نجاح واكيم ” ماهر اليماني بأختصار

0 580

“أنا لا أثق بعرفات، أثق بجورج حبش،” قال لي الرئيس أحمد بن بللا. “أبلغْ جورج حبش، باسمي، أن لا يرتكبوا غلطةَ الخروج من بيروت. لن تتمكّن إسرائيل من دخول بيروت إذا بقيت المقاومة هناك. سوف تفشل، فلا تمنحوها انتصارًا مجّانيًّا. عرفات لا يمكنه الخروج من بيروت إذا بقي جورج حبش هناك.” كان ذلك مساءَ السادس من حزيران 1982.

عدتُ بسرعةٍ إلى بيروت عن طريق دمشق (كان مطار بيروت مغلقًا). فتّشتُ عن “الحكيم،” والتقيتُه في بيت بسّام أبو شريف، الذي حضر اللقاءَ معنا. أبلغتُه رسالةَ بن بللا. كان مطرِقًا ينظر إلى الأرض. رفع رأسَه وسألني: “وما رأيك أنت؟” قلت إنّ هذا هو رأيي أيضًا. لم يكن بسّام أبو شريف مرتاحًا.

لن أستفيضَ في سرد تفاصيل ذلك اللقاء بالدكتور جورج حبش. المهمّ أنّه بعد فترةٍ اشتدّ فيها القصفُ على بيروت، خرجت المقاومةُ الفلسطينيّةُ بجميع فصائلها. وبعد فترة قصيرة دخلتْ “إسرائيل” إلى بيروت، ووقعتْ مجزرةُ صبرا وشاتيلا، وبدأتْ عمليّاتُ تنكيلٍ بالفلسطينيين على أيدي القوّات الإسرائيليّة والسلطة اللبنانيّة وحزبِ الكتائب وما كان يُعرف باسم “القوات اللبنانيّة.”

كان مواطنون فلسطينيّون كثر يأتون إلى بيتي في محلّة قصقص. يَذْكرون لي معاناتَهم وحاجاتِهم التي يطلبون منّي إيصالَها إلى القيادة الفلسطينيّة لكي تساعدَ على التخفيف من وطأتها. كنتُ أذهب كلَّ أسبوع أو أسبوعين مرّةً إلى دمشق بالطائرة، لأنّ الطرق كانت مغلقةً بحواجز الإسرائيليين و”القوات اللبنانيّة.” وفي دمشق، كنتُ لا أتّصل بأحد أو ألتقي أحدًا سوى الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. في مكتب “الحكيم” كنتُ أرى اثنين أو ثلاثة يلازمونه باستمرار. واحدٌ من هؤلاء لفت نظري بشكل خاصّ. كان يبدو نشيطًا رياضيًّا مقاتلًا، هادئًا صارمًا. كانت نظراتُه ثاقبةً، كأنّما كان ينظر ويدقّق في أعماق مَن يأتون إلى مكتب الحكيم. لم أسمعْه مرّةً يتفوّه بكلمة.

 سألتُ مرّة واحدًا من أعضاء الجبهة الشعبيّة: مَن هذا الذي يلازم الدكتور جورج حبش؟ “ألا تعرفُه؟ هو ماهر اليمانيّ،” قال. كنتُ أعرف أبا ماهر، وكنتُ أحترمه كثيرًا وأحبُّه. قلتُ في نفسي: “آه إنّه ابن أبي ماهر.” ولكنْ، بعد فترة غير قصيرة، صحّح لي أحدُهم الأمرَ: “هذا شقيق أبي ماهر، لا ابنُه.”

كان ماهر مثابرًا على العمل، ولكنْ وفق قناعاته، ومن ضمن التزامه بالجبهة الشعبيّة

بعد ذلك أخذتُ أتعرّف أكثر إلى ماهر اليمانيّ. صار يتردّد إلى مكتبي، فيَعْرض عليّ بعضَ المشاكل التي يعانيها مواطنون فلسطينيّون، لعلّي أتمكّن من المساعدة في حلّها. وكذلك كنّا نعمل معًا على حماية بعض ممتلكات الجبهة الشعبيّة، وهي ممتلكاتٌ وضعتْها الجبهةُ باسمي بُعيْد مغادرتها بيروت. كان دائمًا في عجلةٍ من أمره، إذ كان يغادر فور الانتهاء من المسألة التي جاء من أجلها. لم أعرف مرّةً مِن أين جاء، ولم أعرف إلى أين كان يذهب. التكتّم والسرّيّة كانا يشكّلان جزءًا كبيرًا من شخصيّته، ربّما بسبب طبيعة عمله كمقاتلٍ في الجبهة الشعبيّة، ومن مدرسة وديع حدّاد بالذات.

توطّدت العلاقةُ  بيننا، وصار ماهر يتردّد على مكتبي، وأحيانًا على بيتي، كلَّ فترة. كذلك أخذ يتخلّى بعضَ الشيء عن تحفّظه وصمته.

كان المسار الذي اختاره ياسر عرفات، وأدّى في نهاية الأمر إلى اتفاقيّة أوسلو، قد بدأ يتكشّف بوضوحٍ في ثمانينيّات القرن الماضي، بعدما لجأتْ منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة إلى تونس. في ذلك الوقت، ازدحمت الساحةُ الفلسطينيّة، وكذلك العربيّة، بالسجالات حول ذلك المسار ومآله. حتى داخل الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين تنوّعت الآراءُ وتعدّدت المواقف. كان لي موقفٌ حادّ ضدّ هذا المسار، أطرحُه على كلّ مَن ألتقيه. وكنتُ أسأل بالتحديد، وبشكل خاصّ، عن موقف الجبهة الشعبيّة. كان ماهر كعادته يردّ باختصار شاجبًا هذا المسار: “الزلمي – أيْ عرفات – بايع القضيّة.” أمّا رأيُه في بعض الذين كانوا في صفوف الجبهة الشعبيّة، فكان يعبِّر عنه بإيماءةٍ من يده ورأسِه، وبابتسامةٍ هي مزيجٌ من السخريةِ والحزنِ والقرف.

كان ماهر يعبّر عن سخطه من “الفلسفات” والنقاشات النظريّة، سواء تلك التي تدعو إلى “الواقعيّة،” أو تلك التي تتلطّى بـ”الماركسيّة” و”اليساريّة” لتبرير انحدارها نحو “العرفاتيّة.” غير إنّ هذا لم يفتَّ من عزيمته، ولم يزعزعْ إيمانَه بالقضيّة.

كان مثابرًا على العمل، ولكنْ وفق قناعاته، ومن ضمن التزامه بالجبهة الشعبيّة. وكان يُتّهم أحيانًا بأنّه “فاتح على حسابه،” وهي التهمةُ عينُها التي وُجّهتْ من قبلُ إلى وديع حدّاد. وكان يحترم جدًّا، ويقدّر عاليًا، ذلك الرجلَ الذي كان له، في نظري، القسطُ الأكبرُ في صنع مجد الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

ماهر كان من مدرسة وديع حدّاد.

رحم الله الكبيريْن وديع حدّاد وماهر اليماني.

المصدر : موقع الآداب

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.