هل الحاجة إلى الفعل الثوري، لا زالت قائمة

0 388

الفعل الثوري فعل ضروري، في عملية التغيير المنشودة، لكن يبقى

ما هو المضمون، الذي نعطيه للفعل الثوري؟

إن المعنى الذي يتبادر إلى الذهن، هو ما كان يعرف في الأدبيات الاشتراكية، على المستوى العالمي، ب: (العنف الثوري)، الذي يتم اللجوء إليه، في مرحلة معينة، بعد استنفاذ كل الأساليب الأخرى.

وهذا المفهوم، جر الكثير من الويلات على الحركات الثورية في العالم، وخاصة تلك التي نشأت في شروط معينة. فالبلدان ذات الأنظمة التابعة، حيث تعاني الحركات المذكورة، من الأنظمة القائمة، التي تتربص بها ليل نهار، من أجل النيل منها، في أفق القضاء عليها بصفة عامة، كما تعاني من إمكانية الوعي بالذات، وبالواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وبالموقع من علاقات الإنتاج، وبفائض القيمة، الذي يقف وراء النمو السرطاني للرأسمال المالي، الذي لا ينعكس إيجابا على العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين.

ولذلك، نجد أن مدلول الفعل الثوري، يتغير بتغير الشروط القائمة في الواقع، وفي كل مجالاته الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

فتوعية العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من أجل امتلاك الوعي بالذات، وبالواقع، وبعلاقات الإنتاج، وبفائض القيمة، المحكوم بمضاعفة الاستغلال، الذي لا ينال منه العمال إلا جزءا يسيرا، بالمقارنة مع عظمة الأرباح، التي تصير إلى حسابات المستغلين، والتي لا يستفيد منها الوطن أي شيء، والتي غالبا ما تهرب إلى خارج الوطن، فعل ثوري.

وتوعية العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، بضرورة الانتظام في نقابة مناضلة معينة، تشرف على تكوين ملفاتهم المطلبية، وتقود نضالاتهم، من أجل تحقيق المطالب المتعلقة بتلك الملفات، فعل ثوري.

والنضال من أجل تمتيع جميع الناس، بجميع الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، كما هي في الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وحقوق العمال: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمدنية، والشغلية، التي تحقق إنسانية الإنسان، على أرض الواقع، وتؤدي إلى تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي تحفظ كرامة العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، والحرص على فرض التصديق على صكوك حقوق الإنسان، وحقوق العمال، وباقي الأجرء، وسائر الكادحين، والمطالبة المستدامة بملاءمة جميع القوانين المعمول بها، مع الصكوك المذكورة، والعمل على تفعيل القوانين المتلائمة معها، في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، فعل ثوري.

ومحاربة الفساد، بكل مظاهره: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والإدارية، بما في ذلك الريع المخزني، بامتيازاته المخزنية، والفساد الإداري، في مستوياته المختلفة، والفساد السياسي، الذي تمارسه المؤسسة المخزنية، وكل أدواتها المخزنية، بما في ذلك الحكومة، والبرلمان، والجماعات الترابية، ونهب المال العام، الذي هو ملك للشعب المغربي، والمطالبة بعدم إفلات الفاسدين، والمفسدين، والناهبين، والمهربين، من، وإلى المغرب، وتجار الممنوعات، من العقاب، والمطالبة بإرجاع أموال الإرشاء، والارتشاء، والريع، ونهب ثروات الشعب، إلى خزينة الدولة المعنية، هو فعل ثوري.

والحرص على النضال من أجل التوزيع العادل للثروة المادية، والمعنوية، فعل ثوري، والنضال من أجل تحرير الأرض من سيطرة الأجانب، ومن الإقطاع التقليدي، والإقطاع الجديد، ومن أجل تحرير الإنسان، من كل أشكال العبودية، ومن الاستغلال المادي، والمعنوي، فعل ثوري.

والنضال ضد استغلال الدين، أي دين، وخاصة الدين الإسلامي، الذي لا زال يستغل بشكل فظيع، أيديولوجيا، وسياسيا، سعيا إلى تضليل الجماهير الشعبية المومنة بعمق الدين الإسلامي، ومن أجل أن تعتقد أن استغلال الدين الإسلامي، عن طريق أدلجته، هو الدين الإسلامي، مع أن الأدلجة، ليست إلا تحريفا للدين الإسلامي.

وهذا النضال، ليس إلا مقاومة للتحريف العميق، الذي الذي يتعرض له الدين الإسلامي، كشأن فردي، ومن أجل أن يتحول إلى شأن جماعي. واعتبار الدين الإسلامي شأنا جماعيا، تحريف له، خاصة: وأن الإيمان بالدين الإسلامي، لا يكون إلا فرديا: (فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر). والتعامل معه كباقي المعتقدات الأخرى، وخاصة المعتقدات الكبرى، (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله). والحساب يوم القيامة، لا يكون إلا فرديا:

(فأما من أوتي كتابه بيمينه، فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه، وأما من أوتي كتابه بشماله، فيقول يا ليتني لم أوت كتابية)، والنضال ضد الأدلجة، التي يحصد ممارسوها المزيد من الأرواح، هو فعل ثوري.

والنضال من أجل الديمقراطية، بمضامينها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وعلى جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، واستحضار أهمية الوعي الجماهيري، بالنضال الديمقراطي، بالمضامين المذكورة، وبالانخراط الواسع فيه، والعمل على إنشاء جبهات اجتماعية، وثقافية، وسياسية، تقوم كل منها على أساس تحديد مطالب الحد الأدنى الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو السياسي، ووضع برنامج للنضال، في إطار كل جبهة على حدة، وقيام أي جبهة بتفعيل ذلك الرنامج، من أجل فرض الاستجابة إلى مطالب أي جبهة، في أفق التحقيق الشامل للديمقراطية، بكل مضامينها المذكورة، هو فعل ثوري.

والنضال ضد الاهتمام بالقطاع الخاص، وسحب الاهتمام بالقطاع العام، من خلال بيان الأضرار، والآفات، التي يلحقها القطاع الخاص، بالقطاع العام، وبالمجتمع، وبلجوء الدول التابعة، للخضوع إلى اشتراطات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، من أجل جعل كل الدول، والشعوب، تنخرط في خدمة الدين الخارجي، الذي يكاد يغطي الدخل القومي، في كل دولة، والقضاء نهائيا على إمكانية تحرر الاقتصاد الوطني، والنضال ضد كل المؤسسات الدولية، التي تمتص الدخل القومي، وتترك الشعوب التي تعاني أصلا من الفقر، والظلم، والاستعباد، والاستغلال، والاستبداد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، غارقة في خدمة الدين الخارجي.

وما دامت المؤسسات التعليمية الخاصة، لا تهتم إلا بتكديس الثروات، ولا تهتم بالإنسان، والتلاميذ الذين يدرسون في القطاع الخاص، قيمتهم في قدرة آبائهم على الدفع. فإذا عجزوا، يقذف بأبنائهم إلى خارج المدرسة الخصوصية. والمؤسسات الأجنبية المكلفة بالتدبير المفوض، تكنس جيوب المواطنات، والمواطنين، وخاصة بواسطة فواتير الماء، والكهرباء، مما يجعل النضال ضد القطاع الخاص، وضد الخوصصة، فعلا ثوريا متميزا.

والحرص على استحضار أهمية القطاع العام، في المجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعمل على تطور أدائها، في خدمة الشعب المغربي، في التعليم، والصحة، والسكن، والثقافة، يعتبر فعلا ثوريا.

وانطلاقا مما رأينا، يتبين أن الفعل الثوري، في الممارسة النضالية اليومية، على المستوى العام، وعلى المستوى الخاص، لم يعن (العنف الثوري) بمفهومه التقليدي، خاصة وأن هذا النوع من (العنف الثوري)، الذي لا تمارسه إلا توجهات ظلامية محددة، مدعومة من الرجعية العربية، و(الإسلامية)، تحمل وعيا مقلوبا. وهو عنف، يجر على الجماهير الشعبية الكادحة، المزيد من الكوارث الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

ولذلك، فالفعل الثوري / التقدمي / اليساري، الذي يظهر أنه تخلى عن العنف الثوري، منذ سبعينيات القرن العشرين، أصبح يقود النضال اليومي، من أجل تحقيق الديمقراطية، من الشعب، وإلى الشعب، كما وصفها الفقيد القائد الأممي، أحمد بنجلون، في إحدى خطبه الجماهيرية، في مدينة أجادير، في مناسبة معينة.

فالنضال من أجل الديمقراطية، كما يفهمها الحزب الثوري، وكما يسعى إلى تحقيقها، وبكل مضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، هي المعبرة بالقول، وبالفعل، عن الفعل الثوري، الذي ينتجه الحزب الثوري، أو حزب الطبقة العاملة، ولم لا:

حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي ليس حزبا ثوريا فقط، بل هو حزب ثوري مؤصل من الحركة الاتحادية الأصيلة، ومن حركة التحرر الوطني، مما يجعل مهمته تمتد من التاريخ، في عهد الاحتلال الأجنبي، وفي حركة المقاومة، وجيش التحرير، كما تمتد في العمل النضالي اليومي، في صفوف العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، وفي النقابات في عهد الاحتلال، وفيما بعد الاستقلال الشكلي، الذي عرف تأسيس الحركة الاتحادية الأصيلة، تحت اسم:

(الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، من المقاومة، وجيش التحرير، ومن العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، ومن الطلبة المنتمين إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ونظرا لأن التوجه النقابي، في الحزب المؤسس، كان يتحكم في القيادة الحزبية، خلال الستينيات من القرن العشرين، فإن المناضلين الأوفياء، مارسوا قناعتهم حين ذاك، وناضلوا من أجل فرض احترام الديمقراطية، داخل الاتحاد المغربي للشغل، الذين كان يقودهم الشهيد عمر بنجلون، الذي كان حينذاك كاتبا عاما للجامعة الوطنية للبريد، التي شكلت نشازا داخل الاتحاد المغربي للشغل.

الأمر الذي جعل المحجوب بن الصديق، يبعث زبانيته، من أجل ممارسة تعذيب الشهيد عمر بنجلون، في دهاليز مقر الاتحاد المغربي للشغل، بالدار البيضاء، وفي بداية ستينيات القرن العشرين، مما أدى إلى استقلال الجامعة الوطنية للبريد، عن الاتحاد المغربي للشغل، ليمارس الشهيد عمر بنجلون قيادته للنقابة القطاعية، وعمل في نفس الوقت، على إجراء الترتيبات اللازمة، من أجل تأسيس النقابة الوطنية للتعليم، سنة 1965 التي قادت النضالات المطلبية، وبصدق، من أجل تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، لنساء، ورجال التعليم، والتي قامت بدور كبير، وأساسي، في تأسيس مجموعة من النقابات الوطنية ،التي ساهمت بشكل كبير، في تأسيس الك.د.ش، في العشر الأواخر من شهر نونبر 1978، بعد استشهاد الشهيد عمر بنجلون، على يد الظلاميين، تحت إشراف، وبعلم السلطة المخزنية، على أعلى المستويات، وبطريقة غير مباشرة.

فالشهيد عمر بنجلون، بعمله على استقلالية الجامعة الوطنية للبريد، وسعيه إلى تأسيس النقابة الوطنية للتعليم، كان هدفه العمل على إيجاد مركزية نقابية نقيضة للاتحاد المغربي للشغل، الذي يعمل على تكريس الممارسة البيروقراطية، القائمة على أساس خضوع الأكثرية، لإرادة الجهاز البيروقراطي، الذي كان يعرف حين ذاك بالجهاز البرصوي.

فكان بعد استشهاده بثلاث سنوات تقريبا، تأسيس الكنفيدرالية الديمقراطية للشغل، كمنظمة نقابية ديمقراطية، تقدمية، جماهيرية، مستقلة، ووحدوية، التي صارت فعلا نقابة مناضلة، وسجلت، في مسارها النضالي، محطات نضالية نوعية، وفريدة. ومن حق العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، أن يعتزوا بانتمائهم إلى الك.د.ش.

وبناء عليه، فإن انحياز الشهيد عمر بنجلون، إلى الطبقة العاملة، وكل الكادحين، لم يأت برغبة ذاتية منه؛ بل لأن حركة التاريخ تقتضي ذلك؛ لأن مستقبل البشرية، لا يكمن في تكريس الاستغلال، بل في لعمل على الحد منه، عن طريق النقابة المناضلة، في أفق القضاء عليه، عن طريق حزب الطبقة العاملة، أو الحزب الثوري، الذي عمل الشهيد عمر بنجلون على بلورة شروط ولادته، من صلب الحركة الاتحادية الأصيلة، فكان حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزبا للطبقة العاملة، وحزبا ثوريا في نفس الوقت، الذي يناضل بصدق، وبوفاء لدماء الشهداء، وفي مقدمتهم الشهيد المهدي بنبركة، والشهيد عمر بنجلون، والشهيد محمد كرينة، وبحرص على التعبير عن طموحات العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين. وهو حزب، يسترشد مناضلوه بالاشتراكية العلمية، وبقوانينها:

المادية الجدلية، والمادية التاريخية، وبأيديولوجية الكادحين، التي بنيت على أساس الاقتناع بالاشتراكية العلمية، في بناء البرنامجين: المرحلي، والإستراتيجي، الذي يلتزمون بالعمل على أجرأته، في أفق تحقيق الأهداف، التي حددها الشهيد عمر بنجلون في:
تحرير ـ ديمقراطية ـ اشتراكية.
وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، عندما يناضل، لا يناضل من أجل تحقيق مكاسب للحزب، أو لأي من مناضليه، بل من أجل رفع الحيف عن العمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، من خلال تحريرهم، وتحرير الشعب المغربي من العبودية، والاستغلال المادي، والمعنوي، ومن أدلجة الدين الإسلامي، وتحقيق الديمقراطية بمضامينها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والشروع في بناء الدولة الاشتراكية، باعتبارها دولة وطنية، ديمقراطية، علمانية، تعمل على خدمة مصالح الشعب المغربي.

وبالتالي، فإن الحاجة إلى الفعل الثوري، التي أوردناها أعلاه، وفي إطار الحزب الثوري، الذي هو حزب الطبقة العاملة، بأيديولوجيتها القائمة على أساس الاقتناع بالاشتراكية العلمية، كوسيلة، وكهدف، والتي يجب تحقيقها، وبإصرار من الحزب الثوري، الذي عرفناه، والذي تمتد بذوره إلى حركة التحرر الوطني، منذ بداياتها، في ظل الاحتلال الأجنبي للمغرب، مرورا بالمواجهة المباشرة مع الاحتلال: سياسيا، ونقابيا، وعسكريا، وصولا إلى الإعلان عن الاستقلال الشكلي، وانتهاء ببناء حزب الطبقة العاملة، المؤصل من الحركة الاتحادية الأصيلة، التي ينتمي إليها الأوفياء للشهداء، وللعمال، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين، والذي يحمل اسم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الذي يحمل بنية استمراره في اسمه، حتى وإن صار مندمجا في الحزب المندمج، الذي لا بد أن يتحول بدوره إلى حزب للطبقة العاملة، وباقي الأجراء، وسائر الكادحين؛ لأن أي حزب يساري، إما أن يكون للكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة، وإلا فإن هوية اليسار، ستنصرف عنه، وستطرح أزمة اليسار من جديد.

المصدر : الحوار المتمدن – بقلم : محمد الحنفي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.