخمسينات، سوغت لنفسها بالمقابل أن تضم أحزاباً اشتراكية تقبل بالحلف الأطلسي بزعامة أميركا الرأسمالية الإمبريالية، كما قبلت في عداد عضويتها حزباً عنصرياً عدواً لكل القيم الاشتراكية والديمقراطية، والإنسانية عموماً، وهو حزب العمل “الإسرائيلي”، حزب “غولدا مائير” و”اسحق رابين”، وهكذا رتع اليمين في حكم أوروبا وانشق اليسار إلى محورين متقابلين.

وبعد سقوط نظام “سالازار” وموت “فرانكو” انفتحت البرتغال وإسبانيا لحكم اليسار. ولنقل أن سقوط نظام “سالازار” بعد موته في البرتغال كان بفعل حرب التحرير القومية التي اندلعت ضد الاستعمار الاستيطاني البرتغالي في غينيا بيساو والموزمبيق وأنغولا. وكما أسقطت ثورة الجزائر الجمهورية الرابعة في فرنسا، فجاء ديغول على أعتابها، وهكذا أسقطت حرب المستعمرات البرتغالية ديكتاتورية نظام “سالازار” وجاء اليسار.

إلا أن التطور الهام الذي برز على الساحة الأوروبية في السبعينات هو نمو النزعة الاستقلالية عن موسكو لدى الأحزاب الشيوعية الأوروبية. ولم يحصل هذا الأمر بطفرة، بل حصيلة عملية نمو متكاملة. ولقد بدأت المراجعة، والحق يقال من المركز السوفياتي نفسه، في المؤتمر العشرين حين طرحت مقولات استلام الحكم ضمن النضال الديمقراطي البرلماني في بعض البلدان بحيث لم يعد النمط البلشفي الثوري وحده هو النمط الأوحد للأحزاب الشيوعية الأوروبية. وأخذت الأحزاب الشيوعية الأوروبية تطور هذه المقولة لتناسب أوضاعها القومية والتراث الديمقراطي الليبرالي الأوروبي. ذلك أن تنوع المجتمعات والحضارات يفرض تعدد الأساليب والأنماط، وهذا أمر لم يكن مقبولاً من قبل في الكنيسة الشيوعية. وكما أعطت موسكو للماركسية طابعها البلشفي الخاص “فروّستها” لتناسب تحديات بيئتها ومجتمعها القوميين في التصدي للحكم الإقطاعي القيصري بالثورة والنظام الحديدي، كان على أوروبا بالمقابل أن تستعيد الماركسية من موسكو وتنزع عنها بلشفيتها وتعطيها طابعها الأوروبي الديمقراطي لتناسب مجتمعاتها وتراثها القومي، تراث الثورة الفرنسية حتى كومونة باريس. هكذا تفعل المجتمعات بالعقائد الأممية تطويراً لملاءمة خصوصيات أوضاعها.

وحين أخذت الأحزاب الشيوعية الأوروبية بهذا النهج، بدأت تتخلى عن بلشفيتها في سبيل التأقلم مع بيئتها ونزع سدود التراث الخاص الرافض نسخ تجارب من خارجه، والنهل من ينبوع هذا التراث والتكيف بموجباته، بدأت هذه الأحزاب تؤكد هويتها الأوروبية، ومع هذا التأكيد بدأت تمد الجسور الجبهوية مع الأحزاب الاشتراكية، فولد البرنامج المشترك في فرنسا بين الاشتراكيين والشيوعيين، وأخذت أحزاب أخرى تنهج النهج نفسه في أوروبا. لقد حاولت إسبانيا عزل الشيوعيين عن اللعبة الديمقراطية ولكن ذلك أعطى لهم وهجاً خاصاً، فبدوا كأنهم الحزب الأقوى الذي تحاول كل القوى منعه من ممارسة حقه في الحرية، لأنه إذا تنفس بحرية سيطر على الساحة. وتنبهت السلطات الإسبانية متأخرة لما قدمت للحزب الشيوعي الإسباني من دعاية مجانية باضطهاد زعيمه وقادته، فرفعت عنه الحظر لتساويه بباقي الأحزاب.

إن أوروبا – القارة ليست اسكندنافيا وبريطانيا. فـ “البراغمية” لا تنفع في مجتمعات مدينة للتراث الفلسفي الجدلي الـ “هيغلي”، ومن قبل الإغريقي، بكل خصبها الفكري. و”ماركس” هو ابن هذه المدرسة الفلسفية بالمنهج، وإن لم يكن بالنتائج. من هنا فإن الماركسية وارثها الفلسفي كانت إلى وقت قريب منهلاً لطلاب أوروبا في جامعاتهم. ومن بعد الماركسية لم تولد في أوروبا مدرسة عقائدية بهذا التناسق والشمول.

ونحن كسوريين قوميين اجتماعيين، عندنا الكثير نقدمه في هذا المجال، إذا ما طرحنا تجربة عالمنا ونتاج نظرتنا الفلسفية إلى العالم، وتفاعلنا مع جديد أفكاره بمنهجنا العلمي. ففي مجتمعنا حيث تنفجر ظروف ثورية مختلفة عن ظروف أوروبا تولد دورة حضارية وفلسفية وعقائدية جديدة، هي إخصاب كبير للفكر الإنساني.

أما على صعيد الاستراتيجيا، فمفروض أن نلاحظ أن تعاطينا مع القوى هو رهن بموقفها من قضيتنا القومية ومحورها الملتهب في هذه المرحلة، هو فلسطين. ونحن في هذا المجال لا نستطيع إلا التأكيد على الحقائق الراهنة، بكل موضوعية وثورية صريحة ومسؤولة.

وعلينا التعاطي بإيجابية مع القوى التي تريد تأكيد استقلاليتها وشخصيتها الأوروبية. وفي هذه المجال يمثل الديغوليون وسط اليمين الأوروبي، هذه القوة المؤكدة على الشخصية الفرنسية والأوروبية ضد الهيمنة الأميركية، وبالتالي “الصهيونية”. ولا ننسى إطلاقاً مواقف الجنرال “ديغول” الجريئة في مناصرة قضايا العرب. وخاصة قضيتنا القومية في فلسطين، وهو أول من أطلق في أوروبا على المقاومة الفلسطينية نعوت الاحترام، وقارنها بالمقاومة الفرنسية للغزو النازي. كما أن الأحزاب الشيوعية الأوروبية، على خلافنا الإيديولوجي والعقائدي معها، تمثل قوة أوروبية مستقلة في اليسار، وهي أسلم موقفاً بالنسبة للمسألة الفلسطينية من مواقف معظم الأحزاب الاشتراكية. ومفروض التعاطي معها بإيجابية.

ولا بد لنا في الختام من تأكيد الحقيقة الأساسية التالية. وهي أن حرب النفط كان لها فعلها الكبير على اقتصاديات أوروبا. ويتخوف البعض من أن تؤدي أزمات النفط ذات يوم إلى سقوط النظام الرأسمالي في عدد من الدول وإلى حروب جديدة تقود إلى قيام نظام جديد.

ونحن يجب أن نحرص على إنقاذ النفط من أن يكون سلعة احتكارية بيد الإمبريالية وأن نحسن توظيفه كسلاح خطير في حربنا القومية، مميزين ذلك التناقض الكبير ما بين أن تكون هذه السلعة في يد الاحتكارات العالمية لمصلحة استمرار نظام معين، وبين أن تؤدي الأزمات الناجمة عنها لدى المستهلك الإمبريالي إلى تبدل ذلك النظام.

 

#الراحل أنعام رعد : رجل سياسي بأمتياز ، وشغل مناصب قيادية في الحزب السوري القومي الاجتماعي من أصغر مسؤولية حتى رئاسة الحزب قبل وفاته ، وكان معروفا ً بشخصيته القيادية والسياسية في الشرق خاصة في مرحلة السبعينات والثمانينات وخلال الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان.

 

المصدر : د.ميلاد السبعلي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.